صعود المرجع الأعلى

2011-09-26

صعود المرجع الأعلى


 

عز الدين البغدادي

صـعــود المــرجـع الأعــلى

 

 

 إذا أردت أن تمنع التفكير في مسألة ما فما عليك إلا أن تحيطها بهالةٍ من القدسيّة، وربما الضبابية. والمسألة التي نـحن بصددها من هذا القبيل. فإنّ  كثيراً من الناس ممن يعيشون في الوسط الحوزويّ لا يعرفون شيئا عن الظروف والملابسات التي تحيط بعملية صعود مرجع ما، لمرتبة المرجع الأعلى. الشائع بين الناس أنَّ صعود مرجع ما لهذه المرتبة ناشئ من كونه الأعلم فقط، أو كونه الأورع ـ وهذا يمثل جزء الحقيقة فحسب ـ بينما هناك ظروف وملابسات أخرى نـحن بصدد تفصيلها الآن.

في هذا المادة نريد أن ننظر في العوامل التي تساعد على صعود أحد العلماء إلى منصب المرجعيّة، ومنها يمكن أن نتعرف على العوامل التي تعيق غيره عن بلوغ هذه المرتبة لأنّ الأشياء تعرف بأضدادها كما يقال.

والمؤسسة الدينيّة الشيعية كغيرها من المؤسسات التي تجد في قمة هرمها شخصا ما، يعتبر الرجل الأول فيها. إلا أنّ ما يختلف هنا هو أنّه ليس هناك آليّة واضحة وطريقة بيّنة يُمكن أن يُحدّد بموجبها المرجع الأعلى أو زعيم الحوزة.

في الفاتيكان ينتخب البابا من خلال مجلسٍ من رجال الدين المسيحييّن، أما في الأزهر ـ وهو مؤسسة دينيّة عريقة جداً ـ فإنّ القرار النهائيّ للحكومة في تعيين شيخ الأزهر.

أما في الحوزة([1]) فإنّ الأمر يختلف فيها إلى حدّ كبير، فليست هناك آليّة واضحة المعالم يمكن أن يلجأ إليها. لكن يمكن أن نـحدّد أهم تلك الأمور التي تساعد على تصدي بعض الأشخاص لمنصب المرجعيّة، فهناك أمور تجعل صعود شخص ما، أكثر احتمالا لشغل هذه الرتبة منها:

 

التأليفات والبحوث:

فيما مضى كان هناك مقياس واضح لصعود نجم مجتهد ما وإعلان مرجعيّته، فقد كان للتأليفات العلمية دورها المهم بل الأهم في الكشف عن علمية مرجعيّة مجتهد ما، وقد أشار إلى هذا الشيخ المرجع محمد الحسين كاشف الغطاء حيث قال: «إن مرجعيّة الإماميّة كان معيارها وطريقها كثرة الإنتاج وتوفّر المؤلفات في شتّى العلوم لا في خصوص الفقه والأصول، وقد قيل: من ثمارهم تعرفونهم. أما اليوم وفي هذا العصر التعيس فقد انقلبت الآية وانعكست القضيّة وسقطت العقول ونهضت البطون، إنّا لله وإنا إليه راجعون»([2]).

وقال القائينيّ: «يثبت اجتهاده وأعلميته بملاحظة مؤلّفاته العلميّة الكاشفة عن الاجتهاد والأعلمية وذلك من جهة غلبة الفساد على الصلاح في هذا الزمان واستيلاء المطامع والأغراض ورواج الدعايات الكاذبة والرعاع المستأجرين وبساطة العوام وسلامة نفوس الكثير منهم»([3]).

واعتقد أن ما ذكره الرجلان واضح في أنّ الأمور برأيهما تدهورت وأن تلك القيم التي كانا يعتزّان بها لم تعد كما كانت، حيث برزت مرجّعيات غيرها.

 

 

الأموال:

مربع نص: ويمكن أن نقف عند قضيّة (خيريّة) وهي قضيّة خطيرة يمكن أن تكشف الكثير من الحقائق الخطرة وتبيّن مدى صدق ما قال عن تأثير المال  والتأثير السياسيّ.والأموال لها أكثر من قصّة وتعمل من أكثر من جهة، فكثير من المجتهدين الّذين يرون أنفسهم مظلومين يردّون سبب عدم انتشارهم إلى قلّة المال، وأنّهم لو كان لهم من المال ما يكفي لظهر صيتهم ولتوافدت طلبة العلم إليهم. وهذا غير بعيد عن الواقع دون شك، فطلبة العلم عادة ما يكونون منشغلين بتحصيلهم ولا يذهبون إلى هذا المكتب (البراني)([4]) أو ذاك إلا لوجود بعض ما يحتاجون إلى انجازه من عمل أو لقبض راتب. فإذا لم يكن المرجع ممن يدفع الراتب ولم يكن ممن تُقضى عنده الحوائج (وهذا يرجع إلى المال أيضاً) فإنّ أبوابهم لن تجد إلا القلّة ممن يقف عليها. كما إنّ المجتهد الذي يدفع راتبا لاسيّما إذا كان راتباً جيّدا، سيفكّر الطالب كذا مرّة قبل أن يتصرّف تصرّفا يمكن أن يثير حفيظة البرّاني التابع لهذا المرجع.

ومن ناحية أخرى، فإنّ القوى التي تحاول أن تؤثّر على المرجعيّة وقرارها لن تجد وسيلة للضغط كالمال، فالمرجع كإنسان يمكن أن يرفض التهديد والوعيد ويمكن أن يختار الشّهادة إذا استعمل معه هذا الأسلوب، لكن واكرر القول كإنسان، فإنّه سيكون أقلّ ممانعة مع المال. وللإنصاف فإنّ تلك القوى التي تعمل على التأثير على قرارِ المرجع لن تأتي بالمال بشكل صريح أو مباشرٍ إلى المرجع، بل سترسل المال بواسطة بعض الأشخاص الذين يأتون تحت غطاء أنّهم تجّار يريدون دفع أموال الخمس، فهل يبقى من داع للرفضِ بعد ذلك؟

ثمّ هناك أمر قد يكون أخفى وأخطر، فإن ضعف إدارة الأموال التي تجعل المال متركزا عند أبناء أو أصهار العلماء ـ وهذا ليس سرا ـ تحت أي تبرير كان، تجعل لهؤلاء الأبناء والأصهار تأثيراً على انتخاب المرجع القادم، وهذا ما حصل بعد وفاة السيّد الخوئي، فقد كان السيد السبزواري أميل إلى الزهد وهذا ما أكسبه حبّاً واحتراماً بين الناس، لكن لم يكن الأمر كذلك عند ورثة الأوقاف، فالرجل لم يكن مرغوباً به في قيادة الحوزة ومرجعيّتها عندهم. حيث أنّ السبزواري لم يقبل أن يعطي إجازة للأطراف المؤثّرة للاستمرار بإدارة أموال المؤسّسة إلا أن تلك الأطراف كان لها من القوّة ما تستطيع بواسطتها أن تتدبّر الأمر مع المرجع العنيد، فقد استطاعت أن تحصل على إجازة بإدارتها من السيّد الكلبيكاني وفي الوقت نفسه فإنّها عملت على إشاعة عدم أهليّة السيد السبزواري للمرجعيّة.

 

التأثير السياسي:

للتأثير السياسيّ الداخلي والخارجي دور مهم وكبير، وقد وضَح عز الدين البغدادي سبب التدخل بصراحة حيث قال: «لا شكّ أنّ للساسة والملوك دورا مهمّاً في دعم نظرية التقليد، لاسيّما أن هذا المجتهد الّذي كثيرا ما يسيطر على تفكير النّاسِ ويحرّكهم كجماعة يمكن السيطرة عليه ـ في كثير من الأحيان ـ بترغيبٍ أو ترهيب أو بمَكرٍ وخديعة، وبالتالي فإنّ تأثير الدين على المجتمع ينحصر بفرد للسلطان عليه تأثير بل ونفوذ.

إنّ دعم السلطان لفقيه ما يعني أنّ هذا السلطان مؤمن أو متديّن، وبالتالي يكسب رضا الجمهور أو بتعبير أدقّ يتمكّن من تعطيل عقول الجمهور. كما إنّ هذا يعني أنّ الفقيه سيدعم السلطان، وهو المطلوب»([5]).

وهذا كلام منطقيّ بالتأكيد لكن يمكن أن يؤكّد بالفعل سواء من خلال النظر في صعود بعض الأسماء التي عملت الدولة على توظيفها بغضّ النظر عن نجاحها كما حصل في أوائل تسعينيات القرن الماضي، أو من خلال النظر في تاريخ علاقات أخرى. وكان للشاه ولإيران عموما تأثير مهمّ في دعم بعض المراجع كما في مسألة الأموال التي تصل باسم حقوق شرعيّة من تجار محسوبين على الشاه.

وليس هذا أمراً جديدا فقد كان مظفر الدين شاه ( 1896- 1907) يقدِّم منحا سنويّة قدرها 3000 و2500 تومان على التوالي لسدنة الأضرحة في كربلاء والنجف ساعيا بذلك إلى فرض الوصاية على الشؤون الدينيّة الشيعيّة([6]).

بينما منع رضا شاه لفترة إرسال الخمس إلى العراق، وكان من نتائج ذلك اتساع القاعدة الاقتصاديّة وكذلك تعاظم أهميّة المجتهدين ومراكز دينيّة في قم ومشهد في إيران([7]).

ويمكن أن نقف عند قضيّة (خيريّة) وهي قضيّة خطيرة يمكن أن تكشف الكثير من الحقائق الخطرة وتبيّن مدى صدق ما قال عن تأثير المال  والتأثير السياسيّ.

 

العلاقات الاجتماعيّة:

للعلاقات الاجتماعيّة دورها المهم في صعود المراجع فمن كان من أسرة علميّة معروفة ويحمل لقبا كبيراً يستطيع أن يصير نجما لامعا واسما كبيرا وإن لم يكن مرجعاً، وفرصته في ذلك أعظم بما لا يحصى ممن كان بعيداً عن أجواء تلك العوائل. كما إن للمصاهرات دورها المهمّ في ذلك، وبدون ذكر أسماء فأنا أعرف بعض العوائل العلميّة القديمة اشتهرت بجمال نسائها، كما عرف عنها أنّها كانت تسعى لمصاهرة أيّ مجتهد يصل إلى مرتبة المرجعيّة، وهذا ما يوفّر لها الكثير من المنافع والمحسوبيّة.

 

المكان:

قد لا يخطر في بال الكثيرين ما للمكان من أهميّة كبرى في صعود المرجع أو عدم صعوده، كالمناطق المقدّسة لاسيّما النجف، والنجف بالذات لها سحرها وتأثيرها، فالمجتهد ما لم يدرس فيها غير معترف به، وهذا ما جعل كثيرا من طلبة العلوم مهما اختلفت بلادهم يلجئون إليها، ولهذا فقد تأسست حوزة قم التي نجحت في إضعاف أو منافسة حوزة النجف على أقل تقدير. ويمكن أن تجد تصديقا لذلك في أن كثيرا من المجتهدين لم ينجحوا في أن يصلوا إلى مرتبة المرجعيّة العليا رغم إماكنياتهم العلمية بسبب بعدهم عن النجف. من هؤلاء الشيخ عباس الرميثي الّذي استقر في الرميثة والسيّد المدني في بعقوبة والشيخ الخالصي في الكاظميّة والشيخ الخويبراوي في الناصرية والسيّد أمير القزويني في البصرة، وغيرهم. وهناك من حقّق نجاحا جيّدا ليس بمستوى المرجع المقيم في النجف مثل مهدي الخالصي الكبير ومهدي الحيدري وكلاهما في الكاظميّة وآل الشيرازي في كربلاء. 

وهذا ما يمكن أن يفسّر لك أمورا أخرى منها سياسة التهجير التي اتبعت ضدّ بعض العلماء لعدم تأييد المرجع الأعلى في فترة الستينيات، ومنها تأييد الشاه المعلن لمرجعيّة السيد الحكيم بعد وفاة المرجع البروجردي والتي فسِّرت برغبته في إبعاد المرجعيّة الشيعيّة عن بلاده ليتمكن من تطبيق آرائه في بناء الدولة والمجتمع دون تأثير حوزوي يحرج ويربك خططه.

من ناحية أخرى يمكن أن يفهم دور المكان من خلال إصرار بعض العلماء على البقاء في النجف وعدم رجوعهم إلى بلادهم، بل واختيار لقب النجفي بدل ألقابهم الأصلية، وقد لاحظتُ بالمناسبة أحد الطلبة الباكستانيين وهو شاب صغير السنّ يلقب بالنجفي وعندما استفسرت عن ذلك تبيّن لي أن والده كان قد درس في النجف وبما أنّه أقام فترة فيها فقد تلقّب بلقب النجفي لأنّه لقب يزيده مكانة وحظوة بين أبناء طائفته، وهذا ما يبيّن لك دور المكان.

من ناحية أخرى ومن جهة معاكسة فهناك من ينظر إلى المكان نظرة معاكسة، فيفضّل أن يبتعد عن المركز ليستقرّ في الأطراف إما بسبب النزاع الّذي لا يرى نفسه قادرا على كسبه كما فعل السيّد علي شبر الّذي اختار الإقامة في الكويت، أو بسبب عجزه ـ إذا لم يكن مستواه العلمي عالياً ـ عن إثبات نفسه في مكان يعجّ بالعلماء فيختار أن يعيش في مدينة بعيدة ينظر الناس إليه باحترام وتقدير بدل أن يعيش ذنبا في غيرها.

 

النسب العلوي:

لا شكّ أنّ الانتماء للنسب دور مهم، فإنّ من يرجع نسبه إلى آل البيت أي إلى النبي محمّد سيحظى بتقديرٍ يختلف عمّا يحظى به غيره. وليس غريباً أن ترى بعض المعمّمين يلبس عمامة بيضاء ثمّ بعد فترة تجد أنّه قد أبدلها بأخرى سوداء، أو تجد أحدهم يلبس عمامة سوداء وابن عمّه يلبس عمامةً بيضاء. وهذا ما يكشف لك عن أهميّة ومدى تأثير اللون على مكانة الشخصِ في المجتمع.

ونفس الأمر ينطبق على المرجعيّة، وقد روي لي أنّ أحد العلماء البارزين ممن كان يعتقد بأن عدم انتسابه لآل البيت حال بينه وبين بلوغ مرتبة المرجعيّة كان يقول ويشير إلى عمامته: لو أنّها سوادء!

 

الهدوء السياسي:

ليس مرغوبا أن يكون المرجع فعّالا سياسيّا لاسيّما إذا كان يتحرّك وفق مبدأ ايديولوجيّ، وهذا ما يرجع إلى أكثر من سبب، فمن ناحية فإنّ أكثرَ المقلّدين بطبيعتهم البشريّة ينفرون من أيّ شخصيّة يمكن أن تهدّد الوضع الاقتصاديّ في مناطق تجارية كما هو الحال في المدن الدينيّة التي هي بلا شكّ مدن تجارية، وكما يقال فإن رأس المال المعروف بجبنه لا يميل أن يتحالف مع مثل هذا المرجع المُحرج.

أضف إلى ذلك، فإن هناك صورة نمطية ترسم للمرجع حيث تصوّر عند الناس بصورة الشخص المقدّس الّذي يتعالى عن السياسة التي تحتاج بحسب هذا الرأي إلى تجاوز بعض القواعد الأخلاقيّة والتي لا تتلاءم مع صورة المرجع المقدّس.

أضف إلى ذلك، بأنّ القوى السياسيّة في الداخل والخارج والتي تعمل دائما على أن يكون لها دور في انتخاب هذا المرجع أو ذاك ليس من مصلحتها بالتأكيد أن ترجّح كفّة زعيمٍ دينيٍّ يمكن أن ينافسها أو يمثل خطراً على مصالحها.

 

الدعاية والأعلام ( بنوعيه الأبيض والأسود):

بنظر معظم من يعيشون في أوساط الحوزة، فإنّ من يحيطون بالمراجع يمثّلون أسوأ ما يُمكن أن يوجّه من نقد إلى أيِّ مرجعٍ، وهؤلاء يتمتّعون بسمعةٍ سيّئة جداً. وذلك أنّ معظم الامتيازات تكون بأيديهم، صحيح إن كثيراً من تلك الامتيازات لا ترجع إلى أصلٍ شرعيٍّ صحيح، إلا أنّ الصناعة الفقهيّة بفهمها المتأخر لن تجد صعوبة في تبرير أو إثبات أيِّ شيء مهما بدا بعيداً لمن هو بعيد عن تلك الصناعة. إن هؤلاء الّذين قد يعبّر عنهم بالبرّاني مجازاً من باب إطلاق الحالّ على المحلّ كما يقول أهل البلاغة يقومون بعمليّة دعائيّة مهمّة للمرجع فتُخْترع الكثير من القصص التي تتحدّث عن كرامات. كالتقاء هذا المرجع بالإمام المهديّ، أو نـحو ذلك. وقد ذكر لي بعض الأصدقاء ممن هاجر إلى إيران لأسباب سياسية أنّهم كانوا يسمعون بأنّ الإمام الخميني كان من أهل العرفان المعروفون بالزهد والتقشف ولذلك فقد كان يضع الملح على الرقّي قبل أن يأكله لكي لا يشعر بحلاوته، زهداً منه في ملذّات الدنيا. وكان هذا الصديق يؤكد لي أنهم كانوا يصدّقون هذه الروايات بل ويعجبون بها! دون أن يفكروا أو يتساءلوا ما وجه الكرامة في ذلك وأي زهدٍ في أن يوضع السكّر على البامية أو الملح على الرقّي!!!

وقد تتحدّث الدعاية عن كرامات علميّة أو فتوحات علميّة ليس في مجال الفقه والأصول فحسب بل وفي الطبيعيات والرياضيّات، وكثيراً ما تصاغ الحكايات بشكل ساذجٍ جدّا وهي مع هذا تنفق في سوق التخلّف التي تقبل أيّ بضاعةٍ ما دامت تقوم بعمليّة تخدير العقول التي يبحث عنها كثير من الناس ليشعروا براحة ضمير كما يسعى مدمن المخدّرات للحصول على شيء من هذه السموم بغرضِ تحصيل هذا الشعور([8]). 

ومن الدعاية التي تساعد على صعود أسماء بعض الشخصيّات وبروزها حتى تتجاوز من هو أعلى منها كعبا في العلم الديني الإعلام لاسيّما التلفزيوني، حيث يساهم في إعطاء دفعة كبيرةٍ لكثير من الشخصيّات، ويمكن أن نضرب مثلا لذلك بالسيّد كمال الحيدري وهو أحد الأشخاص المرشّحين لتبوء مكانة مهمّة في المرجعية النجفية في الفترة المقبلة، فقد ساهمت وسائل الإعلام الإيرانيّة بإبراز شخصيّته بين الناس رغم أنّ هناك كثيرين ممن يفوقونه في العلم، لكن لا يخفى أن الإعلام يكون كبير الأثر ما لم تكن في الشخص صفات شخصية أو كاريزما تؤهّله ذلك، وهذا ما لا يفتقده الحيدري الّذي ذكرناه على سبيل المثال لا الحصر. 

الزهد:

وهناك من بلغ حدّ المرجعيّة من خلال كسب ثقة الناس الّذين رأوا زهده وعلمه ووثقوا به، ويمكن أن يضرب كمثال على ذلك الشيخ الأنصاري الّذي كان مثالا حقيقيّا وواقعيّا على الفقيه النظيف، وكذا من المعاصرين ممن عرف بذلك السيّد السبزواري، ولعلّ هذا الوصف هو ما جعل الناس تلتفّ حوله وأفشل حملة الدعايات التي حاولت أن تنال منه. وممن عرف بذلك الشيخ مهدي الخالصي الّذي حاز على سمعة عالية جدّا بين الناس بحيث تجاوزت حدود المتديّنين إلى غيرهم من الليبراليين وعموم الاتجاهات العلمانية والطوائف غير المسلمة.

 

التوصية:

ومن طرق نيل المرجعيّة التوصية، أي بأن يقوم المرجع بتهيئة خليفته، وإذا أردنا أن نكون أكثر دقّة وإنصافاً فيمكن أن نقول إنّ المحيطين بالمرجع هم من يقومون بهذه العمليّة، وقد يؤيّد المرجع ذلك ويمكن أن يكون له موقف غير واضح وربّما لامباليا ما دام الشخصُ المهيّأ على درجة مقبولة من العلم والالتزام. ويمكن أن نذكر هنا نموذجين:

أولهما: وصية الشيخ المحقق محمد حسن النجفي بأن يخلفه في المرجعيّة الشيخ الأنصاري المعروف بزهده وورعه، جاء في ترجمته: «ومن آثاره المحمودة تسليمه مقاليد الزعامة الدينية إلى الشيخ الأنصاري وذلك انه سئل في مرض موته انه إن حدث أمر فمن المرجع في التقليد فأمر بجمع أهل الحل والعقد من العلماء فاجتمعوا عنده وكل يرى انه هو المشار اليه وكان بعضهم يرى انه يرشح احد أولاده لأنه كان فيهم من يليق لذلك ولكنه لما غص المجلس بالعلماء سأل عن الملا مرتضى فلم يكن حاضرا معهم فبعث خلفه فلما جاء قال له أفي مثل هذا الوقت تتركني؟ فقال له كنت أدعو لك في مسجد السهلة بالشفاء فقال له ما كان يعود إلي من أمر الشريعة المقدسة فهو وديعة الله عندك ثم انه أشار إليه بالتقليد بعد أن أمره بتقليل الاحتياط ونقل أن بعض الحاضرين أدمى سبابته من النكت في الأرض أسفا ألا يكون هو المشار إليه»([9]).

ثانيهما: أنّ السيد نصر الله المستنبط رُشّح كمرجعٍ يخلف السيّد الخوئي في مرجعيّته، وقد تم تهيئة الأمور لذلك، إلا أن الموت عاجل السيّد المستنبط حيث توفي سنة 1975، أي قبل وفاة السيد الخوئي بما يقارب 17 سنة. علما أن السيّد المستنبط وإن كان عالما فاضلاً إلا أنّه قطعاً لم يكن على مستوى علميّ يقارن ببعض المجتهدين والعلماء المعروفين، لكنّه كان صهر السيّد الخوئي حيث كان متزوّجا من ابنته أميرة!!

 

التوارث:

وقد برزت صيغة التوارث منذ بدايات نشوء الحوزة العلميّة، فبعد وفاة الشيخ الطوسي مؤسس الحوزة النجفيّة خلفه ولده ثم بعده حفيده، قال السيد محسن الأمين: «ويظهر أن الزعامة الدينية استقرت في النجف قبل أن تنتقل إلى الحلة مدة قرن على الأقل واستمرت في بيته بالذات، فان ولده ابا علي الحسن الملقب بالمفيد الثاني كان من أفذاذ العلماء وصار مرجعا للشيعة وكان قد أجازه والده سنة 455 أي قبل وفاة والده بخمس سنوات وبقي في النجف مرجعا إلى ان توفي وان لم نتحقق سنة وفاته ولا مدفنه. وكذلك حفيده أبو الحسن محمد بن الحسن بن محمد أيضا بقي في النجف وصار مرجعا للشيعة إلى ان توفي سنة» 540([10]).

كما ظهر التوارث عند آل كاشف الغطاء بعد وفاة رأس العائلة الشيخ جعفر كاشف الغطاء، حيث خلفه ولده موسى واستمرت الزعامة الدينية في العائلة. إلا أن من المهم هنا أن نشير إلى أنّ التوارث لم يكن صيغة رسميّة معتمدة أبداً، لذا فإنّها تستمر إلى فترة محدّدة فحسب، بل إن الاعتبارات العلمية والأخلاقيّة لها دورها المهم في استمرار التوارث، فكون شخص ما، ابناً لمرجع غير كافٍ لأن يرث منصب أبيه مهما كانت مكانة أبيه([11]).

الشهادة العلمية:

وهذه من الوسائل المهمّة، حيث من المراجع من يحاول أن يثبّت دعواه بالرجوع إلى من يعرفون بأهل الخبرة، وقد شاع في هذا العصر مصطلح أهل الخبرة في تشخيص المجتهدين وتمييزِ الأعلم، فكل من يريد أن يدعي الاجتهاد أو الأعلمية فإنه يستعين ببعض من الذين يسمّون أهل الخبرة، وهو طلبة البحث الخارج أو من راهقوا أي قاربوا الاجتهاد ممن حضروا بحوث العلماء ويمتلكون القدرة على تمييز من هو أفضل من حيث البحث والرأي. ولكن، الواقع يقول بأنّه لن يستعين بأحدٍ من أهل الخبرة الذين لا يتَّفقون معه في الرأي. وأهل الخبرة عادةً ما يكونون من المقرَّبين إلى هذا الشخص وهم جزء من المعارك التي قد يخوضها هذا المجتهد ضد هذا الطرف أو ذاك، وبالتالي فهم يفتقدون الحياد. لقد طرح المرجع الراحل السيد محمد البغدادي بعض طرق كشف القوة الاجتهادية، التي يجب على أهل الخبرة الفحص التام عنها ومدى تحققها في المجتهد من جميع جهات اجتهاده، فقال:

«للقوة الاجتهادية معانٍ نشير إليها:

1.   قوة الاستنباط العالية، وهي ما تميز به الشهيد الأول، حتى اشتهر بين فقهائنا بكونه أفقههم ويضرب به المثل في مقام الفقاهة الممتازة كما سمعنا هذا من مشايخنا.

2.   قوة التطبيق الحاصلة من مباشرة الجزئيات الخارجية، وهذا ما يتحقق بكثرة الممارسة للأسئلة الواردة عليه. وبهذا ترجح بعض مشايخنا على جملة من المعاصرين، بل هذا وجدناه نافعا لكل فقيه مبتلى بالفتوى، ألا ترى اختلاف حالة الطبيب في أول مباشرة وآخرها، فإن خطأه أولا متجاوز الغاية بخلافه في الآخر فإنه نادر.

3.   قوة التفريع: وهي أن يذكر الفقيه أشياء يستفيدها أو يحتملها ثم يفرع على كلٍّ فرعا مناسباً، وهذه من خصائص الشهيدين والفاضلين واضرابهم، بل المتأخرون عنهم إنما فاقوا وتقدموا بفضلهم بأخذهم سيرة هؤلاء الأساطين.

4.   قوة إرجاع الفروع إلى الأصول: وهي إرجاع الأمر الجزئي إلى الأمر الكلي، سواء كان في الفرع أو في الدليل أو في الأصل، وهكذا، ومن كان كذلك استغنى عن الأدلة الخاصة الجزئية.

5.   قوة خلق الأدلة واستخراجها على نـحو ترى الفقيه يسهل عليه تناول الدليل من دعاء أو زيارة أو سيرة، وهكذا. وبهذا تقدم بعض الأساطين على جملة من علماء العصر، فلا وجه حينئذٍ لمسارعة بعضهم على مخالفة المشهور وإجراء الأصل مع عدم التفطن أو التروي في الأمر.

6.   قوة الشامَّة: وهو أمر يكاد ينكر من أصله، ولكن يكفي في إثباته أن الشيخ كاشف الغطاء قد ادعاه، بل لعله يحصل من شدة الممارسة وحسن القريحة ونـحوهما.

7.      قوة التيقظ والتنبه لما يرد عليه من المسائل على نـحو يكون جميع المباني وكل ما يلزم مراعاته بين عينيه.

8.   القوة الناشئة عن كثرة التطبع وشدة الإحاطة: وهذا أمر لا يمكن التشكيك فيه لاسيما مع تمام خبرته بالأشباه والنظائر.

9.      القوة الحاصلة عن جَودة الفهم واعتداله.

10.  قوة الاستظهار: وهذا مرة يكون ناشئا عن الصناعة، وأخرى عن حسن الارتكاز والفطرة، والشائع في عصرنا هو الأول، بل الثاني ملغى من أصله فلا ترى ملتفتا إليه.

11.  القوة المتولدة من زيادة المعرفة والإتقان للأدلة: كما اشتهر بذلك الشهيد الأول، وقد سئل الشيخ الكبير عن الأفقه ممَّن تقدّم وتأخَّر، فقال: أنا وولدي موسى والشهيد الأول.

إذا عرفت هذا وجب على أهل الخبرة الفحص التام عن الفقيه من جميع جهات اجتهاده»([12]).

لكن كلّ من يعرف الواقع يمكن أن يؤكّد لك بأنّ أهل الخبرة وفق هذا الرأي مثل كائن خرافيّ ليس له وجود في عالم الواقع. إذ لا يستطيع أهل الخبرة أن يضعوا بين أعينهم  هذه الاعتبارات كلّها، وهم يحكمون ويرجِّحون. وقد رأيت بعض أهل الخبرة الّذين كنت أسمع عنهم من خمس عشرة سنة فرأيتُهم بوضعٍ لا يحسد عليه في العلم، فتساءلت كيف كان وضع هذا الخبير قبل تلك السنوات؟!!

 الأثر القومي:

من له معرفة بدخائل الحوزة العلميّة يعرف أنّ التعصّب القومي له أثره وتأثيره، والتعصّب موجود بفعل ويؤثّر. وكمثال على ذلك عندما تصدّى للمرجعيّة السيّد محسن الحكيم لم يكن هذا أمراً جيّدا بالنسبة للحوزة الإيرانيّة، فمنذ وقت طويل لم يبرز عربيٌّ كزعيمٍ فرض اسمه كالسيّد الحكيم. وقد استغربتُ عندما رأيت أنَّ ممّن كان يفترض به أنه مخالف للسيد الحكيم وقف موقف الداعم لمرجعيته كالشيخ علي الصغير والمرحوم الشيخ (والمرجع لاحقا) محمد أمين زين الدين، وهما محسوبان على المدرسة الإخباريّة. بل إنّ الشيخ زين الدين كان يصلّي صلاة الجمعة في البصرة رغمَ الموقف السلبيّ من السيّد الحكيم من صلاة الجمعة، حيث كان لا يرى إقامتها في زمن الغيبة، وعندما سألت بعض كبار السنّ من قدماء الحوزة عن تعليله لذلك أجاب بأنّهما وإن كانا اخباريين إلا إنّهما عربيان فلذا أيّدا مرجعيّة السيد الحكيم، والأخير كان بحاجة إليهما وإلى تأييدهما، لذا فإن قضيّة الجمعة التي كانت من أهم نقاط الاختلاف بين الحكيم والخالصي اختفت وضعفت أهميتها في مواجهة المنافسة القوميّة للطرف الآخر.

وإذا أريد أن تكتمل الصورة، فإنّ مما أضعف المقاومة لمرجعيّة السيّد الحكيم هو أن شاه إيران أبرق إلى السيّد الحكيم ليعزّيه بوفاة السابق السيّد البروجردي، ويعتقد أن الشاه فعل ذلك ليبعد تأثير زعيمٍ قويٍّ للحوزة يمكن أن يقف أمام مشاريع الدولة التي لا تنسجم مع توجّهات رجال الدين الّذين يمتلكون قوّة التأثير على الناس.

التحرك الجماهيري:

مربع نص: وعندما أفتى السيد هبة الدين الشهرستاني بحرمة نقل الموتى إلى المشاهد المقدّسة في النجف وكربلاء ووجوب دفن الموتى في مدنهم ثارت ضجّة كبيرة جدا ضدّه اضطرّته إلى أن يهاجر إلى الهند لثلاث سنواتإذا كان الهدوء السياسي الّذي أشرنا إليه من الأسباب المهمة التي تدفع مرجعاً ما للصعود، فإن العكس قد يأتي بنفس النتيجة. فالناس التي تحب البطل ولها الاستعداد لأن تلتف حول من يطالب لها بحقوقها أو يحرّك فيها عاطفتها الدينيّة، وهذا ما جعل بعض المجتهدين يكسبون كثيرا من التأييد، وليس بعيداً عنا تجربة السيّد محمد الصدر وقبل ذلك تجربة الخميني في إيران.

الإنتاج الثقافي:

الإنتاج الثقافي الذي يتجاوز الإنتاج العلمي المتمحور حول الفقه والأصول يمكن أن يعدَّ أحد الأسباب المهمّة التي تؤدي إلى زيادة أسهم مجتهدٍ ما للصعود. والسبب ليس في أنّ الناس بطبيعتها تعجب بالمثقّف، بل لأنّ المثقف في الحوزة يتكلّم بلغة قليل من يحسنها ويعطي إنتاجا قليل من يقدر عليه، وهذا ما يعطيه تميّزا، ويمكن أن نذكر كنموذج على ذلك السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد أمين زين الدين. وقبلهم برزت أسماء كثيرة لعلّ أبرزها الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. والمثقّف له دور مهمّ جداً لاسيّما عندما تقف الحوزة لتتصدى لبعض الآراء التي تطرح بغير لغتها. ويمكن هنا أن نذكر قصّة الوفد المصريّ الذي زار النجف وترأسه الكاتب المعروف أحمد أمين وأراد اللقاء مع زعماء الطائفة الشيعيّة في النجف فوقع الشيخ المظفّر الذي استقبل الوفد المصريّ في موقفٍ حرِج، هل يذهب إلى السيّد محسن الحكيم أو يذهب إلى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. لأنّ الأول هو مرجع الطائفة الأعلى بينما الثاني يعتبر وجها من وجوه الطائفة الشيعية وكان موسوعيّاً في الفقه والأدب والفكر والسياسة. وهنا عمد المظفّرُ إلى استشارة السيد محمد تقي الحكيم احد أعضاء جمعية منتدى النشر فقال له: يجب أن نذهب بالوفد إلى محمد حسين كاشف الغطاء ولو كنا على خلافٍ معه([13]).

كما ينفع في خطاب الشباب الّذين تعجز الأساليب القديمة في جذبهم، وهذا هو الخطاب الّذي تجده في خطابات زين الدين وفضل الله. بل إن التقليديين لجئوا إلى هذا الأسلوب كما تجد في ما عرف بالحزواريات الفقهية التي نزلت ككتب تبسط الفقه بلغة جديدة بسيطة حدية على شكل حوار، ليتجاوز مرحلة إلقاء الحكم بشكل مستعلٍ آمر إلى لغة حوار وأخذ وردّ.

ثم بعد ذلك، ليس كافياً أن نفهم الآليات التي يمكن إن وصل المجتهد إلى منصب المرجعيّة، بل هنا أمر مهمّ آخر، وهو كيف يحافظ المرجع على منصبه؟ وكيف يواجه المشكّكين والمتربّصين؟ وهنا يمكن أن نورد أموراً عدة تصب في هذا الإطار:

الكتمان:

وأقصد بالكتمان عدم التصريح ببعض الحقائق العلميّة الدينية التي يعتقدها المجتهد أو يتوصّل إليها. وله هدفان: الحذر من المتربّصين ومراعاة الفهم الاجتماعي.

أما الحذر من المتربّصين، فإنّ كون أحد المجتهدين قد بلغ مرتبة المرجع الأعلى لا تجعله بعيداً عن النقد بل ربّما تزيد حملة الرفض والتشكيك التي يتعرّض لها ممن يعارض مرجعيّته، فعندما صدرت فتوى شجاعة من السيد الحكيم بطهارة أهل الكتاب، حدث نقد لها وتهكّم ممن يختلف معه حتى قال بعض المتهكّمين: إنّ الحكيم لم يبقَ له إلا أن يفتي بطهارة الخنزير!! وقد كتب الشيخ محمد جواد مغنيّة وهو يتحدّث عن هذه المسألة فقال: أما نـحن فنرى طهارة أهل الكتاب، وقد صرّحنا بذلك مع الدليل في الجزء الأول من فقه الإمام جعفر الصادق، وعلى هذا كثير من المراجع الكبار منهم السيّد الحكيم والسيّد الخوئيّ الذّي أسرّ برأيه لمن يثق به([14]).

تصوّر: إذا كان الأمر كذلك في مسألة فرعيّة فقهيّة، مع الأخذ بنظر اعتبار أنّ السيد الخوئي كان يتمتّع بشجاعة علميّة معروفة تجعله لا يتوقّف عند المشهور، وكثيرا ما يتجاوزه، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن السيد محسن الحكيم كان قد أفتى من قبل بذلك، ثم ان الأمر يتعلّق بمسألة فقهيّة فرعيّة بحتة يفترض أنّها لا تثير الرأي العام، ومع ذلك فإن السيّد أسرّها لبعض من يثق به!!

أما إذا كان الأمر يتعلّق بمسألة لها حساسيّتها عند الجمهور فإن طرحها يكون أخطر ونتيجتها تكون كارثيّة، فعندما عاد الشيخ محمد الخالصي من منفاه في إيران إلى العراق وجد ترحيبا كبيرا من الناس، وعدل كثير من الناسِ في التقليد إليه. إلا أنّه أفتى فيما بعد ببطلان الشهادة الثالثة في الأذان، وهذا ما أحدث ضجّة كبرى ضدّه أدّت إلى انفضاض كثير من الناس بل معظمهم عنه([15]).

مربع نص: في هذه الأثناء جاء السيد محسن الحكيم محاطا بعددٍ من (الشقاوات) يحملون الخناجر وصلّى في مكان النائينيّ. وعندما أخبروا الكلبيكاني ـ قبل وصوله إلى الحرم ـ بذلك وهو ما زال في منتصف الطريق وقف ثم عاد من حيث أتى قائلا باللغة الفارسيّة: "همجنين نماز بزودي نمي خواهد"ومثل ذلك حينما انتقد السيد محسن الأمين المرجع السوري، مظاهر العزاء التي تحدث في شهر محرّم، حيث شُنّت حملة إعلامية كبيرة ضدّه، وكان من أهمّ من شارك فيها الخطيب الحسيني المعروف السيد صالح الحيدري، وكان يردّد قول الشاعر فيه:

يا راكباً اما بلغتَ لجُلَّقِ             فابصُق بوجه أمينها المتزندق

. وكان الشهرستاني قد أشار إلى بعض ما يتعلّق بهذه المشكلة، فقال: «وأما في القرون الأخيرة فالسيطرة أضحت للرأي العام على رأي الإعلام... فصار العالم والفقيه يتكلّم من خوفه بين الطلاب غير ما يتلطّف به بين العوام وبالعكس، ويختار في كتبه الاستدلاليّة غير ما يُفتي به في الرسائل العلميّة ويستعمل في بيان الفتوى فنونا من السياسة والمجاملة خوفاً من هياج العوام. حتى إذا بلغنا عن فقيهٍ سأله أحد السوقيّين عن يهوديّ بكى على الحسين (ع) فوقعت دمعته على ثوبي، هل نجس الثوب أم لا؟([16]) فأجاب المسكين خوفاً منه: إن جواب هذه المسألة عند الزهراء. وسأل سوقيّ آخر فقيها عمن يشجّ رأسه للحسين فأجابه كذلك، إلى غير ذلك. لكن هذه الحالة تهدّد الدين بانقراض معالمه واضمحلال أصوله لأنّ جهال الأمم يميلون من قلة علمهم ونقص استعدادهم وضعف طبعهم إلى الخرافات وبدع الأقوام والمنكرات. فإذا سكت العلماء ولم يزجروهم أو ساعدوهم على مشتهياتهم غلبت زوائد الدين على أصوله وبدعهُ على حقائقه حتى يمسي ذلك الدين شريعة وثنيّة همجيّة تهزأ بها الأمم»([17]).

التشهير:

من الأساليب المعروفة والمستعملة جدّا، بل ربّما تكون أكثر الأساليب استعمالا ضدّ مرجع ما أسلوب التشهير. حيث تشنُّ الجهات التي تتخندق حول مجتهدٍ معيّن هجمات ضدّ المنافس، وهذا ما يتّخذ صوراً شتى، فمنها التشهير في المسائل العلميّة وهو الّذي يدفع بعض المراجع لكتمان آرائهم كما ذكرنا. ومنه التشهير بخصوصيّات المجتهد وأحواله الأسريّة، ومنها اتّهامه بالتعامل مع قوى أجنبيّة، أو التعاطف مع قوى سياسيّة غير مرضيّة. وهذا ما تعرّض الشيخ المجتهد عبد الكريم الجزائري إلى حرب شعواء، فقد كان يتّهم بأنّه من بطانة الحكومة وعملائها رغمَ أنّ الرجل رفض الاشتراك في حكومة النقيب الأولى، كما أعلن تأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني.

أما الشيخ الزنجاني العالم المجتهد والفيلسوف الكبير فقد اتّهم بالعمالة للأنكليز، بل لقد شُنّت حملة معروفة طعن فيها بأخلاق الرجل واتّهم باتهمات مؤلمة، لكن لاشكّ أنّ من يقوم بها يكشف بعمله عن ضعف شديد في أخلاقيّة الدعاية الموجودة عندما يتعلّق الأمر بالتنازع على الزعامة.

التجويع:

وهي سياسة فاشِيَة وموجودة ومورست بالفعل كما هو معروف لاسيّما في ستّينيات القرن الماضي، ولم تختصّ بصغار طلبة العلم، بل شملت كلّ من لم يقف بشكل واضح مع المرجع من علماء ومجتهدين معروفين. وقد حدّثني أحد طلبة العلم في تلك الفترة- وهو الآن شيخ كبير السنّ- وكان في وقتها في مدرسة المهديّة أن بعض طلبة العلم كان يصل بهم الجوع إلى أن يخرجوا في وقت متأخّر إلى المزبلة ليلتقط الخبز اليابس أو قشور الرقّي التي يغسلها ثمّ يأكلها!! وبحسب ما أخبرني فإنّ هذا الشخص أصبح فيما بعد من أهل الشأن ومن الشخصيّات المعروفة حوزويّا.

وتكون بقطع راتب الشخص غير المرغوب فيه، وربّما أخذت أسلوب إصدار فتاوى أو توصيات يتمّ تداولها شفويّا يمنع من إعطاء الخمس إلى هذا المجتهد أو حتى رجل الدين الّذي لم يبلغ أو يعرف بنيل درجة الاجتهاد، وهو أسلوب مهمّ للضغط جعل الكثيرين يبتعدون عن نطاق سيطرة المرجع الّذي ينافسه فيهاجر إلى بلاد أخرى مثل دول الخليج.

المقاطعة والحرب النفسيّة:

وقد رأينا مثال ذلك عندما يقوم مجتهد ما بتوزيع راتب للطلبة أو بإلقاء درس البحث الخارج، فتشنّ  ضدّه وضدّ مريديه حربا نفسيّة تهدف إلى صرف الطلبة عنه.

العنف والقوة:

في حالات قد تستعمل القوة في تصفية بعض الحسابات لصالح بعض المجتهدين أو ضدّ بعض المجتهدين، وقد ذكر الكاتب العراقي المعروف عادل رؤوف قصّة تدخل تحت هذا العنوان فقال: ذكر لي أحد الثقاة حول الظروف التي رافقت تصدّي السيد محسن الحكيم إلى المرجعيّة بأن السيّد الحكيم كان يدرس لدى النائيني، وكان أحد تلامذة النائيني أيضاً شخصٌ اسمه السيد جمال الدين الكلبيكاني وهو أعلى طبقة من تلامذة النائيني الذي توفى 1355 هجرية، وتوجهت الأنظار بعد وفاته إلى السيد جمال الكلبيكاني، وفيما إن المسؤول عن فرش مكان الصلاة في الحرم فرش سجّاد الصلاة للكلبيكاني على أن يصلّي محلّ النائيني صلاة المغرب والعشاء، في هذه الأثناء جاء السيد محسن الحكيم محاطا بعددٍ من (الشقاوات) يحملون الخناجر وصلّى في مكان النائينيّ. وعندما أخبروا الكلبيكاني ـ قبل وصوله إلى الحرم ـ بذلك وهو ما زال في منتصف الطريق وقف ثم عاد من حيث أتى قائلا باللغة الفارسيّة: "همجنين نماز بزودي نمي خواهد" أي "صلاة كهذه بالقوة لا أريدها". ويواصل لي هذا الشخص كلامه قائلا: ثمّ واصل الحكيم صلاته في هذا المكان إلى أن مات، ثمّ يضيف: وعندما جئت إلى إيران التقيت المرحوم سيد أحمد بن سيد جمال الكلبيكالني عندما كان وزيرا في حكومة الشيخ رفسنجاني فسألته عن تلك القصّة، فنقلها لي كما هي. يقول: ثم سألت ابنه الثاني سيّد علي جمال الكلبيكاني فنقلها لي كما هي أيضاً.([18])

وحصل مثل هذا الأمر عندما كان الشيخ الصادقي مقيماً في النجف بعد نفيه من بلده من إيران لمعارضته نظام الشاه، حيث أقام صلاة الجمعة في مسجد الطريحي حيث كان يرى مشروعيتها في عصر الغيبة، إلا أنّه تعرّض إلى هجوم من بعض الأشخاص المحسوبين على مرجعيّة الحكيم لمنعه من إقامتها. وهذا ما يبيّن لك أن القوّة يمكن أن تكون طريقة لإثبات مرجعية أو لإحباط مرجعيّة، والفقه بمطاطيته يمكن أن يستغل لتبرير أي فعل أو لرفض أي فعل. كما كانت الكثير من التهم التي وجّهت إلى مرجعيّة الخالصي على الرغم من أنّ فيها من يستخدم أسلوب القوة والعنف مع المخالفين لهم.

وما ذكرناه لا يعني أنّ الأمر ينحصر بما ذكر، بل هناك آليات أخرى لها دورها وتأثيرها، إلا ان تأثيرها قد لا يبدو مباشرا رغمَ أنّه مهم، فمن ذلك أنّ هناك من يُتقن بشكل جيّد بل وممتاز أسلوب التمظهر بالمظاهر المقدّسة فيكسب عقول وقلوب العوام إليه أفضل مما يستطيعه شخص آخر أكثر علما منه إلا انّه بسيط في مظهره وتعامله فيتعامل كإنسان بسيط، فهذا لا يمكن أن يحقّق نجاحا مهما. ومن ذلك مناهج التدريس التي تتسم بالتعقيد والصعوبة تهدف ضمن ما تهدف إليه إلى عدم صعود مجتهدين آخرين ينافسون الموجودين كما أن حصر إجازة الاجتهاد بيد أشخاصٍ محدّدين وعوائل معيّنة يمنع من لا ينتمي إلى هذه العوائل من الحصول إليها إلا تحت شروط صعبة. 

ومنها استقطاب بعض القوى المعارضة لمرجعيّة معيّنة لدمجها بإمكانيّاتها في المرجعية المضادّة، كما حصل في النزاع الشهير بين السيد الحكيم والشيخ الخالصي، فبعد أن أفتى هذا الأخير بتكفير فرقة الشيخيّة المعروفة بغلوّها وقع خصمه موقفاً مدافعا عن هذه الفرقة وهذا ما جعلها تقف بقوتها الماليّة المعروفة لتأييد مرجعيّته.

 

قضيّة خيريّة أوذة:

إذا أردتَ أن تعرف طبيعة الظروف والتأثيرات التي تشترك في صناعة المرجع، وإذا أردت أن تعرف تأثير المال والسياسة فلا يمكن أن تترك قضيّة خيرية أوذة دون نظر، فإنّها تعطيك الكثير من المعلومات المدهشة. وأوذة مملكة شيعيّة في شمال الهند تأسست سنة 1132 للهجرة ودامت هذه المملكة 150 عاماً، وكانت عاصمتها في لكهنو، وقد وقعت كغيرها من الأراضي الهندية تحت الاحتلال البريطاني كانت مقسمة إلى ممالك وإمارات إحداها مملكة اوذة. وقد كانت مملكة غنيّة، وقد اقترضت بريطانيا من هذه المملكة الغنيّة أموالا لتغطية نفقات حروبها  وقد اشترط الملك في حينه أن تذهب فوائد المبلغ إلى المرجعية الشيعيّة في العراق، ونظراً لكون هذه المملكة محتلة من قبل البريطانيين فقد كانت القنصلية البريطانية في بغداد هي التي تشرف على توزيع هذه الأموال، وصار توزيع الأموال حسب ما تراه القنصلية متوافقاً مع مصالحها، واستمر توزيع الأموال لحوالي قرنين من الزمن.

ولكن يوجد هناك من رفض تسلُّم هذه الأموال منهم السيد إسماعيل الصدر الكبير جد الأسرة، والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والشيخ مرتضى الأنصاري الذي لم يكتف بعدم تسلُّم الأموال وإنما أبدى شكوكه بمصدر الأموال والأهداف من ورائها. وهنا أورد نصاً بقلم سبط الشيخ الأنصاري: من جملة المبالغ التي وصلته عند رئاسته هي (أموال الهند). في ذلك الحين قالوا للشيخ أن امرأة مسلمة شيعية المذهب تملك مبالغ ضخمة وليس لها وارث أودعت جميع نقودها في أحد مصارف الإنكليز في لندن، وأوصت بأن تُعطى فوائد هذه المبالغ إلى مرجع تقليد الشيعة ليوزعها بين طلبة النجف وكربلاء ويأخذ سبعمائة تومان له. هذه المبالغ كانت تُسَلَّم بواسطة القنصل الإنكليزي في بغداد ـ بدون أي ضجة وبصورة غير مباشرة ـ ولما كان الشيخ لا يعرف المسلِّم الأصلي للنقود طلب من وكيله في بغداد الحاج محمد صالح كبة تسلم المبلغ واستخراج السبعمائة تومان المخصصة له وتوزيعها بين طلبة مدينة الكاظمين الذين لم تشملهم حصة من المبلغ الأصلي، وتقبَّل الشيخ الحقوق مرة ثانية، ولكن لم يسمح لوكيله في بغداد الحاج محمد صالح كبة بتسلم المبلغ في المرة الثالثة، وقال لبعض أصحابه: إني أشم رائحةَ سياسة الأجنبي في هذا المبلغ. ولآخر عمره امتنع عن تسلم هذا المبلغ([19]).

وهناك بعض الحقائق العجيبة التي يمكن أن نذكرها عن خيرية أوذة اختصاراً. من ذلك:

إن هذه الأموال كانت فوائد عن قروضٍ ربويّة، يقول إسحاق نقّاش: وهكذا ارتبطت أحوال سكان ومجتهدين من الشيعة في مدن العتبات المقدّسة بأسعار الفائدة التي أخذت تسدّد نتيجة اتساع النشاط التجاري والدور السياسي البريطانيين في الهند.([20])  

ويقول نقّاش في موضع آخر: وفي صفوف المجتهدين رُسم خط فاصلٌ بين الأكثريّة الّذين كانوا مستعدّين لقبول أسهم في خيريّة أوذة والّذين رفضوا عروض المقيم البريطاني. وكانت المسألة تتعلّق بقبول أموال متحقّقة من الفوائد على قروض وتورّط المجتهدين الموزّعين بصورة مباشرة في المطامح البريطانيّة المتزايدة تجاه العراق وإيران.([21])

 يضاف إلى ذلك أنّ العوائد الخيريّة بحلول عام 1902 لم تعد تدفع مباشرة إلى المجتهدين الموزّعين وإنّما إلى الصيرفيّ اليهوديّ في مقرّ المقيم الياهو حسقيل. دانوس، وكان هذا يكتفي بإبراز إيصالٍ بين حين وآخر من كلِّ مجتهد بنصف المبلغ مع الاحتفاظ بجزء أو كلّ النصف الثاني لنفسه على أساس أنّه الفوائد المترتّبة على ديون المجتهدين له.([22])

ومنها عظم الأموال التي كانت تصل في ذلك الوقت، فقد كان المبلغ السنوي الّذي يتسلم من خيرية أوذة (120) ألف روبّية أو زهاء (10000) دولار أي يزيد على دخل الأنصاري الّذي قدّر في مراحل بـ(200) ألف تومان أو (9000) جنيه استرليني.([23]) ومع ذلك فقد كان الفقر فاشيا ولم تكن هناك محاولات لإحداث عملٍ إصلاحي واضح على مستوى الحوزة أو المجتمع.

ولتبيين الدور البريطاني في توزيع الأموال على أساس البحث عما يحقّق مصلحتها، يقول اسحاق نقّاش: وعلى مستوى آخر تكون خيرية أوذة حالة دراسية جيّدة لتوضيح الطابع المعقّد الذي اتسمت به الاستراتيجيّة البريطانيّة إزاء شؤون الشيعة واختلاف أولويات المسؤولين البريطانيّين في العراق والهند وإيران الذين سعوا إلى استخدام الخيريّة حسب تفضيلاتهم واعتباراتهم المحليّة.([24]) 

ثم يقول الباحث: وابتداءً من شهر تشرين الأول (اكتوبر) 1852 أصبحت خيريّة أوذة تدفع عن طريق الوكيل السياسيّ البريطاني في العراق الذي منحت له سلطة قانونيّة للإشراف على إنفاق المال.([25]) 

وفي الفترة الواقعة بين 1860 و1903 كان هناك مجتهدان حصراً يتقاسمان الثلثين المتبقيّين من خيرية أوذة، أحدهما في النجف والآخر في كربلاء، وكان الوكيل أو المقيم السياسيّ البريطاني هو الّذي يختارهما.([26])

وفي الفترة الواقعة بين 1902 و 1904 أثار ميجور نيومارش المقيم البريطاني المعيّن حديثاً في بغداد قضيّة إدارة خيرية أوذة بكلّ حميّة..... أعدّ نيومارش قائمة بالمجتهدين المقيمين في النجف وكربلاء وضَمَن موافقة الحكومة على المبدأ القائل بأنّ سلطة أصدار التعيينات والإقالات النهائيّة للمجتهدين الموزّعين ستبقى في المستقبل بيد المقيم.([27])   

ورغم أنّه لم يتمكّن من اقناع المجتهدين الخمسة الأكبر في النجف وكربلاء بتسلم أسهم وفق خيريّة أوذة فإنّ عددا من المجتهدين الآخرين المحترمين جدا تسلّموا بالفعل وأصبحوا مجتهدين موزّعين.

مربع نص: لا أقول: لأنّ الفقيه ليس قادراً على أن يكون سياسيّا، بل يقدر لكن بشرط أن ينطلق من فهم سياسيّ لا من فهم فقهي وإلا وقع في مطبّات خطيرة وأوقع الناس فيها.وقد أدت طريقة التوزيع التي اتبعتها الإدارة البريطانيّة إلى نتائج ملموسة وواقعيّة، حيث لاحظ نيو مارش: ان المجتهدين الحاليين لخيرية أوذة يزدادون أهميّة بالتدريج وان المجتهدين... الأقدم أخذوا يذوون، وان الوقت الذي سيكون فيه من يقبضون منّا هم القادة. وبموجب النظام الذي اقترِحه سيكونون صانعي مجتهدين في المستقبل لا يمكن أن يكون بعيداً ([28]).

وخلال الفترة الواقعة بين 1909 و1911 حاول رامزي ولوريمر على السّواء إقناع حكومة الهند بمنح المقيم البريطاني في بغداد سلطة أوسع في محاولة لتحويل الخيريّة إلى أداةٍ للتأثير في شؤون الشيعة في العراق بالدرجة الأساسيّة ([29]).

وفي عشيّة الحرب العالميّة الأولى تمكّن البريطانيّون من إضعاف موقع ونفوذ المجتهدين الموزّعين الكبار السابقين إلى بعيد. وأخذ مجتهدون أكثر من الدرجة الثانية والدرججة الثالثة يتزاحمون فيما بينهم للحصول على سهمٍ في خيريّة أوذة ([30]).

وهكذا أصبح البريطانيّون المموّلين المباشرين لمجتهدين وعلماء وطلبة في النجف وكربلاء متدخّلين في استقلال المؤسّسة الدينيّة وموقع الفئات والأفراد ([31]).

ولم يقتصر تأثير خيرية أوذة على المجتهدين في العراق، بل استطاعت السياسة البريطانية بما عرف عنها من ذكاء ومكر أن تمارس تأثيرها وضغطها على الوضع الإيراني، فقد كانت اعادة تنظيم خيريّة اوذة في السنوات 1902- 1904 تعكس ازدياد الدور السياسي البريطانيّ في العراق وإيران. وحاول المسؤولون البريطانيون إلى إثر ذلك استخدام الخيريّة مصدراً للمحسوبيّة في العراق وتوسيع نفوذهم للتأثير في الشؤون الإيرانيّة كذلك ([32]).

وبحلول عام 1908 كان الرأي الشائع في مدن العتبات المقدّسة أن القسم الأعظم من أموال خيرية أوذة يُدفع للمجتهدين الإيرانيين لأنّ البريطانيين يفكّرون بالاستيلاء على إيران وبالتالي فإنّهم يعتقدون أن نفوذ المجتهدين سيكون مفيداً ([33]).

لقد كانت أموال خيرية أوذة تمثّل بلا شكّ مصدر حرج كبير للمجتهدين في ذلك العصر، ولكن هناك من رأى أن الأرباح التي تأتي منها تغري بما يكفي لكي يتجاوز المجتهد حالة الإحراج التي يشعر بها. لاسيّما أنّ كونها فوائد على قروض لا تمثّل مانعاً شرعيّا، لأنّ الحكم الفقهي في مثل هكذا مسألة يجيز أخذ الربا لصالح المسلم من الحربيّ (بريطانيا) باعتبار أن لا ربا بين المسلم والحربي كما تنص عليه المصادر الفقهيّة. إلا أنّ هذا الحكم إذا حلّ إشكاليّة أخذ الأموال فإنّه لا يحلّ أزمة التعامل مع أموال مشبوهة من حيث إداراتها.

ثمّ أخيراً أودّ أن أبيّن بعض المفارقات، منها: أن نعرف ان مصطلح المرجع الأعلى لا يعني ولا يشير إلى أنّ المرجعية الدينية قد انـحصرت بالفعل في شخص معيّن، بل إن الواقع يقول لنا إن هناك مرجعيّات ثانوية كانت موجودة ودائمة وبالفعل لها أتباعها ومقلّدوها، وكانت تمثّل مركز ثقل المعارضة تجاه المرجع الأعلى الموجود.

ومنها: إن مصطلح المرجع الأعلى الّذي يلتفّ حوله وعي المجتمع الشيعيّ البسيط ويعتبره مقدّسا هو مصطلح معاصر لم يكن له وجود من قبل، وهذا ما أكّده الشيخ محمد مهدي شمس الدين حيث يقول: هذا المصطلح (مرجع اعلى) لا أساس له إطلاقاً بالشرع، ولا أساس له قبل الشرع الإسلامي في الفكر الإسلامي، أصلا لا يوجد في الفكر الإسلامي، ولا الشرع الإسلامي خارج نطاق المعصومين، خارج نطاق النبي(ص)، ولا المعصومين الأئمة(ع)، لا يوجد مرجع أعلى على الإطلاق. وأقول للتاريخ إننا في عهد الشهيد السيد محمد باقر الصدر نـحن مجموعة من الناس، وأنا واحد منهم رحم الله من توفاه، وحفظ الله من بقي حياً. نـحن اخترعنا هذا المصطلح. في النجف اخترعنا مصطلح مرجع أعلى. وقبل مرحلة الستينيات لا يوجد في أدبيات الفكر الإسلامي الشيعي هذا المصطلح على الإطلاق. هذا المصطلح نـحن أوجدناه؛ السيد محمد باقر الحكيم، السيد محمد مهدي الحكيم، السيد محمد بحر العلوم، ولعله يمكن أن أقول بنحو المصادفة إن جانب السيد الشهيد (رض) كان من الرعيل الأول، وهو أعلاهم وأسماهم. والداعي أنا محمد مهدي شمس الدين، كنا مجموعة نعمل في مواجهة نظام عبد الكريم قاسم المؤيد للشيوعية في نطاق جماعة العلماء، وفي نطاق مجلة الأضواء، وأردنا أن نوجه خطاباً سياسياً للخارج، سواء كانت مرجعية السيد الحكيم هي المرجعية البارزة وليست الوحيدة([34])، او كانت مرجعية السيد البروجردي في إيران هي المرجعية البارزة. اخترعنا هذا المصطلح واستعملناه، وآسف إذا أصبح مصطلحاً رائجاً، وهو لا أساس له على الإطلاق، استخدمناه وأفادنا كثيراً، ولكن نـحن استخدمناه كآلية لا نريده، ولا نريده غلاً، ولا نريده عائقاً ([35]).

كما يمكن أن نقف عند مفارقتين مهمّتين في الصلاحيّة الفعليّة التي يتمتّع بها المرجع الأعلى، هما:

الأولى: إنّ المرجع الأعلى هو أيضاً زعيم المؤسّسة العلميّة التي تعرف بالحوزة العلميّة، وهذا خلط عجيب وغير مبرّر، فإنّ إدارة المؤسسة العلمية لا ترتبط ارتباطاً ضروريا بالقيادة الدينيّة. ففي الأزهر مثلا هناك منصبان مهمّان: شيخ الأزهر والمفتي، والتفريق بينهما جاء بسبب اختلاف طبيعة العملين.

والثانية: إنّ المرجع الأعلى له دور مهمّ في السياسة سواءً كان إيجابيّا بالتدخل وإبداء رأي والتزام موقف أو سلبيّاً بأن يلتزم الصمت إزاء موقف ما، وقد تقول: كيف يعتبر الصمتُ موقفاً؟ فأقول: هو موقف بالفعل ما دامت القوى السياسيّة تبني على هذا الصمت وتعدّه موقفا ولأنّه يتدخل بالفعل في حالات فيكون صمتُه رسالة كذلك يرسلها إلى الساسة. رغمَ أنَ المرجع الأعلى لو كان أعلم ـ كما يقال بحسب الاصطلاحات المتداولة ـ لن يكون غالبا قادرا على تشخيص الموقف السياسيّ المناسب على عكس ما يتصوّر بعض الناس من أنّه يستطيع تحديد الموقف الفقهي، فالأعلم أفعل تفضيل وهو وصف مرتبط بالمادة العلميّة وليس لها علاقةٌ من قريب أو بعيد بتحريك الواقع الاجتماعي أو السياسيّ، وقد تنبّه ابن خلدون إلى ذلك فقال: إنَّ العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها. والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص في المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العلوم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيّات، وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي، فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر ولا تصير بالجملة إلى المطابقة وإنما يتفرغ ما في الخارج عما في الذهن، من ذلك كالأحكام الشرعية فإنها فروع عما في المحفوظ من أدلة الكتاب والسنة فتطلب مطابقة ما في الخارج لها عكس الأنظار في العلوم العقلية التي تطلب في صحتها مطابقتها لما في الخارج، فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها.([36])

ولو أردنا أن نتحدّث عن هذا ونبسط فيه القول لكان يجب علينا أن نقف في بحث مستقل لإيراد الشواهد التي تبيّن لك كيف أن الفقه في وادٍ والسياسة في واد آخر، لا أقول: لأنّ الفقيه ليس قادراً على أن يكون سياسيّا، بل يقدر لكن بشرط أن ينطلق من فهم سياسيّ لا من فهم فقهي وإلا وقع في مطبّات خطيرة وأوقع الناس فيها.

 


الهوامش



([1]) الحديث هنا عن حوزة النجف، لأنّ الأمر يختلف في حوزة قم عمّا هو عليه الأمر في النجف.

([2]) كاشف الغطاء، محمد حسين، سفينة النجاة ج1ص20.

([3]) القائيني، الدر الثمين ص 132.

([4]) بناية أو مكتب يلتقي فيه المرجع بمريديه ويقضي فيه شؤونه وشؤونهم ويدير من خلاله مرجعيته، ويساعده بعض الموظفين يكونون في أغلب الأحيان من أبنائه وبعض طلبته.

([5]) البغدادي، عز الدين: صراط الحميد في كشف زيف نظرية التقليد ص 253.

([6]) نقاش، اسحاق: شيعة العراق 314.

([7]) نقاش، اسحاق: شيعة العراق 315.

([8]) هناك قصّة مشهورة في هذا المجال، فهناك من تحدّث عن أنّ إحدى الدول أرسلت صاروخا في الفضاء، وأنّها فقدت السيطرة على هذا الصاروخ فاستشارت مرجعاً ما، فأشار عليها بأن ترسل صاروخا آخر بموازاته وهو سيقوم بجذب الصارخ التائه وإرجاعه إلى صوابه!!!

([9]) مركز المصطفى للدراسات، حياة صاحب الجواهر:  ص 45.

([10]) الأمين، محس، راجع أعيان الشيعة الجزء 9 الصفحة 160.

([11]) لكن في إيران لاسيّما في الدولة الصفوية كان الأمر مختلفاً فقد كان المنصب العلمي يورث بالفعل، وهذا ما يجعل حوزة النجف مختلفة عن الحوزة الإيرانية ـ ما قبل قمّ ـ ويبيّن تأثير الدولة على شؤون الزعامة الدينية.

([12])  التحصيل في أوقات التعطيل: البغدادي 1- 227.

([13]) رؤوف، عادل، محمد باقر الصدر بين دكتاتوريتين ص 250.

([14]) مغنية: محمد جواد، التفسير الكاشف الجزء 3 صفحة 18.

([15]) هنا من يعتقد بأنّ المسألة السبب الأهم في ما تعرّض له الخالصي لا يعود إلى تحرّشه بثوابت وعقائد العوام فقط، بل لمعارضته لقيام حلف بغداد، ويستهد لذلك بأنّ الخالصي أعلن فتواه بتحريم الشهادة الثالثة في الإذان سنة 1951، بينما الهجمة ضدّه بلغت أوجها سنة 1955 بعد قيام حلف بغداد. وإذا صحّ هذا فإنّه يشير إلى مسألة أخرى تتعلّق بدور القوى السياسيّة للترويج لمرجع ما أو ضدّه.

([16]) طبعا هذا القول بنجاسة الكتابي ومنه اليهودي، فتكون الرطوبات التي باشرته والدمع منها نجسة.

([17]) مجلة العلم، السنة الثانية ص 226.

([18]) رؤوف، عادل: عراق بلا قيادة ص 133.

([19]) بقلم محمود سبط الشيخ الأنصاري. مجلة الفكر الإسلامي. التي يصدرها مجمع الفكر الإسلامي، العدد السابع، السنة الثانية، رجب ـ رمضان. 1415 هجري، ص 22ـ23. المدير المسؤول عن المجلة الشيخ محسن الآراكي، رئيس التحرير محمود البستاني، مدير التحرير منذر الحكيم. عدد خاص بالشيخ الأنصاري.

([20]) نقّاش، اسحاق: شيعة العراق صفحة 296.

([21]) م. ن، ص 300.

([22]) نقّاش، اسحاق: شيعة العراق ص 298

([23]) م. ن، ص 295.

([24]) م. ن، ص 296.

([25]) م. ن، ص 296.

([26]) م. ن، ص 297.

([27]) م. ن، ص 298.

([28]) م. ن، ص 299.

([29]) م. ن، ص 303.

([30]) م. ن، 306.

([31]) م. ن، ص 309.

([32]) م. ن، ص 299.

([33]) م. ن، ص 300.

([34]) هذا تأكيد لما قلناه من عدم انحصار المرجعيّة بشخصيّة واحدة.

([35]) شمس الدين، محمد مهدي، تلاجتهاد والتجديد ص 22.

([36]) ابن خلدون، المقدمة ص 542.

العودة الى صفحة تفاصيل الخبر