الرسائل الفقهية العملية وتكريس الاحتكار والطبقية

2011-09-26

الرسائل الفقهية العملية وتكريس الاحتكار والطبقية


 

علي المسعودي

الرسائل الفقهية العملية وتكريس الاحتكار والطبقية الفكرية

 

 

 

 أُعلن في البداية وبشكل نهائي إن هذه المقالة ليست مُسخرّة للطعن في مبدأ التقليد الفقهي ـ وإن كان في الحالة التي هو عليها الآن قابلا للكثير من الطعون ـ إنما المقالة يمكن أن تندرج ضمن جهود نقد المنهج، وفي هذا الشأن فأني لن أفوّت فرصة الاستفادة من بعض الأمثال الرخيصة التي تخدم أفكارا غالية، فأحيانا ما تقوم تلك الأمثال بهذه المهمة الجليلة مع إننا نغفل عن ذلك كثيرا.

 إذ يُحبّذ للذي يروم الكتابة في المواضيع الدينية أن يستخدم الطرق اللامباشرة للتصريح بأفكاره إذا علم إن الصدم بها سيجلب عليه الكثير من الاتهامات وسوء الفهم، على كلِّ حال فأن التهيّب ـ حتى في اختيار العنوان ـ لن يكون أمراً مرذولا في ظل هذه الظروف.

 ومثلما في المخترعات التقنية والسلعية التي تأذن بظهور أنماط جديدة من السلوك والثقافة في المجتمعات التي تظهر فيها، فأن بعض المؤلفات في الفكر والأدب والدين تؤسس لمناهج واتجاهات جديدة ومختلفة عن المناهج التي سبقت ظهور تلك المؤلفات. لا أعرف على وجه التحديد ـ مثلا ـ متى كفّ العرب والمسلمون عن استعمال لفظ (بن) للربط بين أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم لكني أعرف إن هذا التقليد أصبح شائعا الآن حتى ليبدو كأنه تقليد أصيل وقديم مع إنه لم يكن كذلك، عوامل كثيرة تدخل في انتشار الإبداعات الجديدة وتسهم في جعل الناس يقبلون عليها وينخرطون في الترويج لها، ولعل التسهيل وقلّة الكلفة ـ في الجهد والوقت ـ هما من أبرز تلك العوامل.

 

تطوّر التدوين الفقهي لدى الشيعة:

 مرّ التدوين والتأليف الفقهي لدى الشيعة بمراحل مختلفة اختلفت فيما بينها في مددها الزمنية أو في مستوى التأثير والتفاعل أو في طبيعة القوة والنشاط أو الضعف والركود لتلك المراحل وكان لكلّ مرحلة أعلام تركوا بصماتهم الواضحة عليها. ولا أريد في هذه المقالة المضغوطة أن أنشغل بتأريخ تلك المراحل وإنجازات رجالها إلا بقدر التمهيد لما أريد أن أقوله لاحقاً .

كانت مرحلة عصر الأئمة(ع) هي المرحلة الأولى التي أُسس فيها للفقه الجعفري ومن الأكيد إن الأئمة هم الذين قاموا بذلك التأسيس لكنّ من غير الأكيد معرفة ما إذا كانت جهودهم المضنية تهدف إلى تأسيس فقه مذهبي بالمعنى الحالي لهذه المفردة، مع إن الظن يغلب إن إنجازاتهم الفقهية والفكرية كانت ذات طابع إسلامي عام بدليل، تتلمذ أعلام بارزون من جميع الفرق لديهم. لقد قام الأئمة بوضع الأصول الفقهية الأولى ثم أمروا مريديهم وأتباعهم بتفريع الفروع على تلك الأصول، فقد روى محمد بن إدريس في آخر (السرائر) نقلا من كتاب هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول، وعليكم أن تفرعوا، ونقل من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا (عليه السلام) قال: علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع.

وفي هذه المرحلة تم تدوين تلك الأصول بصورة متفرقة ومشتتة حتى إن صاحب الوسائل قال إن عدد المتون التي أُلفت في تلك المدة (أي قبل الغيبة) بلغت أكثر من ستة آلاف وستمائة كتاب، تم توحيدها في المرحلة الثانية وهي مرحلة أهل الحديث حيث جُمعت في أربع مجاميع حديثية كبرى هي :

1.      كتاب الكافي: لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 328/ 329 هـ.

2.      كتاب من لا يحضره الفقيه: لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المتوفى سنة 381 هـ.

3.      الاستبصار والتهذيب: لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 هـ.

وهذه الكتب حوت تقريباً أكثر الأحاديث المنقولة عن الأئمة الأطهار مع المحافظة على أسانيدها. ومعها ظهرت كتب الأحكام الشرعية ومنها (المقنع) للشيخ الصدوق و(النهاية) للشيخ الطوسي. وهذه الأخيرة حافظت على متن الرواية مع حذف الأسانيد بدون أي تدخّل أو تغيير. كما أنها كانت تقريباً شاملة لأكثر الأبواب الفقهية فكانت وظيفة الفقيه انتقاء المتون التي يراها صحيحة ويرتّبها كأحكام شرعية.

وقد كان المحدثون الأوائل كالصدوق والكليني وغيرهم، خصوصا خريجي مدرسة قم ينظرون إلى الاستدلالات العقلية بأنها نوع من القياس الذي نهى عنه الإمام، ولكن البعض رؤوا ذلك مشروعا وعملوا على ضوئه، مما شجّعهم على السير على خطى أهل السنة في الاجتهاد وإعمال العقل في استنباط الأحكام الشرعية وكانوا يستدلون بالعقل على كثير من الأمور ومن أولئك:

أ. أبو محمد الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني الحذاء (ابن أبي عقيل) المعاصر للكليني، شيخ فقهاء الشيعة، والظاهر أن الزعامة الدينية الشيعية كانت له بعد الغيبة الصغرى، انتقلت إليه بعد آخر السفراء الأربعة. وهو أول من أدخل الاجتهاد بشكله المعروف إلى الأبحاث العلمية، وصنف (المستمسك بحبل آل الرسول) الكتاب الذي كان في القرنين الرابع والخامس من أهم المراجع الفقهية عند الشيعة، وهو أول من حرر المسائل الفقهية وذكر لها الأدلة، وفرع عليها الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى. وقد أثنى الشيخ المفيد على كتابه (المستمسك بحبل آل الرسول) ثم جاء من بعده.

ب. ابن الجنيد الإسكافي (ت 381 هـ) مؤلف كتاب (تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة) و(الأحمدي في الفقه المحمدي) فسار على نهج ابن أبي عقيل. وقد أُطلق اصطلاح القديمين على هذين الفقيهين. ولكن الطائفة لم تأخذ بأقوال ابن الجنيد وابن أبي عقيل لأنهما كانا يعملان بالقياس والرأي، وكانا يعتبرانه حجة، ولذا لم يعتمد على أقوالهم. وكان ابن أبي عقيل لا يرى حجية خبر الواحد، وكانت فتاواه تعتمد على الأمور المسلمة في القرآن والحديث، ولم يعتمد إلا على الأحاديث التي لا شك ولا شبهة فيها، والتي هي قوية محكمة، وكانت آراؤه مورد تقدير واحترام العلماء الأعلام. وأما ابن الجنيد فقد كان يرى حجية الأحاديث المذهبية، غير القطعية. ولأجل الدفاع عن نفسه أمام هجمات علماء زمانه ألف كتبا عديدة منها (كشف التمويه والإلباس على اغمار الشيعة في أمر القياس) و (إظهار ما سره أهل العناد من الرواية عن أئمة العترة في أمر الاجتهاد).

 

الطوسي شيخ الإبداع والطائفة

ومع كلّ ذلك فأن أثر ابن أبي عقيل وإبن الجنيد ظهر سريعا عندما حدث التحول الكبير في الفقه الشيعي على يد الشيخ الطوسي عندما ألف كتابيه (المبسوط) و(الخلاف) وخلق نوعا من التغيير والتحول في محتوى ومضمون المتن الفقهي الشيعي، حيث سلك فيهما مسلك الأسلوب السني الحاكم آنذاك، ولعل هذا السلوك كان منشأ التوهم القائل بنسبة الشيخ الطوسي إلى مذهب الشافعية. ويورد الشيخ في مقدمة المبسوط لواعجه والأسباب التي دعته إلى ابتداع هذا المنهج الجديد في تفريع الفروع فقد قال: «وكنت على قديم الوقت وحديثه متشّوق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك القواطع وتشغلني الشواغل، وتضعف نيتي أيضا فيه قلة رغبة هذه الطائفة فيه، وترك عنايتهم به لأنهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ حتى أن مسألة لو غير لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها وقصر فهمهم عنها، وكنت عملت على قديم الوقت كتاب النهاية، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصولها من المسائل وفرقوه في كتبهم، ورتبته ترتيب الفقه وجمع من النظائر، ورتبت فيه الكتب على ما رتبت للعلة التي بينتها هناك، ولم أتعرض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الأبواب وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك، وعملت بآخره مختصر جمل العقود في العبادات سلكت فيه طريق الإيجاز و الاختصار وعقود الأبواب فيما يتعلق بالعبادات، ووعدت فيه أن أعمل كتابا في الفروع خاصة يضاف إليه كتاب النهاية، ويجتمع معه يكون كاملا كافيا في جميع ما يحتاج إليه ثم رأيت أن ذلك يكون مبتورا يصعب فهمه على الناظر فيه لأن الفرع إنما يفهمه إذا ضبط الأصل معه فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصلها الفقهاء وهي نـحو من ثلاثين كتابا أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، واقتصرت على مجرد الفقه دون الأدعية والآداب، وأعقد فيه الأبواب، وأقسم فيه المسائل، وأجمع بين النظائر، وأستوفيه غاية الاستيفاء، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون، وأقول: ما عندي على ما يقتضيه مذهبنا ويوجبه أصولنا بعد أن أذكر جميع المسائل، وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهرا أقنع فيه بمجرد الفتوى وإن كانت المسألة أو الفرع غريبا أو مشكلا أومئ إلى تعليلها ووجه دليلها ليكون الناظر فيها غير مقلد ولا مبحث، وإذا كانت المسألة أو الفرع مما فيه أقوال العلماء ذكرتها وبينت عللها والصحيح منها والأقوى، وأنبه على جهة دليلها لا على وجه القياس وإذا شبهت شيئا بشيء فعلى جهة المثال لا على وجه حمل إحديهما على الأخرى أو على وجه الحكاية عن المخالفين دون الاعتبار الصحيح».

مربع نص: لكني لا أفهم أن ما كُتب لهم بتلك الطريقة المختزَلة سيتحول فيما بعد إلى تقليد فقهي وتعليمي كاسح يمارسه الفقهاء والمجتهدون بارتياح شامل دون أن يطرف لهم جفنوبذلك يكون الشيخ الطوسي أوّل من عالج الفقه الاستدلالي مشروحاً ومبسّطاً، فكتب النهاية وفق الطريقة التقليدية من حذف الأسانيد، وطوّر كتبه بكتاب المبسوط على طريقة مبادئ الاجتهاد، وبسط فيه من المسائل ما عجز غيره عنه ليعطي انطباعاً بسعة الفقه الشيعي واستيعابه.

 

 

تجديد آخر

إن هذا العمل الكبير الذي قام به الطوسي جعله موضع الاحترام والتبجيل العلمي الفائق ولكنّه أدى في الوقت نفسه إلى جمود العقل الفقهي لأكثر قرن من الزمن، فظلّ الفقهاء يتهيبون عن نقده والخروج عن طريقته إلى أن جاء ابن ادريس الحلّي (ت 598 هـ) ناقداً ومعارضاً له في كل صغيرة وكبيرة بل حتى أنّه نال في بعض الأحيان من شخصيته منتقداً كل آرائه واستدلالاته وهو وإن جوبه بمعارضة شديدة من أغلب العلماء لكنّه وبأسلوبه العلمي الجديد الذي وضعه في كتابه السرائر, وطريقة عرضه للمسألة مع ذكره لاستدلال الشيخ ومناقشته هذا الاستدلال واضعاً استدلالاً منطقياً للحكم المخالف استطاع تثبيت أسس النقد والمناقشة حتى استسلم له العلماء بالإذعان والتبجيل ليدين الفقه الشيعي لهذا العالم الذي طغى أسلوبه الجديد في النقد على كل من جاء بعده. ثم تطوّر الفقه كثيرا على يد العلامة والمحقق الحلي، وتمادى الفقهاء كثيراً في الاعتماد على استدلالاتهم العقلية والأصولية في استنباط الأحكام الشرعية، ما أدى إلى ردة فعل في الاتجاه المعاكس بظهور تيار مناهض يدعو إلى الاعتماد الأمين على الأخبار المأثورة في إطلاق الحكم الشرعي وكان عرّاب ذلك التيار هو محمد أمين الاسترابادي (ت 1033 هـ) فظهر إلى الوجود في تأريخ الفقه الشيعي ما يسمى بالتيار الإخباري الذي نشط وقوي لما يقرب من قرنين وكان من أبرز أعلامه الملا فيض الكاشاني (ت 1033 هـ) و الشيخ يوسف البحراني (ت 1205 هـ) وفي زمن الأخير حدثت مناظرات قوية بينه وبين الوحيد البهبهاني ممثل التيار الأصولي انتهت بهزيمة الإخباريين و انـحسار مدّهم فنهضت من جديد المدرسة الأصولية التي ما زالت هي المتسيّدة لزمام الفقه الشيعي إلى الآن.

إن أساليب الإفتاء والاستفتاء تطوّرت بفعل الزمن، وقد أسهم العلماء أنفسهم في هذا التطوير عبر مراحل تاريخية مختلفة، فكانت طرق السؤال والجواب سائدةً، كما تشهد بذلك رسائل السيد المرتضى (ت 436 هـ)، والشيخ المفيد (ت 413 هـ) وغيرها، حتى وصل الحال إلى كتابة الرسائل العملية بشكلها المتأخر، خصوصاً مع رسالة (صراط النجاة) للشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281 هـ)، وبعدها رسالة (العروة الوثقى) للسيد محمد كاظم اليزدي (ت 1337 هـ)، لتأتي بعدها رسائل: (وسيلة النجاة) لأبي الحسن الأصفهاني (ت 1365 هـ)، و(توضيح المسائل) للسيد حسين البروجردي (ت 1380 هـ)، و(منهاج الصالحين) للسيد محسن الحكيم (ت 1390 هـ)، والرسائل الثلاث الأخيرة يسير على طريقها اليوم أغلب الفقهاء ومراجع التقليد. وكانت بذور هذا التأليف الفقهي الجديد (الرسالة العملية) قد ظهرت على يد الشيخ البهائي في رسالته العملية (جامع عباسي).

 

طور جديد من التأليف الفقهي :

مربع نص: الأنكى من ذلك إن المخطىء يعاقب على خطئه في جميع مجالات العلم والعمل إلا في المجال الفقهي فــ (المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد)و مهما يكن من أمر، فلم يكن متوقعا هذا الأثر البالغ الذي تركته رسالة عملية فقهية غير مشهورة كثيراً اُلفت في مطلع القرن الهجري الثاني عشر، عندما أسست ومنذ ذلك الحين لمنهج جديد في التأليف الفقهي. رسالة كُتبت لتلبية حاجة ملك يحكم مملكة كثيرة المشاغل وهي في أوج سلطانها، أو كتبت للتزلّف إليه، أنا أفهم إن ما يُكتب للملوك يجب أن يكون سهلا ومختصراً ومنمقا مثل كتُب الجيب الشائعة: كـ(تعليم الانجليزية في عشرة أيام، تعليم الفرنسية في خمسة أيام، أيضا تعليم الفقه في يومين)!! .

بدأت القصة مع رسالة فقهية عملية اسمها (جامع عباسي) وهي كتاب فقه عملي فارسي أُلِف باسم الشاه عباس الماضي الصفوي، مرتب على عشرين بابا ألّفه الشيخ البهائي المتوفى 1031 هـ، خرّج منه خمسة أبواب في العبادات إلى آخر الحج فأدركه الأجل في التاريخ فتممه بعده تلميذه نظام الدين الساوجي بإلحاق خمسة عشر بابا إليه حتى تم في عشرين بابا.. كما أشار إلى ذلك صاحب الذريعة.

كانت الرسالة مختصرة وموجزة حيث اقتصرت على ذكر الفتوى الفقهية فقط دون سوق الأدلة الشرعية التفصيلية من الكتاب والسنّة (سنّة الرسول والأئمة عليهم السلام) أو إيراد الحجة في الاستدلال الأصولي عليها،

ثم قام بعده بقرنين فقيه آخر وهو (شريعت مدار الاسترابادي) (ت 1263 هـ) بتأليف رسالة عملية اسماها (جامع محمدي) في قبال (جامع عباسي) ألفها لمحمد شاه بن عباس بن فتح علي شاه القاجاري في مقدمة و 14 بابا لأبواب الفقه وخاتمة في التجويد. وهي رسالة فارسية لعمل المقلدين.

 وقبل ذلك التأريخ لم يكن أيٌّ من الفقهاء والمجتهدين يجرؤ على تدوين أو إطلاق أيّةِ فتوى دون أن يرفقها بذكر الدليل التفصيلي فضلا عن الفتاوى المقارنة، لأن الفقهاء السابقين كانوا يدركون الشراكة الحقيقية بين المقلّد والمجتهِد في الحركة العامة للفتوى في المجتمع، فالطرفان في الحقيقة كلاهما يبحث عن براءة الفتوى الصحيحة واستيفائها لشروط الصحة المفضية للاطمئنان، ويجب على من ظفر بذلك منهما أن يقدّم ما ظفر به لشريكه. فمثلما تجب الأمانة على المستفتي في نقل تفاصيل وظروف الواقعة (موضوع الحكم) فهي تجب أيضا على المفتي في إعلان الحكم بجميع تفاصيله وتوصيلاته، وأي عملٍ منهما يقع خلاف ذلك لن يكون مستوفيا لجميع شروط النزاهة. لن يكون الناطق بالحكم خالي الذمة عند عدم التزامه بتلك الأمانة الاّ أن يكون هو ذاته مصدرا من مصادر التشريع لأنه حين ذاك يكون ناطقا بحكم الله الواقعي لا متلمسا الطريق إليه كما هو حال المجتهد، ومع توّفر هذه الحرية للمشرّع الأصلي في التصريح دون الحاجة للتوضيح لم يقم بانتهاز تلك الحرية، فكثيرا ما رأينا الأئمة عليهم السلام يدبجون أو يذيلون أحكامهم باستدلالات من الكتاب والسنة، وهذا له دلالات أخرى سنبحثها في مرة غير هذه.

 مسألة تجريد الرسائل العملية من الأدلة التفصيلية لا علاقة لها بالاختصاص والتفرّغ كما يحتج الفقهاء المتأخرون، هم يقولون إن المريض يجب أن يكون مذعنا في إتباع جميع وصايا الطبيب بحكم اختصاص الأخير ودرايته، قد نتنازل لهم في هذا مع إنه غير صالح للانطباق دائما، ولكننا لن نتنازل فنطالب المريض بالتفريط بحق من حقوقه في أن يطالب الطبيب بتقديم كشف علمي معقول يبرر ما أمر به من عقار أو عمل جراحي، إن الطبيب الذي يأنف عن القيام بمثل هذا الواجب سيكون شخصا مقصّراً بالتأكيد، هذا إذا لم يوصف بالخيانة أصلا. حتى الآن لا أستطيع أن أصف الفتاوى التي توجب الضمان على الطبيب (أو غيره من أصحاب الحِرَف) إذا تسبب ـ متعمدا ـ في موت النفس العاقلة أو إعطاب جزء من أعضائها، في الوقت الذي لا تتطرق فيه تلك الفتاوى إلى أيّة ضمانة تُفرض على المجتهد إذا تسببت فتواه بتخريب النفس العاقلة وتوريطها في المهلكة مع احتمال خطأ الفقيه في الفتوى، لا أستطيع أن أصف تلك الفتاوى بالشرف والعدالة،  !!، يا للغرابة عندما يُكافأ المخطئ.

قلت إن المستفتي هو شريك المفتي في إنتاج الفتوى ـ أو هكذا يجب ـ لأني لم أجد أحداً من الفقهاء الأوائل قبل بروز موضة تجريد الرسائل العملية من الأدلة التفصيلية ينظر إلى المقلّد ـ بكسر اللام ـ بمثل هذا الازدراء والتهميش الذي يُنظَر به اليه اليوم، (العوام) كما يسمي الفقهاء الناس هم اليوم زبائن لدى الفقهاء يأخذون بضاعتهم ويمضون، لا يحق لهم أن يسألوا عن مصدر البضاعة ولا عن طرق إنتاجها، أو على الأقل لا يتم تشجيعهم على ممارسة هذا الحق المعرفي والديني، من أراد أن يشتري فليأت ها هنا، ومن لم تعجبه البضاعة فليذهب إلى فقيه آخر. تم تقسيم الناس إلى عوام وخواص، بينما كانوا لدى أصحاب الذوق من الفقهاء الأوائل مجتهدين ومتفقهين، قد تتفاجؤٍون بهذا وقد تندهشون إذا علمتم إن المقلِّد (العامي) كان يُسمى قديما بالمتفقه، فأن مجرد سعيه للفتوى ومعرفتها يجعله جديرا بهذا الوصف، (العامي) لدى الأوائل كان طالبا يجب عليه أن يسأل ويحق له أن يُجاب، تُرى كيف تحوّل ذلك الطالب الفطِن المثابر إلى زبون كسول بائر، ثمة مسؤوليات يجب أن تُلقى على عاتق من شارك في صنع هذه النتيجة المخزية. فالاقتران الحيوي بين المجتهد والمقلّد يحيلنا إلى اقتران شبيه بين الفتوى وأدلتها التفصيلية ومثلما يجب أن يكون هذا الاقتران الأخير علميا ومنطقيا يجب أن يكون كذلك مكانيا، اي ضرورة ذكر الفتوى ودليلها في مكان واحد وكتاب واحد وليس في مكان آخر ككتب المستدركات والوسائل مثلا.

في بداية كتابه (الحق المبين) أورد الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) بعض الأحاديث المتعلقة بالتقليد فقال: «وقال الصادق عليه السلام لأصحابه: عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعرابا فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك عملا وقال عليه السلام : تفقهوا في الدين، فإن من لم يتفقه منكم في الدين فهو إعرابي، إن الله عز وجل يقول في كتابه: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وقال عليه السلام: لوددت أن أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا وفي رواية: ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال الحرام. وقال عليه السلام: لو أتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه لأدبته. وقال عليه السلام: إن آية الكذاب أن يخبرك بخبر السماء والأرض والمشرق والمغرب فإذا سألته عن حرام الله تعالى وحلاله لم يكن عنده شيءٍ، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى: والتفقه في الدين عبارة عن تحصيل البصيرة في المسائل الدينية علمية كانت أو عملية، باطنية أو ظاهرية، متعلقة بالعبادات أو المعاملات، فرضا معرفتها أو العمل بها أو سنة أو أدبا».

ومع إن الكاشاني استعمل مصطلح الخواص والعوام في الفقرات اللاحقة لأنه كان مصطلحا شائعا في عصره المتأخر نسبيا إلاّ إن دلالة المصطلح كانت مختلفة عمّا هي عليه الآن، أورد اليك هذا المقتبس من كلامه و أضع خطاً تحت المقصد المهم منه، فقد قال في الصفحة السادسة من الكتاب المذكور «وأما عوام هذه الفرقة فكيفية تفقههم أن يأخذوا مسائلهم عن خواصهم ولو بواسطة أو وسائط إلا أن اليوم اشتبه عليهم الأمر غاية الاشتباه لالتباس من ليس من الخواص بالخواص وادخالهم أنفسهم في جملتهم فصارت العوام حائرين بائرين لا يهتدون إلى شيء يدرون أيّاً من أيّ فالحزم لهم أن يرجعوا في ذلك إلى قوم متدينين عارفين بأهل البصيرة ليعرفوهم إياهم، فإن لم يتيسر فليستفت العامي من غلب ظنه أنه منهم وأنه ممن لا يبيع دينه بدنياه فإن أفتاه بحكم فليسأله: هل هذا الحكم في كتاب الله أو سنة رسول الله أو حديث أحد من الأئمة المعصومين عليهم جميعا سلام الله؟ فإن قال: نعم، فليعمل به، وإن قال: إنه ليس في شيء منها بخصوصه وإنما يستفاد منها بالاستنباط، أو هو مما أجمعوا عليه من غير نص بلغني فيه أو نـحو ذلك، سأل غيره حتى يصادف من أجابه من القرآن والحديث بخصوص ونصوص أو أشار له إلى الاحتياط أو التخيير، فإن فعل العامي ذلك فهو المتفقه في تلك المسألة».

جلاء المعاني الواردة في هذه الفقرات لا تترك مجالا للتأويل والحمل وهي توَضح آلية استلام وتسليم الفتوى كاملة مع أدلتها التفصيلية من المجتهد إلى المتفقه (العامي)، لا أعرف ما لذي يحمل الفقهاء على افتراض الغباء والعجز في مقلديهم حتى يحجموا عن سوق الأدلة التفصيلية مع فتاواهم، مع إن هذا الافتراض الواهم يحتّم سوقها أيضا، ألا يخشى الفقهاء أن تُعامل فتاواهم كأصول فقهية أولية من قبل المقلّدين (الأغبياء) في حالة تجريدها من أي دليل تفصيلي،

الموجع في الأمر إن قارىء الرسائل العملية لا يجد فيها غير كلام الفقيه وتفريعاته الخالية من الفقه بشقيه المتني والأصولي، وهي تكاد تخلو من آي الذكر الحكيم ومأثورات السنة الشريفة والحوادث المشابهة التي تكون غالبا مناطا للقياس.

مربع نص: الغريب أيضا إن الفقهاء لا يجيزون التقليد فيما يسمونه أصول الدين (الاعتقاد) ويقولون إن على المقلّد أن يقوم بتحصيل أدلة العقائد بنفسه، فما حدا مما بدا، أليس الصوم والصلاة والحج والزكاة وغيرها من العبادات والمعاملات من الدين، أولا يدخل المرء بسببها النار أو الجنة؟
إن استغراق القارىء المقلّد مع تفريعات المجتهد يجعله أكثر إلتصاقا بالمجتهد نفسه وأكثر غربة عن الأصول الأولية، الكتاب والسنة. تسأل المقلّد عن الحكم الشرعي في أية قضية، سرعان ما يورد لك فتوى المجتهد الذي يقلّده، تطلب منه آيةً أو حديثا لا يحر جوابا، هكذا أسهم المنهج الجديد ـ منهج جامع عباسي ـ في ترسيخ غربة الأمة عن أصولها الطرية. وها هو ينتج كلّ يوم أجيالا من (العوام) المقطوعين بقصد أو دون قصد عن منابعهم الأولى، القضيّة لا تتعلق بالتخفيف عن كاهل الضعفاء علميا والاشفاق عليهم من زجّهم في بحور الفقه المتلاطمة كما يزعم البعض، ففي الحقيقة إن التلاطم كان في مقاطعات واسعة منه ناجما عن افتتان بعض الأصوليين وأهل الكلام بقدراتهم الفكريه ولم يكن ناجما عن اضطراب وبلبلة في أرض المحيط، المحيط في عصر التكوين الأول كان صافيا ورقراقا إلى أن عبثت به أيدي المتحذلقين فعكّرت مياهه وكدّرت صفوه.

فمن كلام لعلي عليه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتوى أنقل «ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعا وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد. أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه. أم نهاهم عنه فعصوه. أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه. أم كانوا شركاء له. فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول (ما فرطنا في الكتاب من شيء) فيه تبيان كل شيء وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). وإن القرآن ظاهره أنيق. وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات إلا به».

 الفقهاء يظهرون بمظهر الحريص على عدم تدويخ المقلّد بمسائل صناعة الفتوى فيقدّمونها له جاهزة، في حياتنا الراهنة هناك كثير من الأمور نفضّل أن نـحصل عليها جاهزة أيضا، لاحظت كثيرا من ربّات البيوت يعتمدن على الوجبات الجاهزة السريعة في إطعام أزواجهن وأولادهن، تلك النساء لن تقدر بعد الآن على صنع طبق واحد من الطعام إذا اٍٍٍٍٍٍحتجن لذلك يوما، وتلك البيوت أشد البيوت فقرا وإن امتلكت الطائل من الأموال، حقأ أقول إن الذي لا ينتج طعامه بيديه لن يشبع أبدا. لا أريد أن يتحول الفقه إلى سلعة والدين إلى تجارة فالعوام ليسوا طابورا من المتبضّعين والخواص ليسوا أصحاب دكاكين. هم شركاء في المعرفة ورفقاء في الابتلاء كما يُفترض.

الغريب أيضا إن الفقهاء لا يجيزون التقليد فيما يسمونه أصول الدين (الاعتقاد) ويقولون إن على المقلّد أن يقوم بتحصيل أدلة العقائد بنفسه، فما حدا مما بدا، أليس الصوم والصلاة والحج والزكاة وغيرها من العبادات والمعاملات من الدين، أولا يدخل المرء بسببها النار أو الجنة؟

ثم مالنا نرى زهدهم في سوق أدلة العبادات والمعاملات ولا نراه عندما يتعلّق الأمر بشيء من الشعائر والتقاليد الدينية الشعبية حيث يسرفون في تحشيد مئات الروايات الرائجة والمهجورة، المنقطعة والموصولة، المصرحة والملمحة للاستدلال على استحبابها أو إباحتها، مع إن الحرص في الأولى أولى وأوكد.

إن حرمان الشعوب من المعرفة الحقيقية والتصنيع الفقهي جريمة يعاقب عليها العلم والدين معاّ. وإن التخمة والاحتكار الفكري والفقهي اللذين ترفل بهما الاقطاعيات الخاصة على حساب ملكية (العوام) لن تكون أقلّ ضررا من الإقطاعيات الارستقراطية التي ازدهرت على حساب الفقراء والكادحين، ها هي الرأسمالية الفقهية تتجلى كنظام من نظم المعرفة والتديّن، ولقد كانت هكذا غالبا على مرّ العصور. ولكن ذلك لن يدوم طويلا فأن طرفا بعينه سيضطر لتأميم ممتلكاته وإعلانها في المزاد الشعبي العلني. الدين وُلد شعبيا وسيعود كذلك. لا يهم متى ولكنه سيحدث...

 

العودة الى صفحة تفاصيل الخبر