ثقافة العنف وتأثيرها على الشخصية العراقية

2011-09-26

ثقافة العنف وتأثيرها على الشخصية العراقية


 

د. إبراهيم الحيدري([1])

ثقافة العنف وتأثيرها على الشخصية العراقية

 

منذ قرون طويلة كان العراقيون وما زالوا ضحايا الاستبداد والعنف والقهر والقمع بحيث أصبح العنف أرثا ملازما لهم، ابتداء من حكم نبوخذ نصر، مرورا بمأساة كربلاء وطغيان الحجاج واستبداد المنصور والسفاح وهجوم المغول واستباحتهم لبغداد والصراع الدامي بين العثمانيين السنَّة والصفويين الشيعة لاحتلال العراق، وحتى أشكال الاستبداد والقمع والحروب والحصار والمقابر الجماعية التي خلفها نظام صدام حسين وانتهاء بالاحتلال الغاشم وما افرز ويفرزه من فوضى ودمار وصراعات اثنية ودينية وطائفية، تهدد حاضر العراق ومستقبله، وكذلك الأعمال الإرهابية ذات الآيديولوجية التكفيرية، التي تدمر وتخرب كل شيء، وبخاصة المدنيين العُزَّل من الأطفال والنساء والشيوخ. كل ذلك عمل على جعل العراق يعاني من ردة حضارية أرجعته عقودا عديدة إلى الوراء.

لقد رافق العنف الإنسان في العراق منذ فجر التاريخ، حيث تحول الصراع مع الطبيعة، من اجل السيطرة عليها واستغلالها، إلى صراع الإنسان ضد أخيه الإنسان والسيطرة عليه، وذلك لان البيئة التي نشأت فيها حضارة وادي الرافدين تمتاز بالعنف والشدة بسبب جغرافية المكان وقسوة المناخ وتبدلات المواسم وطغيان الأنهار، إلى جانب الصراع على الماء والأرض. وما أسطورة الصراع بين قابيل وهابيل إلا رمزا للصراع بين الخير والشر. كما أن عنف انليل وكلكامش ونبوخذنصر إنما هو نفس العنف والصراع على السلطة والدولة والإمامة والخلافة. كما أن موت تموز إله الربيع في سومر ومقتل سرجون من قبل الاكديين هو نفسه مقتل الحسين بن علي في كربلاء على يد يزيد بن معاوية. ومثلما بكت عشتار على حبيبها تموز في سومر، ناحت زينب على أخيها الحسين في كربلاء([2]). ولذلك كانت حضارة وادي الرافدين، كما يقول طه باقر، تمتاز بالتوتر والقلق وتوقع المفاجآت والفواجع([3]).

 لقد تأثرت شخصية العراقي منذ القديم بمثل هذه الظواهر سلباً وإيجاباً وجعلت سلوكه متناقضا، متسلطاً حيناً وخاضعاً حيناً آخر، قلقاً ومتوتراً وغير مستقر على حال، وتلفه مسحة من الحزن والأسى، تنعكس في أساطيره وأشعاره وأغانيه، التي هي نتيجة لحالة الصراع المحتدمة بين الإنسان والطبيعة من جهة، وبين الإنسان والإنسان من جهة أخرى .

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل يقتل العراقيون أبطالهم ليبكوا عليهم؟ وهل أن مُكوِّن العنف في الشخصية العراقية هو الميل نـحو ثنائية التسلط والخضوع؟!

 والحقيقة لا يرتبط الأمر بالتركيبة الوراثية (الجينات) ولا بالمناخ أو الطبيعة القاسية، وإنما بطبيعة ونوعية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنتج المعرفة والسلطة والثروة والصراع عليها. كما لا يمكن فصل العنف عن بنية النظام السياسي في سياقاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية، كعوامل موضوعية من جهة، ولا عن دور الفاعليين الاجتماعيين، كعوامل ذاتية من جهة أخرى، فهي تعمل مجتمعة على إنتاج وإعادة إنتاج ثقافة العنف والعنف المضاد.

 العنف ثقافة وليس طبيعة، وهو تطبع واكتساب، رغم الإرث التاريخي الدامي، من الاستبداد والعنف والقسوة وهي مفردات أصبح لها دلالات سياسية وعرقية وطائفية تراكمت عبر الأجيال والسنين. وتاريخ العراق الحديث يؤشر أيضا إلى أساليب متنوعة من العنف والقسوة. فقد تم قتل الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله ونوري السعيد وغيرهم خلال ثورة 14 تموز 1958 وقامت الغوغاء بسحل بعض القتلى في بغداد والموصل وكركوك عام 1959، كما قتل الزعيم عبد الكريم قاسم بقسوة واعدم سكرتير وعدد من أعضاء الحزب الشيوعي وكثير من المحسوبين على اليسار عام 1963. كما أبيد مئات الألوف بعمليات الأنفال وحلبجة والمقابر الجماعية. وقد استخدمت أبشع أشكال العنف بعد هزيمة العراق في الكويت، ثم خلال الانتفاضة العفوية عام 1991. وقد ازدادت وتائر العنف والقسوة والإرهاب بعد سقوط النظام السابق واحتلال العراق.

مربع نص: والسؤال الآخر هو: إذا كان العنف سلوكاً مكتسباً عاماً وشاملاً عند كل الشعوب ويمكن ملاحظته وقياسه، فهل أن مظاهر العنف في المجتمع العراقي أكثر بروزا من غيره من المجتمعات؟ومن الملاحظ أن ظاهرة العنف والعنف المضاد هي أكثر ظهورا في العراق من غيره من الدول العربية أو الدول المجاورة. فإذا قارنّا العراق بمصر أو غيرها نلاحظ أن هناك فارقا في التعبير عن أساليب العنف. فليس هناك ظواهر "سحل" و "فرهود" كما حدث مرارا في العراق. ففي الثورة المصرية في عام 1952 لم يستخدم فيها أي شكل من أشكال العنف ضد العائلة المالكة، حيث وضع الملك فاروق في طائرة خاصة أخذته إلى روما، حسب رغبته، وودعته فرقة عسكرية بواحد وعشرين طلقة مدفع.

ومن الملاحظ أيضا أن العنف في العراق يأتي دائما من الأطراف، وغالبا ما كان يحدث من قبل الجيوش الغازية من الشرق أومن القبائل البدوية من الغرب وكذلك من إنصاف البدو والريفيين، وليس من سكان المدن "الحضر" الذين يكونون أكثر خضوعا واستسلاما واقل عنفا وتغالبا.

إن استمرار الاستبداد والظلم وسفك الدماء، الذي هو دليل على استمرار العنف في العراق، خلَّف وراءه تركة ثقيلة من الكوارث والآلام والأحزان التي أثَّرت وتؤثر على ثقافة وشخصية الفرد العراقي بحيث جعلته أكثر ميلا لرد العنف بعنف مضاد، حسب المصالح والدوافع والأهداف.

 

في سوسيولوجيا العنف

وعلى الرغم من اختلاف آراء علماء الاجتماع في تفسير ظاهرة العنف ودوافعه فإنهم متفقون على أنها ظاهرة ثقافية واجتماعية ونفسية. فهي آلية من آليات الدفاع عن الذات ضد المخاطر التي تجابهها ومن اجل البقاء على الحياة. كما أن هذه الآلية هي إحدى الطاقات الغريزية الكامنة عند الكائن الحي، التي تستيقظ وتنشط في حالات دفاعية وهجومية ويستوي فيها الإنسان والحيوان.

كما يتفق علماء الاجتماع على أن الإنسان ابن بيئته وعوائده، وانه "مدني بالطبع" يتعاون ويتنافس ويتصارع مع الآخرين، وإذا ما واجه خطراً فانه يميل إلى استخدام وسائل دفاعية مختلفة بحسب مستوى تطوره الثقافي والاجتماعي والحضاري. وقد يتطور الميل إلى العنف إلى نزعة عدوانية لإشباع مصالح أنانية خاصة إذا كانت هناك ثقافة عنف تثيرها مصالح وأهداف وغايات خاصة.

ومن الناحية السوسيولوجية، فالعنف هو ميل إنساني، إلى الحالة البدائية الأولى، إذ أن إحدى الخصائص الأساسية التي تميز كل حضارة عن غيرها هي الطريقة التي تستطيع بها تنظيم السلوك العدواني، كطاقة غريزية كامنة وتهذيبية عن طريق توجيهه بصورة عقلانية رشيدة وكذلك تعليم أفراد المجتمع كيف ومتى يكبحون جماح عدوانيتهم.

إن إشكالية العنف تتوقف إذن على شرعية استخدامه، باعتباره عملا لم ينبثق عن ظروف غير طبيعية وإنما عن أعمال استثنائية حولته الظروف غير الطبيعية إلى قناة للتعبير الحاد، والإشباع التلقائي للشعور الغاضب المنفعل واللاعقلاني، الذي لا يتقيد بقواعد وقيم ومعايير أخلاقية، وإنما يكتسب قوته وفعاليته، كونه فعل غير مقنن بقواعد ثابتة غير مشروعة ولا إنسانية، هدفها التخلص من الآخر المختلف بكل الوسائل والأدوات، كالقتل والإبادة الجسدية والاغتصاب وإشاعة الفوضى والتدمير والنهب والسلب والفساد والرشوة وغيرها.

والسؤال الآخر هو: إذا كان العنف سلوكاً مكتسباً عاماً وشاملاً عند كل الشعوب ويمكن ملاحظته وقياسه، فهل أن مظاهر العنف في المجتمع العراقي أكثر بروزا من غيره من المجتمعات؟ وما هي الأسباب والدوافع التي تقف وراءه؟ وهل أن الظروف الموضوعية والذاتية التي تحيط به، وكذلك نمط الثقافة وسمات الشخصية الاجتماعية والنفسية لها دور في ذلك؟!

إن الإجابة على هذه التساؤلات تحيلنا إلى فهم وتفكيك وتحليل الظروف الموضوعية والذاتية وكذلك البيئة الفكرية والمجتمعية التي ساهمت بتشكيلها والبحث عن الدوافع الظاهرة والخفية التي تختفي وراءها.

فمن المعروف أن العراق كان مهد أقدم الحضارات الإنسانية، التي قامت في سومر وأكد وبابل وآشور، كما كان مركزا للحضارة العربية ـ الإسلامية التي ازدهرت في البصرة والكوفة وبغداد. غير أن حدوث قطيعات حضارية عدَّة كانت فصلته عن جذوره بعد سقوط بابل على يد الفرس. وبالكاد استطاع الإسلام أن يؤسس دولة ومدنية، وحضارة مزدهرة في بغداد حتى تم إسقاطها على يد هولاكو، مما شكل قطيعة حضارية طويلة أخرى، تبعتها تغيرات بنيوية عميقة الأثر في التركيبة السكانية والقوى المنتجة، وتدهور الحركة الفكرية وتفكك النسيج الاجتماعي والأخلاقي وأصبح العراق مسرحا لصراعات ومنازعات وحروب دموية مستمرة، وهو ما ساعد على ضعف الانتماء إلى الأرض والدولة وضعف الوازع الوطني والديني والأخلاقي. كما ساعدت النزعة الأبوية البطريركية على الميل نـحو العنف بأشكاله، الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، وعلى ضعف الشخصية وازدواجيتها وخضوعها، وبالتالي ضعف العمل الجمعي المشترك وعدم الشعور بالمسؤولية وازدياد حدة الصراعات الاثنية والدينية والطائفية التي سببت في كثير من الأحيان عنفاً وعنفاً مضاداً مغلفاً بشعارات حضرية([4]).

كما أن ثقافة العنف التي شاعت خلال العقود الثلاثة الأخيرة فكَّكت منظومة القيم والمعايير الاجتماعية الثابتة وأحلَّت محلها قيم الحرب والقمع والخوف وفرضها على المجتمع عن طريق وسائل الإعلام المركزية الموجهة التي سيطرت عليها الدولة، التي انهالت على اللاوعي الاجتماعي وبدون انقطاع واخترقت جميع مؤسسات الدولة والمجتمع، وأنتجت وعياً مستلباً تحول إلى ظاهرة عامة اتخذت كذريعة لحسم الصراعات على المصالح والاستحواذ على السلطة والثروة. كما قادت هذه السياسة الإعلامية المركزية إلى عزلة العراق عن العالم عزلة تامة وعملت على تدهور طرائق التفكير والعمل والشعور وتشويه الثقافة وتفكيك النسيج الاجتماعي والأخلاقي والعلاقات الاجتماعية بحيث جعلت الفرد العراقي يرتد على ذاته وعلى مجتمعه ويصبح أنانياً وعدوانياً ويقطع الخيوط التي كانت تربطه بالقيم والمعايير الاجتماعية التي سادت في منتصف القرن الماضي.

 

العراقيون والشقاق والنفاق

يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: هل أن هذا الإرث التاريخي الدامي بالعنف جعل البعض يصف العراقيين بأنهم أكثر تطرفا وعنفا من غيرهم!؟

من المعروف أن الإمام علي كان قد ذم أهل العراق في خطبة له وقال عنهم "لقد ملئتم صدري قيحا" لأنهم وعدوه بالخروج معه لحرب معاوية ثم نكثوا بوعدهم. كما ذم أهل البصرة بعد وقعة الجمل في خطبة له قال فيها: «أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق» وفي خطبة (القاصعة) ذم الإمام علي أهل الكوفة ذما شديدا وقال: «واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة إعرابا وبعد المولاة أحزابا، ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه، تقولون النار ولا العار، كأنكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه»([5]).

في خطبة الإمام علي دلالات اجتماعية وسياسية هامة، فهي تبين بوضوح مواضع الخلاف والاختلاف، وأنهم يسلكون حسب قيمهم البدوية التي نشأوا عليها، فهم يتظاهرون بالتمسك بالدين الإسلامي شكليا ولكنهم يسلكون في حياتهم اليومية حسب قيمهم البدوية عمليا. وقد حدث هذا مع الإمام الحسين أيضا. فعندما ثار ضد حكم يزيد ابن معاوية، الذي لم يحظ على أي تأييد من المسلمين وبصورة خاصة أهل مكة والكوفة، الذين اعترضوا على خلافته ووقفوا ضده. وعندما اجتمع أهل الكوفة وكتبوا إلى الإمام الحسين أن يقدم إليهم حتى يجتمعوا معه على الحق. وحين قدم إليهم في كربلاء، نكثوا العهد بعد أن بايعوه وتقاعسوا عن نصرته وحدثت مأساة كربلاء المروعة.

يقول ابن الأثير «فلما مرض معاوية مرضه الذي مات فيه، دعا ابنه يزيد فقال: انظر أهل العراق، فان سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فأفعل، فان عزل عامل أيسر من أن تشهر عليك مائة إلف سيف».

هل يعني معاوية سرعة تقلب مزاج العراقيين وعدم رضاهم عن الحكام وميلهم للقيادة والزعامة؟ هذا الرأي يذكرنا ببيت من الشعر الحديث قاله علي الشرقي في وصفه ميل العراقيين للقيادة والزعامة:

قومي رؤوس كلهم

أرأيت مزرعة البصل؟

ويعني بذلك إذا كانت رؤوسهم متشابهة فينبغي أن يكونوا متساوين في حق الزعامة.

لقد شاعت مقولة: "يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق" على ألسنة العرب والعراقيين ونسبوها إلى الحجاج بن يوسف الثقفي(ت95 هـ) الذي ذم أهل العراق لعدم ثبات آرائهم وميولهم السياسية. فعندما تولى حكم العراق وذهب يخطب في المسجد الجامع قال فيهم كلمته المشهورة: "يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق".

كما نسب البعض هذه المقولة إلى الإمام علي أيضا. ويرى ابن قتيبة بان قائلها الأصلي هو عبد الله بن الزبير، بعد مقتل أخيه مصعب بن الزبير، واليه على العراق (عام 73هجرية)، وليس العراقيين، وإنما القرشيين بقيادة عبد الملك بن مروان، حيث قال بن الزبير: «ألا أن أهل الشقاق والنفاق باعوه (أي مصعب) بأقل ثمن كانوا يأخذونه به». وكان الإمام علي ذم أهل البصرة بسبب حرب الجمل، وذم العراقيين لأنهم تقاعسوا عن القتال وتكذيبهم إياه قياسا بحماس أهل الشام للقتال وتصديقهم لمعاوية، ولم يصفهم على العموم بأهل الشقاق والنفاق، فهو خص أهل البصرة بقوله: "عهدكم شقاق ودينكم نفاق"، مع أن قبائل العرب التي سكنت البصرة بعد الفتح الإسلامي كانت عثمانية وأموية الهوى([6]).

ويقال أن الاسكندر المقدوني كتب إلى أستاذه أرسطو، الفيلسوف الإغريقي المعروف، بعد فتحه العراق عام 331 قبل الميلاد ما يلي: «لقد أعياني أهل العراق، ما أجريت عليهم حيلة إلا وجدتهم قد سبقوني إلى التخلص منها، فلا استطيع الإيقاع بهم، ولا حيلة لي معهم إلا أن اقتلهم عن آخرهم». ويقال أن أرسطو أجاب الاسكندر بما يلي: «لا خير لك من أن تقتلهم، ولو أفنيتهم جميعا، فهل تقدر على الهواء الذي غذى طباعهم وخصهم بهذا الذكاء؟، فان ماتوا ظهر في موضعهم من يشاكلهم، فكأنك لم تصنع شيئا»([7]).

ومهما يكن، فإذا كانت هذه القصة صحيحة أو مختلقة، فإنها تلتقي مع ما مر ذكره في وصف أهل العراق بأهل نظر وفطنة وذكاء تدفع إلى الجدل والنقد وإظهار العيوب مع قلة الطاعة والمعصية.

سأل عميد الأدب العربي طه حسين الشيخ محمد رضا الشبيبي وهما يتحاوران في إحدى جلسات المجتمع العلمي المصري: لماذا كان العراقيون دائما ثائرين لا يستقرون على حال ولا يرتضون حاكما؟ فقد قرأت في تاريخ العراق منذ الفتح الإسلامي حتى الآن، وقلما وجدت حقبة خالية من الفتن والقلاقل؟ أجابه الشبيبي بسؤال أغاض طه حسين، قال: أتسمح أن أسألك أنا أيضا؟ لماذا كان المصريين دائما خانعين خاضعين؟ لقد قرأت تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي وقبله أيضا فوجدت المصريين دائما يسترضون حُكّامهم مهما جاروا وطغوا، ويخفضون الهام لكل متحكم فيهم حتى لشجرة الدر؟([8]).

كما وصف الرئيس حسني مبارك، وهو يتحدث في إحدى القنوات الفضائية العربية دون أن يتطرق إلى العراق والعراقيين كونهم أصعب الناس، وانه عاش بينهم في زمن مضى لمدة شهرين أو أكثر في قاعدة الحبانية الجوية عندما كان طيارا وعرف حقائق لم يدركها غيره: قال «ليس هينا التعامل مع العراقيين، انه شعب متنوع ومتعدد وصعب الطباع. وعلق قائلا بان العراقيين يتصفون بالعناد والكبرياء والعنجهية ولا يمكنهم أن يستمعوا أبدا إلى أي عربي ينصحهم، ولا يمكنهم أن يتقبلوا أبدا حتى شرطي عربي في شوارع بغداد ينظم عملية السير»([9]).

وقبل جمال عبد الناصر وحسني مبارك كان علي طنطاوي وزكي مبارك وغيرهم تكلموا كثيرا عن طيبة العراقيين وحسن معشرهم وقوة إرادتهم وكرم ضيافتهم، عن خبرة وتجربة، لأنهما عاشا في العراق لفترة ليست قصيرة في منتصف القرن الماضي.

لقد علمنا التاريخ بان العراق تعرض على مدى تاريخه الطويل لحروب وغزوات وكوارث وصراعات داخلية. وكان سقوط بغداد على أيدي التتار قد حول بغداد إلى خرائب وأنقاض، حيث «أحرقت كتب العلم التي كانت في سائر العلوم والفنون التي ما كانت في الدنيا قبل.. أنهم بنوا بها جسرا من الطين والماء عوضا عن الآجر»([10]).

مربع نص: فهل أن هذه الذهنية أو العقلية العراقية تعود إلى أن نزعة الجدل التي جعلت من سماتهم الشخصية الأنفة والكبرياء والزهو والتصلب في الرأي بحيث تصعب قيادتهم؟ لقد حاول بعض المؤرخين تفسير العنف والقسوة والشقاق والنفاق بجهل العراقيين وميلهم إلى العنف ورغبتهم في العصيان التي أصبحت سجية من سجاياهم. وارجع البعض الآخر منهم هذه السجية إلى تفوق عقول العراقيين وحذاقتهم، وسعى الطرفان إلى إضفاء الشرعية على أقوالهم بإسنادها إلى أحاديث شريفة، في حين أرجعها آخرون إلى عنف الطبيعة وقسوتها وتبدلات المناخ وطغيان فيضان الأنهار. كما كانت آلهة العراقيين القدماء تمتاز بالعنف والقوة والبطش، كالإله انليل وكلكامش.

إن المبالغة في تفسير العنف برده إلى الحتمية الجغرافية يلغي بالضرورة دور الإنسان ووعيه وظروفه الموضوعية والذاتية، باعتباره جوهراً فاعلاً في تقرير مصيره، فالجاحظ، احد كبار المفكرين، المعتزلي الرأي والعقلاني المنهج، يفسر العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء بقوله أنهم «أهل نظر وفطنة ثاقبة، ومع النظر والفطنة يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤوساء وإظهار عيوب الأمراء. ثم يقول وما زال العراق موصوفا بقلة الطاعة وبالشقاق على أولي الرئاسة»([11]).

إن رأي الجاحظ يكاد يشبه ما دعاه علي الوردي بشيوع "النزعة الجدلية" التي يتصف بها أهل العراق، التي تجعل شعبا من الشعوب فطناً متيقضاً متفتح الذهن من ناحية، وكثير الشغب والانتقاد تجاه حكّامه من ناحية أخرى. فأهل العراق هم على النقيض من أهل الشام الذين اعتادوا أن يكونوا طائعين ومنصاعين يصدقون ما يقوله لهم حكامهم ويأتمرون بأمرهم. أما أهل العراق فهم يجادلون في كل قضية ويتنازعون حولها. فهم ضعفاء من الناحية السياسية وأقوياء من الناحية الفكرية، ولذلك فان الفرد العراقي بحسب الوردي، أصبح مزدوج الشخصية، يرتفع بأفكاره إلى مستوى أعلى من مستوى بيئته الاجتماعية، ولكنه لا يستطيع أن يكون طيعا يصدق كل ما يقال له، ولذلك نراه يعاند ويجادل. ويحلل الوردي هذه الخاصية فيقول "ومن طبيعة الجدل انه يثير في الناس التساؤل والتطلع ولكنه يضعف فيهم الركود الفكري ". كما يصف أهل العراق "بأنهم منشقون على أنفسهم أو متفرقون، إنما لا يصح أن نصفهم غدرة على منوال ما شاع عنهم"، لأنهم يختلفون عن غيرهم من الناس([12]).

ومن الممكن مناقشة هذا الإشكالية أيضا: فهل أن هذه الذهنية أو العقلية العراقية تعود إلى أن نزعة الجدل التي جعلت من سماتهم الشخصية الأنفة والكبرياء والزهو والتصلب في الرأي بحيث تصعب قيادتهم؟ وهل أن الوردي مصيب في تشخيصه لازدواجية شخصية الفرد العراقي وتناشزها وتذبذبها بين قيم البداوة وقيم الحضارة؟ أم أن الحتمية الجغرافية كانت قد دفعت بعض المفكرين إلى إرجاع خصائص الشخصية في العراق ليس إلى التناقض بين البداوة والحضارة والصراع بينهما فحسب، بل إلى جغرافية العراق الطبيعية والمناخ القاري الحار صيفا والقارص البرودة شتاءا، وكذلك طبيعة نهري دجلة والفرات، عصبي الحياة فيه أم إلى كل هذه العوامل مجتمعة؟!.

وليس من الغريب أن يقرن الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري تذبذب شخصية الفرد العراقي بتذبذب نهر دجلة بين فيضان مسرف في الشتاء وجفاف مسرف في الصيف. فهو يقول:

سلام على هضبات العراق

وشطيه والجرف والمنحنى

ودجلة لهو الصبايا الملاح

تخوض منها بماء صرى

تريك العراقي في الحالتين

يسرف في شحه والندى([13])

ومع أن هذه الآراء والنظريات تساهم في إلقاء الضوء على معرفة تأثير البيئة والطبيعة الجغرافية وتأثيرها على الشخصية، إلا أن الخصائص والسمات التي تطبع شخصية الفرد العراقي هي ليست صفات نابعة من جغرافية العراق وبيئته الطبيعية فقط بقدر ما هي خصائص وسمات اجتماعية نفسية مكتسبة أيضا خلال تطوره التاريخي مثلما ترتبط بالبيئة المجتمعية القمعية والسلطة الأبوية ـ الاستبدادية التي وقفت حجر عثرة أمام اية إمكانية لتطور طبيعي لمجتمع سليم وبالتالي لتطور خصائص وسمات لشخصية عراقية متوازنة. كما أن الخصائص والسمات التي طبعت شخصية الفرد العراقي هي ليست وراثية وثابتة بقدر ما هي مكتسبة ونسبية في الزمان والمكان وترتبط بظروف وشروط تاريخية واجتماعيةـ ثقافية واقتصادية-سياسية.

 

ظاهرة الفرهود

إن تفكك البنية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وتحلل القيم والمعايير الاجتماعية والدينية والأخلاقية، التي حافظ عليها العراقيون اجيالاً عدة، أدت إلى تدمير إنسانية الإنسان وأهانته وإذلاله بحيث أصبح غريباً عن مجتمعه ووطنه وعن طبيعته الاجتماعية. وما الفوضى وأعمال العنف والنهب والسلب والتدمير الذاتي التي طالت مدن العراق بعد سقوط النظام السابق، سوى نتاج لهذه العوامل الذاتية والموضوعية التي مر ذكرها مع اندهاش المحلل الاجتماعي من هذه الأحداث وتداعياتها وتضارب الآراء حولها وعدم نفاذها إلى ما وراء الظاهرة والأحكام المسبقة والمصالح والغايات المخفية وراءها. فبعد تهاوي النظام الدكتاتوري البائد بهذه السرعة المذهلة بأيدي قوات الاحتلال ظهر بوضوح ضعف الدولة وهشاشة السلطة الحاكمة، التي تركت وراءها مجتمعاً مفككاً وشعباً ممزقاً ومنقسماً على ذاته. وقد دفع الفراغ الأمني والإداري والسياسي وعدم وجود سلطة مركزية إلى تفجير المكبوتات التي تراكمت عبر أكثر من ثلاثة عقود وأججت شحنات الغضب والحقد المشروع وغير المشروع وتفريغها بأشكال وأساليب مختلفة من العنف، حسب وعي الأفراد ومصالحهم وأهدافهم، فاندفع العديد من الأفراد من الفئات الفقيرة والمعدمة والمهمشة والمقموعة وكذلك العديد من رجال الأمن ورموز النظام البائد والعصابات والمرتزقة للقيام بأعمال نهب وسلب اعتاد العراقيون على تسميتها بـ"الفرهو". وهي ظاهرة مرادفة لمفهوم الغزو في الصحراء، التي تقوم بها القبيلة البدوية على ديار قبيلة أخرى ونهبها وتوزيع الغنائم بين أفرادها. والكلمة مشتقة من فعل "فرهد" أي انتفع وامتلاء فسمن، وهي من الناحية القانونية سرقة واعية وعلنية وغير شرعية، ولكنها تعتبر في الثقافة البدوية عرف مقبول باعتبارها "غنائم غزو". وقد اعتاد بعض الأفراد ممارستها في الريف وأحياناً في المدن، خصوصا في أوقات الحروب والفوضى وانعدام النظام والأمن واستغلالها للحصول على المنافع المادية. وقد حدثني جندي عراقي شارك في الحرب العراقية الإيرانية عند احتلال مدينة قصر شيرين انه" فرهد" أيضا مع الآخرين ما وقع أمامه من أشياء. وعندما دخل احد الدور الإيرانية وجد أمامه صندوقا مملوء بأشياء ثمينة، ولكنه لم يستطع مد يده لسرقته وذلك لوجود قرآن كريم وصورة للأمام علي على الصندوق.. فقط.!

ومن الفذلكات الاجتماعية المضحكة ـ المبكية ما حدثني به احد الأصدقاء. فقد حدث أن غنى المطرب العراقي المعروف فاضل رشيد في إحدى "الكسلات" التي كانت تقام في سلمان باك جنوب مدينة بغداد، قال فيها: "شحلو الفرهود كون يصير يومية"!

وقد يقول قائل، بان ظاهرة الفرهود موجودة في كثير من المجتمعات والشعوب، حتى في أميركا وأفريقيا وبخاصة في الأحياء الفقيرة، وهذا صحيح، ولكن هل يعني ذلك أن نقبل بظاهرة مرضيَّة متخلفة، لأن فئات فقيرة ومتخلفة ومهمشة تقوم بها ونقوم بتبريرها؟

وفي الحقيقة عرف العراقيون الفرهود منذ قرون. فإذا استقرءنا التاريخ وجدنا أمثلة عديدة على ذلك منها نهب مخيمات أهل البيت خلال واقعة كربلاء وعند سقوط بغداد على أيدي التتر وكذلك عند احتلال بغداد من قبل الانكليز وعند ترحيل اليهود من العراق عام ([14])1941(13) ثم عند مقتل الملك فيصل الثاني ونهب قصر الزهور عام 1958. وقد تفاقمت عمليات الفرهود خلال الحرب العراقية الإيرانية واحتلال الكويت. وقد حدثت أعمال فرهود عند احتلال الجيش العراقي لبعض القرى والمدن خلال الحرب العراقية الإيرانية وكذلك خلال احتلال الكويت عام 1991 حيث سلبت ونهبت ودمرت كثير من الممتلكات الفردية والحكومية وبخاصة على ايدي مرتزقة النظام السابق. كما قام  رجال من الأمن  والشرطة وعدد من العراقيين بعمليات سلب ونهب ورشاوى وتزوير خلال سنوات الحصار العصيبة طالت المؤسسات الحكومية ودور المواطنين والمحلات التجارية وسرقة بعض القطع الأثرية القديمة التي هربت الى خارج العراق.

 كما حدثت كارثة حضارية فظيعة طالت نهب وتدمير الكنوز الأثرية العظيمة وحرق المكتبات والجامعات والمؤسسات الثقافية في الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام المزاح. أن هذا العمل الإجرامي هو تدمير للحضارة والتاريخ والتراث ومحو للذاكرة العراقية. كما أن هذه الكنوز الأثرية العظيمة هي ليست ملكاً للعراق وثقافته فحسب، بل للحضارة الإنسانية كلها، التي تعود في تاريخها إلى أكثر من سبعة آلاف عام.

ومهما يكن فان نهب الذاكرة العراقية لم يكن مجرد »فرهود« قام به نفر من "الغوغاء" وإنما هي أعمال نهب وسلب وسرقة منظمة ومخططة قامت بها مافيات محترفة تعرف تماماً قيمة ما تسرقه بدقة وعناية وبمساعدة بقايا مرتزقة النظام الدكتاتوري والموظفين والحراس، وربما قبل سقوط النظام بوقت قصير، بدليل كسر وتهشيم وتدمير عدد من القطع الأثرية الأقل ثمنا للتغطية على أعمالهم الإجرامية الشنيعة، مدفوعين بحقد اعمى واصرار على الانتقام وان لا يتركوا بغداد إلا أرضاً جرداء، بعد أن فقدوا سلطتهم ومصالحهم وأهدافهم غير النبيلة، وقد شاركتهم في ذلك عصابات عالمية استطاعت تهريب بعض الآثار المسروقة إلى لندن وباريس وغيرها من عواصم العالم. وقد وقفت قوات الاحتلال الغاشمة موقفاً متفرجاً على عمليات السلب والحرق والتدمير وعلى مرأى ومسمع من الجميع، دون أن تقوم بحراستها والدفاع عنها مثلما فعلت مع وزارة النفط وآبار البترول وبعض المؤسسات العسكرية.  ولهذا فهي مسؤولة مثل الشعب العراقي الأعزل، أمام التاريخ والذاكرة الإنسانية، حين تركوا بغداد الحضارة تدمر وتحرق تحت أقدام العصابات والمرتزقة ومن يقف وراءهم.

 

 

 

الاحتلال وتفجير العنف

إن الاستبداد والقمع والقهر، الذي تراكم عبر عقود طويلة، جعل البعض يتصور وربما يعتقد، بان الاحتلال سوف ينقذهم من جحيم الدكتاتورية، غير أن الواقع يبرهن عكس ذلك، إذ ادخل العراق في جحيم من الفوضى وانعدام الأمن وعدم الاستقرار وشيوع أساليب جديدة من القمع الفكري والإرهاب الدموي ذو الإيديولوجية التكفيرية التي قادت البلاد إلى أتون صراعات أهلية مدمرة أدخلته في نفق مظلم لا يعلم متى يخرج منه بسلام. وقد أحدثت هذه الفوضى والعنف والإرهاب تمثلات فكرية جوهرية طالت الذهنية العراقية المستلبة أصلاً وغيرت تغييرا كبيرا في طرائق التفكير والعمل والسلوك لفئات كبيرة من العراقيين. كما أحدثت اختلالات في المنظومة الاجتماعية والثقافية والقيمية، مثلما طالت شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تفككت خلال العقود الأخيرة. وهو ما سبب ردة حضارية ظهرت في الطفرات المفاجئة والقفزات السريعة صعودا ونزولا في السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وإذا اعتبرنا أن هذه التحولات هي نتيجة طبيعية تصاحب انهيار كل نظام شمولي، كما حدث في ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية وكذلك بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية، فان ما حدث في العراق يختلف عما حدث في تلك الدول. ففي اغلب تلك الدول لم تنهار أسس الدولة ومؤسساتها بهذا الشكل الفوضوي.

إن تفكيك المؤسسات القديمة كالجيش والأمن والإعلام والمخابرات وغيرها التي قامت على أكتاف الدولة الريعية والسلطة الاستبدادية الشمولية أحدثت فوضى وفراغا امنيا وإدارياً وسياسيا، مع توفر ملايين القطع من السلاح التي وقعت في أيدي أعوان النظام السابق والأحزاب والميليشيات والمافيات والمهمشين والعاطلين عن العمل وغيرهم في وقت كان العراق بدون حكومة وجيش وشرطة مما سهل اندلاع أساليب من العنف والإرهاب والصراع الطائفي، وبصورة خاصة في المناطق الغربية " السنية" التي كانت الأكثر تمثيلا في المؤسسات الحكومية المنحلة.

هذه الوضعية غير الطبيعية من الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار أدى إلى اقتسام الدولة (الضعيفة) والسلطة والثروة والنفوذ من قبل أحزاب المعارضة وتحويل "الديمقراطية" إلى سياسة المحاصصة الطائفية وجر البلاد إلى ما يشبه الحرب الأهلية. وهي لحظات فاصلة في تاريخ العراق الحديث يكشف المجتمع فيها عن نفسه ويرفع القناع عن وجهه الحقيقي ويفشي أسراره وخفاياه بدون مواربة، مما جعل العراقيون يتساءلون، بعد أن تحرروا من الخوف من السلطة وليس من المجتمع، حول ما جرى ويجري من انقسامات اجتماعية مرضية وأعمال عنف وحشية أعادت أنتاج منطق التناقضات بشكل أسوء مما كان علية سابقا، حتى وصل الأمر إلى القتل على الهوية وقطع الرؤوس وقتل النساء وتفجير المفخخات والأحزمة الناسفة واغتيال العلماء والأساتذة والأطباء. كما أصبحت النساء يعشن في خوف ورعب من تعرضهن للقصاص بحجة السفور والتبرج من قبل متشدّدين إسلاميين وغيرهم من الأعمال الإجرامية الفضيعة.

مربع نص: فإلى جانب نهب الوزارات ودوائر الدولة والمتاحف والمدارس والجامعات، نهب الرعاع دور رعاية المعوقين ولم تسلم منهم حتى أسرة المعاقين التي ينامون عليهاوبالرغم من أن العراقيين ذاقوا طعم الحرية لأول مرة وبدأوا يتولّون قيادة مجتمعهم بأنفسهم ويمتلكون إرادتهم وإعادة إنتاج وعيهم من جديد والعمل على بناء دولة القانون والمجتمع المدني التعددي، فأنهم ما زالوا يعانون من ضعف الدولة وتبعيتها لقوى الاحتلال وشيوع الفوضى و العنف والإرهاب الذي طال الإنسان والمجتمع والدولة الذي هو نتيجة طبيعية للاحتلال وكذلك لطبيعة السياسة الأميركية وما ارتكبوه من أخطاء وفشلهم في إعادة إنتاج البنى التحتية وإعادة التوازن إلى المجتمع العراقي، إلى جانب ما تقوم به دول الجوار من إشعال فتيل الفتن والاضطرابات وتشجع أعوان النظام السابق والإرهابيين الأجانب واعوانهم على استعمال منطق القوة والعنف والقسوة لإعاقة عملية بناء الدولة الوطنية واستخدام العنف لتعطيل التحول السياسي التدريجي وتدمير المؤسسات الحكومية وتعطيل النشاط الاقتصادي وضرب الرموز السياسية والدينية والتكنوقراطية، في محاولة لإشعال حرب طائفية تحرق الأخضر واليابس وتعطل الخطوات المتعثرة للعملية السياسية، رغم خروج أكثر من ثمانية ملايين ناخب للمشاركة في الانتخابات تحت ظروف وشروط أمنية صعبة جدا([15])، بوعي أو بدونه.

والحقيقة، أن أعوان النظام السابق الذين ما زالوا يحلمون بالعودة إلى السلطة والتسلط والحركات السلفية التكفيرية التي تريد إشعال حرب مقدسة ضد الاحتلال وإعلان دولة إسلامية في ربوع وادي الرافدين وكذلك الأحزاب والمليشيات والعصابات التي قامت على أنقاض الدمار والخراب والفوضى التي سببها تفكك مؤسسات الدولة التي لم يكتمل نضجها والتي تريد "نهش" حصتها من "الكعكة" وتحقيق مصالحها الذاتية وأهدافها السياسية، وأخيرا سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي تريد إعادة بناء الدولة العراقية وفق استراتيجيتها البعيدة المدى، التي أدت ليس إلى إسقاط النظام السابق فحسب، وإنما إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتدميرها وفتح الباب لنشوء مؤسسات جديدة وصعود قوى اجتماعية وسياسية كانت مهمشة أو مقصاة واعادة توزيع السلطة بشكل جديد ولو تحت مسميات "ديمقراطية". كما تم اقصاء "السادة" القدامى عن مواقعهم التي احتلوها بالقوة، مما سبب توزيعا جديدا للثروة والمكانة الاجتماعية التي تقوم أساساً على ريع النفط. وهو ما سبب انقساما في المجتمع وتمزيقا للهوية الوطنية وتشويها لشخصية الفرد العراقي.

إن انقسام المجتمع العراقي على ذاته وتمزق الهوية الوطنية إلى هويات فرعية، اثنية وجهوية وقبلية وطائفية وغيرها والاحتراب فيما بينها، كشف بوضوح عن خواء تجارب القوى السياسية العراقية وعن فقدانها الوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي ومحتواه الحضاري وعن العقد السياسية والاجتماعية والنفسية التي تعاني منها، مثلما كشفت بأنها لا تمتلك مشروعا وطنيا شاملا وليس لديها قواعد جماهيرية حقيقية وواسعة تستند عليها، وهو ما شكل أرضية لقيام المحاصصة الطائفية في كافة مؤسسات الدولة وحتى مؤسسات المجتمع المدني، وولادة مراهقة سياسية قامت على الانقسام والتجزؤ والمحاصصة الطائفية وظهور مئات الأحزاب والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني دون رؤى سياسية واضحة .

والى جانب استشراء العنف والإرهاب هناك عنف اجتماعي يظهر في ضروب من القمع والقهر الذي يمارس جسديا واجتماعيا ونفسيا وبصورة مخفية ومسكوت عنها، أو حين يمارس تحت شعارات دينية واجتماعية وأخلاقية، وبخاصة ما يمس المرأة والضعيف والقاصر والمعوق، أو الاتهام بالباطل والشتم وإطالة الأعراض والكفر بالمقدسات، إلى جانب العنف الاقتصادي والسياسي واستشراء الفساد الإداري الذي انتشر كالوباء في جميع مرافق الدولة والمجتمع وعلى كافة المستويات والطبقات والفئات الاجتماعية، حيث أخذ ينخر في الدولة وفي مؤسساتها وموظفيها الكبار والصغار، وليس هناك من يجروء على محاسبة الفاسدين والمرتشين، بحيث تحول مفهوم السلب والنهب إلى ظاهرة اجتماعية جديدة لا تقتصر على القبيلة، وإنما تتعداها إلى أحزاب وميليشيات وعصابات وجدت في الدولة الضعيفة منفذا لتجاوز القانون والشريعة فعادت إلى غزواتها وعصبياتها القبلية مغلفة بشعارات الحداثة والديمقراطية.

ومن أشكال العنف الجمعي الغوغائي حالات الاغتصاب والتنكيل والثأر والانتقام وغيرها. وليس قضية (دعاء)، الفتاة الأيزيدية التي أحبت شابا مسلما وأرادت الزواج منه، فثارت ثائرة عائلتها وأقاربها وتجمعوا حولها واخذوا يرجمونها بالحجارة ويركلونها بقسوة ووحشية حتى أسلمت روحها . كما أثار مقتلها ردود فعل سلبية وانتقامية، منها قتل مسلحين أصوليين لثلاثة وعشرين عاملا أيزيديا بالقرب من الموصل. وقد تحولت قضية دعاء من جريمة غسل عار عشائرية إلى قضية نزاع ديني وطائفي. ودعاء في الحقيقة ليست سوى واحدة من عشرات النساء اللاتي يقتلن تحت تسميات مختلفة وبأساليب بدائية في مجتمع أبوي ذكوري يعيد إنتاح القيم العشائرية السيئة([16]).

وهناك مثال صارخ آخر هو فضيحة ملجأ الأطفال المعاقين ببغداد التي كشفت عنها شبكة تلفزيون CBS في 19-6-2007 حيث بثت لقطات تلفزيونية تظهرهم وهم عراة من دون ملابس ويفترشون الأرض وفي حالة مزرية، مع غياب الحماية والخدمات الإدارية والصحية وسوء التغذية. وتعد هذه الفضيحة خرقا فاضحا لحقوق الإنسان في العراق. كما أن هذه الحالة المؤلمة لعذابات الطفولة البريئة تذكرنا بمأساة أخرى أعمق دلالة وأكثر بؤسا وهي مأساة الفرهود الكبير الذي حدث مباشرة بعد سقوط النظام السابق عام 2003. فإلى جانب نهب الوزارات ودوائر الدولة والمتاحف والمدارس والجامعات، نهب الرعاع دور رعاية المعوقين ولم تسلم منهم حتى أسرة المعاقين التي ينامون عليها .

ولضرورة إعادة إنتاج الوعي الاجتماعي والهوية الوطنية فعلى العراقيين جميعاً تعلم ممارسة الديمقراطية ونشر ثقافة التسامح والحوار وتجنب ثقافة العنف، التي تعطى لها مساحة اكبر واستبدالها بثقافة التفاهم والتواصل والحوار العقلاني الرشيد.

العنف لا يمثل فضيلة بقدر ما يمثل تعدياً على الآخر المختلف وانتهاكا لحقوق الإنسان. وإذا كان العنف فضيلة الإنسان القوي، فالتسامح لا يمثل سوى ضعف الإنسان الذي تعوزه الشجاعة لأن يكون متسامحاً، وان قوة التسامح تكمن في مبدأ أن تعيش وتترك الآخر يعيش بسلام. وان بناء المجتمع المدني لا يعني بناء مؤسسات مدنية فحسب، بل تكوين "جماعات ضغط" مهمتها مراقبة مؤسسات الدولة وتحديد الحقوق والواجبات والمصالح المرتبطة بها، وبمعنى آخر أن لا تكون أيديولوجية وان تكون متحررة من المصالح والغايات ومن تدخل الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمة ذلك فصل ما هو مدني عن ما هو سياسي. إن بناء المجتمع المدني المنشود هو ليس معطى جاهزا وإنما هو سيرورة اجتماعية ـ ثقافية لا تنمو ولا تتطور إلا في فضاء من الحرية والتعددية والديمقراطية. وهو كفيل بإعادة الاعتبار إلى الإنسان العراقي وإعادة تشكيل هويته الوطنية الموحدة، التي هي أولى أولويات إعادة بناء الإنسان العراقي المكسور اجتماعياً ونفسياً وأخلاقياً وإعادة الثقة إليه وبالتالي إعادة بناء النسيج الاجتماعي والعائلي والأخلاقي المفكك والهوية الوطنية الموحدة التي تكوّن القاسم المشترك بين جميع أفراد الشعب العراقي.


الهوامش:



([1]) أستاذ مشارك في علم الاجتماع مقيم في بريطانيا.

([2])  إبراهيم الحيدري، ترجيديا كربلاء ـ سوسيولوجيا الخطاب الشيعي، دار الساقي، بيروت 1999،ص24-25.

([3])  طه باقر، تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، بغداد ص 79.

([4])  إبراهيم الحيدري، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، دار الساقي، بيروت 2003.

([5])  نهج البلاغة، شرح الإمام الشيخ محمد عبده،ج2، بيروت، بدون تاريخ، ص44 و ص155.

([6])  رشيد الخيون، من القائل، يا أهل العراق أهل الشقاق والنفاق؟،الشرق الأوسط، لندن في 22/7/2004.

([7])  علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد 1965، ص 366، الحارث عبد الحميد، الشخصية العراقية، مجلة المعرفة الالكترونية، في 27 /3/2007.

([8])  مير بصري، أعلام الأدب في العراق الحديث، الجزء الأول، لندن 1994، ص109.

([9])  سيار الجميل، خطاب خاص إلى العراقيين، إيلاف، في 19/1/2005.

([10])  انظر أبو المحاسن يوسف بن تغري،النجوم الزاهرة، الجزء السابع، ص51.

([11])  الجاحظ، البيان والتبيين، الجزء الثاني، القاهرة بدون تاريخ، ص94.

([12])  علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد1965، ص 267 و ص269.

([13])  محمد مهدي الجواهري، ديوان الجواهري، الجزء الثاني، دار العودة، بيروت 1982، ص258.

([14])  توفيق الفكيكي، أوكار الهزيمة، رياض الريس، لندن 1993، ص 18، رشيد الخيون، الأديان والمذاهب بالعراق، دار الجمل 2003، ص 103.

([15])  فالح عبد الجبار، مصادر العنف ومآله، جريدة الحياة، في 5.6.2005.

([16])  جريدة الشرق الأوسط ووكالات الأنباء، في 13 مايس 2007.

العودة الى صفحة تفاصيل الخبر