التفكير بالدولة في مدرسة النجف

2011-09-26

التفكير بالدولة في مدرسة النجف


 

 

أ‌.     د. عبد الجبار الرفاعي

التفكير بالدولة في مدرسة النجف

 

 

 

 

سياقات المفهوم وتحولاته في التاريخ القريب:

(من خارج المدونة الفقهية إلى داخلها)

تتناول ورقتي الإشارة إلى (تحولات مفهوم الدولة في التاريخ القريب لمدرسة النجف). وأعني بالتحول هنا (مسار مفهوم الدولة، وصيرورته، وتكوينه، ومجاله التداولي وما يشي به استعماله في الخطاب السياسي والايديولوجي والديني والثقافي، في التفكير الفقهي لمدرسة النجف).

أما التاريخ القريب، فينبسط على مدى القرن العشرين، ليستوعب بعض التاريخ الحديث، وكل الزمن المعاصر، بدءاً من 1906، أي منذ انطلاق حركة المشروطة وتبلور اتجاه، يتبنى المشروطة، يقوده الشيخ محمد كاظم الخراساني 1911، واتجاه مناهض للمشروطة يقوده السيد محمد كاظم اليزدي.

وأعني بـ(مدرسة النجف) المضمون الثقافي والمعرفي والفقهي والاجتماعي للحاضرة العلمية العريقة التي نشأت في النجف، بعد هجرة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي من بغداد إلى النجف سنة 448هـ، ثم تواصلت في الفترات التالية حتى اليوم، وان اضمحلت في بعض العصور، غير انها تواصلت في القرون الثلاثة الأخيرة.

 

فرضية هذه الورقة

تسعى هذه الورقة للتعرف على آفاق التفكير الفقهي في الدولة، وتخلص إلى رؤية مفادها: ان التفكير في الدولة منذ مطلع القرن العشرين، حتى تمام النصف الأول من هذا القرن، كان خارج المدونة الفقهية، هذه هي المرحلة الأولى. وتبدأ المرحلة الثانية منذ مطلع الخمسينات لعقد السادس من القرن العشرين" فقد توغل التفكير في الدولة داخل إطار المدونة الفقهية، منذ أن كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين "نظام الحكم والإدارة في الإسلام" سنة 1954، وصدر في بيروت 1955، ويتمحور الكتاب كما يصرح المؤلف للتدليل على إننا (في الإسلام نملك نظاما للحكم والإدارة، هو نظام محكم في ظل سلطة دينية وزمنية معا). في هذا الكتاب يرفض الشيخ شمس الدين الديمقراطية «...فلا مشروعية للأسلوب الديمقراطي في اختيار الحاكم وشرعيته». لكن في مرحلة لاحقة، بعد ثلاثة عقود، يغادر التفكير بالدولة عند شمس الدين المدونة الفقهية.

وفي عام 1958/1959 كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر تصورات أولية لما أسماه بـ "الأسس"، وهي تسعة أسس، صاغ فيها مرتكزات الدولة الإسلامية، وأورد في الأول منها تعريفا لغويا واصطلاحيا للإسلام، وفي الثاني تقسيما للمسلم، وفي الثالث بيانا لمفهوم "الوطن الإسلامي"، وفي الرابع عالج "مفهوم الدولة الإسلامية"، وأي نوع هي من الدول، بعد أن صنف الدول إلى ثلاثة أنواع، وفي الخامس دلل على أن الدولة الإسلامية هي دولة فكرية، والسادس شرح "شكل الحكم في الإسلام"، والسابع تناول "تطبيق الشورى كشكل للحكم في ظروف الأمة الحاضرة"، ثم أوضح لفرق بين أحكام الشريعة والتعاليم" في الأساس الثامن، وانتهى في الأساس التاسع إلى "مهمة بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة".

في هذا النص يتكرر مصطلح "الدولة الإسلامية" بشكل ملفت للنظر، مثلما نلاحظ في الأساس الثالث الذي وجدنا فيه تكرارا لهذا المصطلح بين سطر وآخر أحيانا. مضافا إلى مصطلح "الحكومة الإسلامية".

من هنا اندمج مفهوم الدولة في المدونة الفقهية، وبحث "الأسس" بالرغم من انه لا يتجاوز 15 صفحة، لكنه مدون بأسلوب مدرسي منظم وميسر، يبتعد عن الغموض والمجاز والكنايات، ويعبر عن محتواه بنحو لا لبس فيه.

انبثق عن اندماج التفكير في الدولة في الموروث الفقهي، الدعوة لبناء النظم الإسلامية، في مجالات الدولة المختلفة (السياسي، الإداري، الاقتصادي، المالي، المصرفي، الحقوقي، الجنائي،...)، والدعوة لأسلمة المجتمع "مجتمعنا" والنظام المعرفي "فلسفتنا"، وصدرت مجموعة من المؤلفات، تتناول (نظام الحكم والإدارة في الإسلام، النظام المالي وتداول الثروة في الإسلام، اقتصادنا، البنك اللاربوي في الإسلام،...).

وبعد مضي ثلاثة عقود تدخل مدرسة النجف بالتدريج في المرحلة الثالثة، عبر اجتراح مسار للتفكير بالدولة ونظمها يتجاوز المدونة الفقهية، فتصبح (الديمقراطية.. هي الحل الوحيد للمجتمعات الإسلامية). حسب محمد مهدي شمس الدين، وكأنه يتواصل مع النائيني في "تنبيه الأمة وتنزيه الملة"، الذي كان يفكر بمشروعية شعبية دستورية، ودولة غير منبثقة من الفقه.

 

التفكير السياسي لدى المسلمين يتشكل في فضاء الاستبداد

إنّ شيوع الاستبداد وترسخه في مؤسسة الحكم، هو الذي قاد الكثير من المؤلفين لتسويغ جور الحاكم، وشرعنة طاعة الطاغوت، وتبرير جرائمه وموبقاته مهما كانت، إلى أن بلغ الحال بالبعض للقول بعدم جواز الخروج على الطاغية يزيد بن معاوية، مع اعترافه بأنّه كان إماماً فاسقا لأنّ «الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل لا يجوز الخروج عليه، لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، و…»([1]) حسب زعمه.

ويمكن القول إن الاستبداد ظل على الدوام أشدّ العوامل تأثيراً في تفكير المسلمين السياسي، فما أنجزه هذا التفكير من أحكام وأفكار، كانت تصاغ في آفاق رؤية المستبد، وتتخذ من آراء المستبد وقناعاته مرجعية لها.

على هذا الضوء نستطيع أن نكتشف جذور الانقطاع، والتوقف، والانشطار، والتشوه، الذي اكتنف مسار الفكر السياسي الإسلامي، فإن هذا الفكر لم يطرق أبواب عدة موضوعات، أو أنه تجمّد عند الخطوة الأولى ولم يواصل تنمية البحث في موضوعات أخرى، مثلما نلاحظ في الفلسفة السياسية، فمنذ آثار الفارابي (المتوفى سنة 339 هـ) لا نعثر على مساهمات جادة في حقل الفلسفة السياسية. فإنه بالرغم من وفرة إنتاج الفلاسفة الإسلاميين، ممن جاؤوا بعد الفارابي، غير أنهم لم يستأنفوا ما بدأه الفارابي، ولم يعملوا على إغناء وتطوير هذا الحقل في الفكر السياسي، ذلك أن الفيلسوف طالما تقاطع مع إرادة السلطان، واصطدم به، فكان لا بد أن يتّقيه، ولا يتعرض مباشرة لبيان طبيعة الدولة باعتبارها تنظيماً لجماعة، والتعرّف على نموذج بديل للاستبداد، يصلح كمعيار في تنظيم علاقة الحاكم بالمحكومين؛ لأن الفيلسوف يقوده منهجه في البحث بطبيعة الحال للجري وراء الحقيقة، بحسب أداء أدواته وأفكاره التي يستعين بها في البحث، ولذلك قد يتعذّر عليه ممالاة الطاغوت إذا ولج الفلسفة السياسية في بحثه، مما يدعوه إلى ترك الخوض في هذا المضمار، كي لا يسخط السلطان.

ولم يقتصر أثر الاستبداد على انقطاع الفلسفة السياسية وتوقفها منذ الفارابي، وإنّما أدّى شيوع الاستبداد في الحياة السياسية إلى ضمور أو اندثار بعض الحقول الأساسية في الفكر السياسي الإسلامي، فمثلاً حين نراجع بواكير التراث السياسي، نجد بداية حركة التصنيف فيه تتمحور حول مسألة الإمامة وما في سياقها، ومحاججات الفرق ومساجلاتها الواسعة بشأنها، مضافاً إلى التصنيف في الخراج وتنظيم المنابع المالية للدولة، وما يرتبط بتدبير الملك والسياسة، وعدم تدخّل الجيش في الشؤون السلطانية، وكيفية الحفاظ على السلطان، وغير ذلك مما يتّصل بالآداب السلطانية، ورسوم ومراسم وبروتوكولات دار السلطنة، وإدارة البيت السلطاني. أمّا الفقه السياسي الذي يتناول شؤون المواطنة وحقوق الرعية، والأمن السياسي والاجتماعي، ونصيحة الحكام ومحاسبتهم، وأحكام المعارضة السياسية، فلا نعثر عليه إلاّ متخفياً في مساحة هامشية داخل تراثنا السياسي.

ويبدو تأثير الاستبداد بوضوح في صياغة وتوجيه الفكر السياسي الإسلامي عند مراجعة وتقويم مشاغل هذا الفكر واهتماماته، وما غيَّبه وتناساه. فقد لبثت قضية العدالة منسية في المصنفات السياسية عدّة قرون، ولم يُصنَّف فيها بنحو مستقلّ حتى مطلع القرن الخامس الهجري، لما كتب الخطيب الاسكافي (المتوفى سنة 420هـ) رسالة صغيرة في ماهيّة العدالة([2]).

مربع نص: ويعود تاريخ النواة الجنينية الأولى للقول بولاية الفقيه لهذا العصر، حين كان المحقق الكركي (ت940هـ) أول من صرح، بأن الفقيه منصوب من قبل الأئمة في عصر الغيبة في الحقبة التالية لم تأخذ قضية العدالة مكانتها المناسبة في التأليف، ولم يجر تعميقها وتطوير البحث فيها، مع ما لها من أهمّية بالغة ـ كمعيار قيمي. في إرساء بنية الحكم الإسلامي على أساس متين. وبالرغم من أن الإسلام اعتبر العدل معياراً لا يعلو عليه ولا يضاهيه معيار آخر، بحيث قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وصف العدل «إن عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها»([3]). وعد الإمام علي عليه السلام (ملاك السياسة العدل)([4]). كما أنه قرن بين العمران والتقدم والعدل، فحينما يعدل السلطان تبلغ الأمة أهدافها وتزدهر مرافق حياتها، فيما (لا يكون العمران حيث يجور السلطان)([5]). جعل القرآن الكريم القسط والعدل روحاً كلية منبثة في سائر الأحكام والتشريعات (قل أمر ربي بالقسط)([6])، مما يعني أن تجريد أي حكم أو توجيه في الإسلام من ذلك يساوي تفريغه من مضمونه ومحتواه، وإحالته إلى قشور واهية تتقنع بقناع الإسلام ولكنها لا تنتسب إليه، لأن روح الإسلام هي القسط والعدل، وان العدل حاكم على كل تشريع أو قيمة أخلاقية. أي أن العدل ليس تابعاً ومعلولاً وإنما يكون العدل متبوعاً وعلة، فحيثما تحقق العدل وجد الإسلام، وحسب تعبير الشيخ مرتضى مطهري تقع العدالة في سياق سلسلة علل الأحكام، لا في سلسلة المعلولات، فليس ما يقوله الدين هو العدل، بل حيثما يكون العدل ينطق به الدين. وهذا معنى كون العدالة معياراً للدين([7]).

لكن التجربة السياسية في الحياة الإسلامية ارتكست في الظلم والجور، وشاعت في القصور السلطانية رسوم وبروتوكولات تسبغ على السلطان منزلة متعالية لا يُسأل فيها عما يفعل، ويتعامل مع الجماهير وكأنها قطيع من الأغنام.

أعاق استبداد السلطان الفكر السياسي الإسلامي من التطور، وتسبب في إحجام المؤلفين عن معالجة غير واحدة من قضاياه الأساسية، وابتعادهم عن حقوق الرعية، وتأكيدهم على حقّ السلطان في السمع والطاعة، وإنْ تعدّى حدود الله، وتجاوز ذلك إلى الشعراء والأدباء والعلماء، فابتلى الكثير منهم بالرياء والتزلّف للطاغية، وطبَعَ الفكر والأدب رغبات الحاكم ونزواته ومواقفه، حقّاً كانت أم باطلاً. يكتب أحد مؤرخي الأدب: إن الأدب اتّجه معظمه في العصر العباسي إلى مشايعة رغبات القصر، يذمّ الشعراء من ذمّهم الخلفاء، ويمدحون من رضوا عنه، فإذا خرج محمد بن عبد الله على المنصور، هجاه ابن هرمة، وإذا رضي المعتصم عن الأفشين، فقصائد أبي تمّام تترى في مدحه، وإذا غضب عليه صلبه، فقصائد أبي تمّام أيضاً تقال في ذمّه وكفره. ويرضى الرشيد عن البرامكة فهم معدن الفضل، ويقتلهم فهم أهل الزندقة والشرك. وهكذا وقف الأدب أو أكثره يخدم الشهوات والأغراض([8]).

لكن هذا لا يعني عدم وجود نقاط مضيئة في التراث السياسي الإسلامي، إلاّ أنّ تجذّر الاستبداد واستمراره منع تلك النقاط من أن تشعّ وتتسع، فتنبسط على مساحات كبيرة، وتطبع الفكر السياسي برمّته بخصائصها.

أما المفاهيم والمقولات والآراء والأفكار السياسية وما يحيل إلى التراث السياسي الإسلامي، فتارة نعثر عليه في مؤلفات الفلاسفة، عند بحثهم الحكمة العملية وما تشعب اليه من تدبير المجتمع وسياسة المدن، وأخرى نجده في مؤلفات المتكلمين مندرجاً ضمن مباحث الإمامة، وثالثة نراه في ثنايا تاريخ الإسلام السياسي، لاسيما في مواقف العلماء مع السلاطين والحكام. بيد ان الحقل الأهم الذي انتظمت في إطاره تلك المباحث هو الفقه، خصوصا أبواب: الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلاة الجمعة، والخمس، والقضاء، والحدود، وما أُلف بموازاة ذلك من أعمال مستقلة تمحورت حول النظام السياسي أو النظام المالي للدولة الإسلامية، مثلما نلاحظ في مسألة الخراج، فقد ألّف القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفى سنة 192هـ، كتابا بعنوان "الخراج"، يُعتبر أقدم المدونات الواصلة إلينا في هذا الموضوع، تعرض فيه لفقه أموال الدولة الإسلامية، وإلى جانب موضوعه الأساسي تحدث عن: الجنايات والعقاب عليها، والحكم على المرتد، وقتال أهل الشرك والبغي، وأرزاق القضاة والعمال. وكان موضوع "الخراج" عنوانا لكتاب آخر، أنجزه فقيه عاصر القاضي أبي يوسف، هو يحيى بن آدم القرشي (ت204هـ).. وفي الحقبة نفسها كتب أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) كتابه المعروف "الأموال".

وكان الفقيه محمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ)، قد أفرد مؤلفا للعلاقات الدولية ونظام الحرب في الإسلام بعنوان "السير الكبير"، الذي شرحه الفقيه الحنفي السرخسي، وردّ عليه القاضي أبو يوسف في مؤلف بعنوان "الرد على سير الأوزاعي".

وبعد قرنين من هذا التاريخ تطور البحث الفقهي في مسائل الإمامة والسياسة، وجرى توسع في مؤلفات عولجت فيها تلك المسائل بشمول، فظهر أكثر من كتاب بعنوان "الأحكام السلطانية"، أحدها للقاضي أبي الحسن الماوردي (ت450هـ)، والآخر للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء (ت 458هـ).

هذه إشارة لقصة ولادة الفقه السياسي السني، أما في مدرسة أهل البيت فقد تأخر ظهور الفقه السياسي قرونا عديدة، بل ان التدوين المستقل في ذلك لم يتبلور الاّ في فترة متأخرة، وان توفرت بعض المصنفات الفقهية السابقة على أبواب وفصول لأحكام متناثرة في الفقه السياسي، مثلما نرى في كتاب "المبسوط" للشيخ الطوسي (ت460هـ)، الذي أفرد أبوابا مستقلة لأحكام البغاة والمرتدين، وأهل الذمة والجزية.كذلك دُرست مسألة الإمامة على نطاق واسع لدى متكلمي الإمامية منذ عدة قرون. الاّ انه بسبب الظروف السياسية والاجتماعية الخاصة التي عاشها فقهاء الإمامية، وما تعرضوا له من إقصاء عن مواقع الحكم والإدارة، انخفض حضور الفقه السياسي والاجتماعي في مدونات الفقه الجعفري، وهيمنت النزعة الفردية التي تعنى بمعالجة قضايا السلوك الخاص على هذا الفقه حتى القرن العاشر الهجري. وبعد هذا التاريخ أي منذ قيام الدولة الصفوية في إيران، وتفاعل بعض الفقهاء مع مؤسسة السلطة وقتئذ، جرى إسناد بعض شؤون الدولة لهم، واعتمادهم كمستشارين للسلطان أحيانا، من هنا برزت لديهم بالتدريج مشكلات سياسية واجتماعية أفرزها حضورهم في داخل مؤسسة الحكم، فكتبوا بعض الرسائل المستقلة في "الخراج" و"صلاة الجمعة"، كما ظهرت لديهم فيما بعد، أي في القرن الثالث عشر بعض الرسائل في "الجهاد".

ويعود تاريخ النواة الجنينية الأولى للقول بولاية الفقيه لهذا العصر، حين كان المحقق الكركي (ت940هـ) أول من صرح، بأن الفقيه منصوب من قبل الأئمة في عصر الغيبة، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه من مدخل، بالاستناد إلى مقولة عمر بن حنظلة. فقد ذكر «ان الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمة الهدى في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه من مدخل ـ وربما استثنى الأصحاب القتل والحدود مطلقا ـ فيجب التحاكم إليه والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحق ان احتيج إليه، ويلي أموال الغياب والأطفال والسفهاء والمفلسين، ويتصرف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام. والأصل فيه ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناد إلى عمر بن حنظلة، عن مولانا الصادق جعفر بن محمد أنه قال: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حَكَما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد، وهو راد على الله، وهو على حد الشرك بالله، وإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما» وفي معناه أحاديث كثيرة... والمقصود من هذا الحديث هنا: «إن الفقيه الموصوف بالأوصاف المعينة، منصوب من قبل أئمتنا، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه من مدخل بمقتضى قوله: "فاني قد جعلته عليكم حاكما" وهذه استنابة على وجه كلي»([9]).

كذلك أشار المحقق الكركي إلى أن الفقيه المستجمع لشرائط الفتوى والحكم هو النائب العام للمعصوم في عصر الغيبة، في كتابه "جامع المقاصد" عند الحديث عن الوصية بالولاية قائلا: «لا يخفى ان الولاية بالأصالة على الطفل ثابتة لأبيه ثم لجده الأدنى، ثم من يليه وهكذا. ولا ولاية للأبعد مع وجود الأقرب، فمع عدم الأب والجد فوصي الأب، فإن فقد فوصي الجد، ومع عدم الجميع فالحاكم. والمراد به الإمام المعصوم أو نائبه الخاص، وفي زمان الغيبة النائب العام، وهو المستجمع لشرائط الفتوى والحكم. وإنما سُمي نائبا عاما لأنه منصوب على وجه كلي بقولهم: "انظروا إلى من كان منكم" الحديث.. ولا يخفى أن الحاكم حيث أُطلق لا يراد به إلاّ الفقيه الجامع للشرائط».([10])

ولم تكن الدولة الإسلامية أو الحكومة الإسلامية مُفَكراً فيها، في الرؤية الفقهية للكركي، حسبما يفكر فيها الإسلاميون منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ وإنما كان بصدد اسباغ المشروعية على السلطنة الصفوية، وتسويغ سلوك الشاه طهماسب (ت 984هـ/1576م)، وإمضائه باعتباره يمتلك الحق الإلهي الممنوح له لنيابته عن الإمام؛ فيفيض هذا الحق على السلطان وينصبه حاكما. وهو موقف رفضه أبرز فقهاء عصره كالشيخ ابراهيم القطيفي الذي وجه نقدا صريحا للكركي، وعاب عليه قبوله لهدايا السلاطين الصفويين، مما اضطر الأخير للرد عليه برسالته الموسومة "قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج" دلل فيها على صحة سلوكه، فرد عليه القطيفي رسالة أسماها "السراج الوهاج في دفع قاطعة اللجاج". ودعم بعض الفقهاء المعاصرين موقف القطيفي؛ فكتب المقدس الأردبيلي رسالة في هذا الموضوع، وكذلك الشيباني، واشتهرت هذه المجموعة من الرسائل بـ "الخراجيات".([11])

وكان الشيخ جعفر الجناجي (1154ـ1228هـ) الذي اشتهر فيما بعد بكاشف الغطاء، نسبة إلى كتابه المعروف "كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء" من أبرز الفقهاء الذين أسسوا للمرجعية الدينية في النجف، وفي سياق حديثه عن الجهاد عندما تعرضت إيران للغزو الروسي في العهد القاجاري وطلب منه الشاه القاجاري سنة 1223هـ تأييده في مقاومة الروس، فوض المجتهدين القيام بالجهاد الدفاعي في حالة غيبة الإمام، ونص على وجوب (طاعة الناس لهم، من خالفهم فقد خالف إمامهم). وذهب إلى «إن الفقيه الجامع للشرائط قائم ـ حقيقة ـ مقام الإمام، ليس في الشرعيات والأمور الحسبية فقط، بل في سائر الأمور، من إدارة البلاد والعباد إلى الحرب والجهاد، إلى الولاية على المال العام، وبالتالي فانه يتحدث هنا عن الفقيه باعتباره الوالي بالأصل، وان السلطان تالٍ له، ومستمد شرعيته من إذنه».([12])

ثم جاء من بعده أحمد النراقي (ت1245هـ)؛ فأفرد بحثا مستوعبا في كتابه "عوائد الأيام" «في بيان ولاية الحاكم وماله فيه الولاية على ما جاء في الأخبار »([13])، ويمكن القول أن هذا الفقيه هو أول من صاغ بشكل واضح الوظيفة السياسية للفقهاء في عصر الغيبة.

منذ عصر الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ؛ دأب فقهاء الإمامية على بحث مسألة الولاية العامة للفقهاء في باب البيع من مؤلفاتهم الفقهية، ومكث الفقهاء عقودا متوالية يبحثون هذه المسألة من منظور فردي لا يعاين متطلبات إدارة الدولة ومؤسساتها، لذلك لا نلاحظ فقيها في تلك الفترة حاول أن يقدم صياغة نظرية فقهية محددة المعالم، تكشف عن الأبعاد السياسية والاجتماعية لولاية الفقيه في عصر الغيبة، وظل بحثهم يجول في مدارات الإشكالات والردود، من دون أن يتخطى ذلك ويتسلح برؤية بنّاءة تنبثق عنها رؤية فقهية لصياغة الدولة ونظمها. كما لم يتجذر القول بولاية الفقيه، وإنما تمسك الفقهاء بنقد أدلتها، وعدم التسليم بها.

في القرن الثالث عشر الهجري تناول الشيخ مرتضى الأنصاري "مناصب الفقيه" في كتابه "المكاسب" في سياق بحثه لمسألة أولياء التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف في ماله الحاكم. وأوضح أن للفقيه الجامع للشرائط مناصب ثلاثة، هي: الإفتاء، والحكومة أي القضاء، وولايته التصرف في الأموال والأنفس، وبعد ان استعرض مجموعة من آيات القرآن والروايات المنقولة عن النبي وأهل البيت، التي يستدل بها في المقام وناقشها، ثم خلص في خاتمة البحث إلى القول: «وبالجملة، فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام إلاّ ما خرج بالدليل دونه خرط القتاد».([14]) وفي تعليقاته على هذه المسألة من كتاب المكاسب يشدد الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255ـ 1329هـ) على أن ثبوت الولاية للفقيه في عصر الغيبة محل إشكال، ويناقش أبرز الأدلة على ثبوت الولاية للفقيه ولا يقبل أياً منها، وينتهي إلى ما انتهى إليه الأنصاري في نفي الولاية المطلقة للفقيه.([15])

ربما يعود هذا الموقف إلى ترسخ مفهوم في الذهنية الفقهية منذ بداية عصر الغيبة، يبتني على انعدام الدليل على تكليف الفقهاء بالولاية والإمارة، يكتب الشريف المرتضى، وهو من أعلام القرن الخامس الهجري: «ليس علينا إقامة الأمراء، إذا كان الإمام مغلوبا، كما لا يجب علينا إقامة الإمام في الأصل... ليس إقامة الإمام واختياره من فروضنا فيلزمنا إقامته، ولا نـحن مخاطبون بإقامة الحدود فيلزمنا الذم تبضيعها».([16]) وعلى طول التاريخ لا نلتقي بجهود تهدف إلى إسقاط السلاطين ودولهم، أو تدعو لذلك من الفقهاء، من أجل بناء دولة تجسد روح الشريعة وتطبق أحكام الإسلام، بالرغم من إجماع الفقهاء على غصبية إمارة التغلب.

حتى نهاية القرن التاسع عشر، لا نعثر على أية دعوة أو محاولة لإقامة دولة إسلامية بديلة للملكية القاجارية، ففي 28 رجب 1308هـ (مارس 1891) وقع الشاه ناصر الدين امتياز احتكار تجارة التبغ الإيراني لمدة خمسين عاما، مع شركة الميجر تالبوت، مقابل 25 ألف جنيه تدفع للشاه، و15 ألفا للصدر الأعظم أمين السلطان، إضافة إلى رسم سنوي يبلغ 15 ألف جنيه، وحصة من أرباح الشركة تصل إلى 25 بالمائة.

اثر تدشين الشركة لعملها في إيران، فرضت هيمنتها على كل ما يتصل بزراعة وتجارة التبوغ، وتعسفت في فرض أسعار متدنية جدا، ما أدى إلى اندلاع انتفاضة قادها بعض العلماء في شيراز واصفهان وطهران، وحدثت مواجهات حادة بين المنتفضين وقوات الشاه، فلجأ العلماء للمرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء واستغاثوا به،فأصدر فتواه الشهيرة: «اليوم استعمال التبغ والتنباك بأي نـحو كان، في حكم محاربة إمام الزمان صلوات الله وسلامه عليه. حرره الأقل: محمد حسن الحسيني». وقد وزع من الرسالة 100 ألف نسخة في العاصمة طهران وغيرها، في أوائل جمادي الثانية 1308هـ (أوائل ديسمبر 1891م). وأدت الفتوى إلى انهيار امتياز الشركة البريطانية وانسحابها من إيران.([17])

ما أود أن أخلص له، ان المرجعية لم ترفع شعارا للقضاء على السلطنة القاجارية، ولم تنطلق أية دعوة لاستبعاد الشاه أو استبداله بسواه بل أن رسائل المرجع محمد حسن الشيرازي إلى ناصر الدين قبل صدور فتواه، التي تضمنت معارضته والعلماء لامتياز شركة التبغ، لم تغفل عبارات الثناء والمجاملة، ولم تشر إلى اعتزامهم خلعه عن العرش. وتوضح الرسائل بأن الميرزا كان يفضل أن يستجيب الشاه ويلغي امتياز الشركة، كيما لا يضطر لإصدار فتواه.([18]) ولم تستثمر هذه الفتوى ويستغل الفقهاء آثارها السياسية والاجتماعية في المضي لإقامة حكومة أخرى غير السلطنة القاجارية، مع أن الشاه كان في حالة استسلام وضعف وانهيار شامل لسلطاته.

هكذا اقتصرت الدعوة في مرحلة لاحقة على وضع دستور، وتقييد سلطة الشاه المطلقة، في حركة المشروطة مطلع القرن العشرين، من دون أن تتجاوز ذلك إلى إلغاء السلطنة، وإشادة دولة تتأسس على مرجعية الفقه. وتكشف رسائل وجهها آية الله محمد الطباطبائي أبرز قادة المشروطة في بداياتها، عن أن الدستوريين لا ينشدون القضاء على الدولة، كتب إلى الشاه مظفر الدين: «... يستحيل أن نكون من مريدي السوء للحكومة، ليس من المعقول ان يكون الداعي بالخير ساكتا عن هذه الأخطار، وساعيا لتدمير الدولة». وجاء في رسالة اخرى له: «...اصلاح جميع المفاسد منحصر بتأسيس المجلس، واتحاد الأمة مع الدولة، ورجال الحكم مع العلماء... الإصلاح آت عما قريب، لكنا نريده على يد ملكنا وزعيمنا، لا على يد الروس والعثمانيين والانجليز...».([19])  

من أجل التعرف على تطور فكرة الدولة وتحولاتها في النجف، نتحدث بإيجاز عن مراحل ثلاث تحركت فيها، وهي:

 

  المرحلة الأولى: الدعوة للدستور في مدرسة النجف:

تحول التفكير في المفاهيم يرتبط عضويا بالسياقات الثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والسسيولوجية السائدة في كل مجتمع من المجتمعات البشرية، ومدرسة النجف ظلت ومازالت أهم حاضنة للاهوت والفقه الشيعي، وعادة ما كان الشيعة خارج مؤسسة السلطة في دولة الخلافة الأموية والعباسية والسلطنة العثمانية، وطالما تعرض فقهاؤهم للمراقبة والاضطهاد والقمع، خشية ثوراتهم ومعارضتهم للخلفاء والسلاطين، فاضطروا للابتعاد عن التفكير الفقهي بالدولة ونظمها. وانتظم الفقه في الحوزات العلمية في المجال الفردي الشخصي، ولم يتجاوزه إلى مجال الحكومة والسلطة وتنظيمات الدولة.

بموازاة ذلك تبلور موقف لاهوتي فقهي يسلب المشروعية عن أية دولة في عصر غيبة الإمام المهدي وهو الإمام الثاني عشر، ويصفها بـ (بدولة الضلال).

لم تتقلص المسافة بين بعض الفقهاء والسلطان الاّ في العصر الصفوي، حينما احتاج السلطان إلى الفقيه ليخلع المشروعية على دولته. لكن مدرسة النجف مكثت بمنأى عن ذلك. وفي العصور التالية ابتعد نادر شاه عن الفقهاء، لكن مع السلطنة القاجارية حرص بعض ملوكهم على تجسير العلاقة مع المرجعية الدينية، والحصول على دعمها، خاصة في صراعهم المستمر مع الروس، وحاجتهم الماسة إلى تعبئة المجتمع وحثه على القتال، عبر فتاوى الجهاد.

في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الدعوة إلى الدستور للمرة الأولى في الدولة العثمانية، عندما «سعى مدحت باشا، مع جماعة من زملائه المفكرين إلى تحقيق هذه الفكرة، واستطاع ـ في آخر الأمر ـ أن يحمل السلطان عبد الحميد الثاني على إصدار القانون الأساسي، عقب توليه العرش، بعد خلع السلطان عبد العزيز، والسلطان مراد»([20])، فصدر الدستور سنة 1876م، وتأسس البرلمان الذي عرف بـ(مجلس المبعوثان) غير أن السلطان عبد الحميد لم يسمح له بالاستمرار في دورته الثانية، «فأصدر في 13 شباط 1878م فرمانا بحل المجلس، وإلغاء الدستور. وفي اليوم الثاني أمر بإخراج النواب البارزين من اسطنبول، وإعادتهم إلى ولاياتهم، ومنذ ذلك الحين أخذ عبد الحميد يحكم الدولة على طريقته الاستبدادية، التي اشتهر بها واشتهرت به» ([21]). وأقفل مجلس المبعوثان أبوابه لمدة ثلاثين عاما، فمنذ تعطيله سنة 1878 لم يفتح ثانية الاّ في عام 1908.

مربع نص: استفاق وعي النخبة الإيرانية في هذه المرحلة على أن غياب القانون وشيوع الاستبداد والملكية المطلقة غير المقيدة بدستور، هو منبع التخلف والانـحطاط الذي يرزح في أغلاله المجتمع الإيرانيتسرب الوعي الدستوري إلى بعض النخب في ولايات الدولة العثمانية، وكانت الحوزة العلمية في النجف تتجاوب مع المنعطفات السياسية الكبرى، ويتفاعل بعض تلامذتها وفقهائها مع الأصوات المنادية بالإصلاح السياسي، خاصة بعد وفاة الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء عام 1312هـ/ 1895م، عندما عاد طلابه إلى النجف ثانية، ذلك أن الحوزة العلمية فيها لم تفتقد مركزيتها بهجرة الميرزا الشيرازي إلى سامراء، وتصدى للمرجعية اثنان من تلامذته بعد غيابه، هما: محمد كاظم المعروف بالآخوند الخراساني (ت1329هـ/ 1911م)، ومحمد كاظم اليزدي (ت1337هـ/ 1919م). وقد ازدهرت الحوزة العلمية في النجف في هذه الفترة بتوافد الطلاب الشيعة لها من إيران والهند وأفغانستان ولبنان وسوريا.([22])

كان للمناخات الفكرية في عصر المشروطة 1906ــ 1911 تأثير حاسم على التفكير في مدرسة النجف في قضايا المشروعية السياسية، والدستور، والبرلمان، والاستبداد، وتداول السلطة، والانتخابات، وحدود تدخل الفقيه في الدولة، ونمط الدولة في عصر الغيبة، وحقل الفقه في الدولة، وهل الدولة مقولة وضعية أم دينية؟ وغير ذلك من الاستفهامات الحائرة، والأسئلة القلقة، التي أوقدت التفكير في هذه القضايا، وقادته للانخراط في مجال لم يتسع البحث فيه من قبل الحوزة العلمية، بنحو هيمنت تلك الاستفهامات على الفضاء المعرفي في النجف، وتعاطى الفقهاء وتلامذتهم الحديث والنقاش في ذلك.

وطالما طغت الجداليات السياسية والفكرية في إيران على مشاغل الطلاب واهتماماتهم، لوثوق العلاقة بين المرجعية الدينية في النجف والمجتمع الإيراني، والارتباط العضوي للمقلدين الإيرانيين بفقهاء النجف، وتجاوب هؤلاء الفقهاء مع التطورات السياسية والاجتماعية في إيران. استفاق وعي النخبة الإيرانية في هذه المرحلة على أن غياب القانون وشيوع الاستبداد والملكية المطلقة غير المقيدة بدستور، هو منبع التخلف والانـحطاط الذي يرزح في أغلاله المجتمع الإيراني. وسادت كتابات الإيرانيين في هذه المرحلة مصطلحات: الحكومة القانونية أو الدستورية "حكومت قانوني"، والحرية "حريت"، والنظام البرلماني "نظام برلماني"، "دار الشورى "مشورت خانه"، أو"هاوس كامن ".house ommon وانعكست أصداء هذه الكتابات على لسان الوعاظ وخطباء المنابر، ممن يواظبون على تحريض مستمعيهم، وتعبئتهم لمناهضة الاستبداد، عبر المناداة بدولة القانون، ورفع الشعارات المطالبة بالدستور، وتكرارها في كل مناسبة. ويمكننا ملاحظة مدى الإصرار على هذه المسألة والتأكيد عليها، حين نطلع على نموذج لهذه الخطابات الموجهة من على المنبر للجمهور، فمثلا يدعو جمال الدين الاصفهاني، احد الخطباء المعروفين في ذلك الزمان، الناس بقوله: «أيها الناس: ليس بوسعنا بناء بلدنا من دون التمسك بالقانون، ومن دون التعرف على القانون، ومن دون حفظ القانون، ومن دون احترام القانون، ومن دون تنفيذ القانون، القانون ثم القانون. لابد من تعليم القانون للأطفال في الكتاتيب والمدارس منذ الصغر، ويجب تفهيمهم أن ليس هناك معصية في الدين والشريعة أعظم من مخالفة القانون.... »([23]).

 استوعب الوعي الدستوري الإيراني مجموعة تشريعات وقوانين ولوائح حقوقية فرنسية وعثمانية وعربية، واهتم بنقلها من لغاتها الأصلية إلى الفارسية، كما لاحق الكتابات الجادة في تشريح الاستبداد وتفكيكه، وترجمها وروج لها، مثل كتاب عبد الرحمن الكواكبي" طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، بعد مدة وجيزة من صدوره، ومن قبله ترجم مستشار الدولة لائحة حقوق الإنسان من الفرنسية، وترجم ميرزا حسين خان سبهسالار دستور مدحت باشا العثماني إلى الفارسية أيضا.([24])

ساهمت أنشطة ومساعي وكتابات النخبة الفاعلة بإيجاد أرضية واسعة للوعي الدستوري في المجتمع الإيراني، بعد أن جعلت مناهضة الاستبداد وتدوين الدستور من أهم أولوياتها، وكرست مختلف الجهود لإشاعة هذه الثقافة وتعميمها، بنحو لم تعد ثقافة خاصة بالنخبة، وإنما امتلكها الوعي الشعبي، وصارت القضية المطلبية الأولى في حياة المواطن الإيراني. ووجد جماعة من الفقهاء أن الظروف الاجتماعية والسياسية ممهدة لإرغام الملكية المستبدة على تحديد سلطاتها وتقييدها في إطار قانون أساسي، يستمد مشروعيته من الشعب، ويخضع بموجبه الملك لإرادة الأمة، ولا يختصر كل شيء بشخصه. تتألف هذه الجماعة من ثلاثة مجتهدين معروفين من طهران، وهم: فضل الله النوري، (1835-1909)، الذي قضى فيما بعد مصلوبا، بعد أن تحول إلى موقع مناهض لهذه الحركة، لاعتقاده بأن المشروطة على الضد من الشريعة الإسلامية، ومحمد الطباطبائي، وعبد الله البهبهاني.   

أما في الحوزة العلمية في النجف، فجرى اصطفاف آخر، إذ انشطر موقف المرجعية، فتبنى محمد كاظم الخراساني، وتبعا له تلميذه محمد حسين النائيني، وغيرهما، موقفا مؤيدا وداعما للمشروطة، فيما ذهب محمد كاظم اليزدي إلى تأييد فضل الله النوري، ومن اصطف معه، في مناهضة المشروطة. وتضاربت الآراء والفتاوى في الموقف من المشروطة، ففي الوقت الذي ينص احد الفقهاء في فتواه، على ان «المشروطة كفر، والمطالب بالمشروطة كافر. ماله مباح، ودمه مهدور».([25]) يكتب الآخوند الخراساني، وعبد الله المازندراني، والميرزا حسين بن الميرزا خليل في فتواهم: «نعلن حكم الله إلى كافة الشعب الإيراني، ان بذل الجهد هذا اليوم لإقرار المشروطة، هو بمثابة الجهاد تحت راية صاحب الزمان، أرواحنا فداه. وأدنى معارضة أو تهاون في ذلك، إنما هو كمحاربته وخذلانه. أعاذ الله المسلمين من ذلك، إن شاء الله» ([26]).

تؤشر لحظة المشروطة إلى منعطف حاد في تحديث النظام السياسي عند المسلمين، وتبلور مرتكزات محورية لمفهوم الدولة المدنية، عبر توظيف شيء من المكتسبات الحديثة في الحريات والحقوق والتداول السلمي للسلطة. وقاد التكفير المتبادل بين الفريقين إلى استثمار جميع مكونات الذاكرة الدينية والقومية للمجتمع الإيراني في تعبئة الجمهور، ومحاولات اجتراح تفسيرات وتبريرات تستند إلى الكتاب والسنة والسيرة والتراث، من اجل تشكيل رؤية واضحة لموقف كل فريق. ومثلما سادت الدعوة لتقنين عمل السلطة، ونادى بها معظم النخبة قبل المشروطة، إلى أن امتد التثقيف عليها إلى عامة المجتمع، انقسم الناس تبعا للانقسام في مواقف الفقهاء حيال المشروطة سنة 1906، وباتت قضية المشروطة هاجسا نخبويا وجماهيريا شاملا، انخرطت النخبة المدنية والدينية في الكتابة والخطابة والحديث عنه، اثباتا أو نفيا. وصدرت الكثير من المنشورات والرسائل والمقالات والكتب والمطبوعات المتنوعة لمعالجة هذه القضية.

يمكن القول أن أخطر رسالتين صدرتا خلال هذه الضجة، وعبرتا بوضوح لا لبس فيه عن الموقف المندد والرافض، والموقف المؤيد للمشروطة، هما: "تذكرة الجاهل وإرشاد الغافل" لفضل الله النوري، المطبوعة سنة 1908 أي قبل مقتله بسنة، و"تنبيه الأمة وتنزيه الملة" لمحمد حسين النائيني، المطبوعة سنة 1909. ويبدو من عنوان الأخير لرسالته، انه يشير إلى عنوان رسالة النوري، وينفي حكمها على دعاة المشروطة ومؤيديها، باعتبارهم "جاهلين....غافلين". ويصرح النوري في رسالته بنبذ الدعوة للمساواة بين المواطنين، ويستخدم لغة حادة، مشبعة بالاتهام، والأحكام القاسية، في التدوين. فمثلا يقول «يا عديم الشرف، يا عديم الضمير! صاحب الشريعة منحك شرفا وامتيازا، لأنك انتحلت الإسلام، وأنت تسلب هذه الميزة عن نفسك، وتقول: يجب أن نكون متساوين، مع المجوس والأرمن واليهود، ألا لعنة الله على من لا يعرف قدره»([27]). ولم تنتشر بنحو واسع رسالة النوري، ولم يمتد حضورها خارج زمانها، بينما اشتهرت رسالة النائيني "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" وتنوعت الإحالات المرجعية عليها، وأصبحت من أهم النصوص المؤسسة في الفكر السياسي الإسلامي الحديث. وكتب عنها وتداولها مجموعة من الباحثين والدارسين بالفارسية والعربية وغيرهما. وربما يعود ذلك إلى الأسلوب الاستدلالي الذي انتهجه النائيني في بيان آرائه، ومناقشة الآراء التي يختلف معها، وابتعاده عن الأحكام المتسرعة والقاسية حيال الآخرين، واستيعابه لثقافة عصره، فيما يتصل بأثر الاستبداد والحكومات الشمولية في انـحطاط البلدان، ورؤيته المدنية للدولة، وقيام نظمها وتدبيراتها على ما راكمته الخبرة البشرية، والتفكير خارج المدونة الفقهية في قضايا الدستور، وضرورة وجود برلمان، وانتخابات برلمانية، وبيان مهام البرلمان في صياغة القوانين، والحرية، والمساواة بين المواطنين، والعدل.

يتلخص مفهوم المشروطة في تشكيل الحكومة على أساس دستور، ونظام برلماني، وتقييد سلطات الحاكم في إطار القانون. وكان الكاتب العثماني نامق كمال من أوائل من استخدم، تعبيرات الدولة المشروطة "دولت مشروطه" والإدارة المشروطة "إداره مشروطه" في كتاباته في القرن التاسع عشر، وهو يعني بذلك الحكومة الدستورية غير المستبدة. وكانت مثل هذه الحكومة توصف لدى الكتاب العثمانيين في ذلك العصر، بتوصيفات من قبيل: "مقيدة" و"معتدلة" و"محدودة". والقيد بمعنى الشرط، والمحدود هو المؤطر بحدود، أي بشروط.

 ويعتقد عبد الهادي الحائري أن هذه الكلمة وفدت من التركية، وأول من استخدم مصطلح المشروطة باللغة الفارسية، هو ميرزا حسين خان سبهسالار سنة 1868 حين كان سفيرا لإيران في الامبراطورية العثمانية، إذ وردت هذه الكلمة في بعض التقارير التي أعدها ساعتئذ. ([28])

مع أن النائيني يعتبر الحكومة وإدارة الدولة من مهام الإمام المعصوم بحسب المنطق الكلامي، إلا أنه يرى أن إدارة شؤون المجتمع المسلم، وتحقيق مصالحه، والدفاع عن حقوقه، مما لا مفر منه في زمن الغيبة، فحتى لو كانت هذه الحكومة تعد غاصبة لأمر يختص بالمعصوم، لكن كثيرا من أغراض وأحكام ومقاصد الشرع يتوقف على وجودها... قال: «وغاية ما يمكن إيجاده ونهاية ما يتصور اطراده كبديل بشري طبيعي عن تلك العصمة العاصمة، ـ حتى مع مغصوبية المقام، هو حل بمثابة المجاز عن تلك الحقيقة وظل لتلك الصورة»، وقد وضع شرطين لشرعية هذه (الحكومة/السلطة) الإسلامية، هما عبارة عن:

صياغة دستور يتضمن «تعريفا وافيا يحدد طبيعة السلطة، وأغراضها، وواجباتها، وكيفية ممارستها، كما يميز المصالح السياسية التي يجب على الحكومة العمل لإقامتها وحفظها، من المصالح الخاصة التي لا يحق لها التدخل فيها، كما يحدد صلاحيات الحاكم، ويعرف حقوق الشعب وحرياته، والحقوق الخاصة بكل طبقة من طبقاته، باعتبارها موافقة لمقتضيات الدين». ويسوق النائيني توصيفا للدستور، يشبهه بالرسالة العملية، وهي الكتاب الفقهي الإرشادي الذي يؤلفه المرجع في الحوزة العلمية لتأطير وتوجيه السلوك الشخصي والحياتي لاتباعه، ذلك أن الدستور «يعتبر في بابه بمنزلة الرسالة العملية، التي يطرحها الفقيه لمقلديه، فيعرض من خلالها فتاواه الخاصة في أبواب العبادات والمعاملات، باعتبارها واجبة على المقلد. أن الأساس في حفظ حدود السلطة هو الالتزام بإحكام الدستور، والحذر من تخطيها،كما هو الشأن في الرسالة العملية بالنسبة للمكلف العادي»، مما يوحي إلى انه يميز بين الدستور والرسالة العملية الفقهية، خلافا لما نص عليه، بعد نصف قرن من هذا التاريخ، السيد الشهيد محمد باقر الصدر، في الأساس الثامن من الأسس التسعة التي صاغها عام 1959 كمؤشرات أساسية لنمط الدولة الذي يبشر به حزب الدعوة الإسلامية، قائلا : «إن اصطلاح "الدستور الإسلامي" حينما يطلق على الشريعة المقدسة هو أوسع من المصطلح المتعارف للدستور، لأنه يشمل كافة أحكام الشريعة الخالدة، حيث تعتبر بمجموعها أحكاما دستورية».

2- إحكام المراقبة والمحاسبة على الحاكم، من خلال جميع أفراد المجتمع المسلم، ومن خلال إيجاد مجلس أو هيئة، (ويعتبر أعضاء هذه الهيئة ممثلين للشعب، وقوته العلمية، والمجمع الرسمي للهيئة هو مجلس الشورى الوطني...يلزم ان يكون أعضاء الهيئات الرقابية، مثل مجلس الشورى، مسؤولين أمام الشعب عن أعمالهم)، وظيفتها الحيلولة دون حصول أي تجاوز أو تفريط من قبل الحاكم في سلطته وواجباته ومنع تحولها إلى ملوكية. هذه الهيئة (المسدِّدة) بحسب تعبيره تحل (محل العصمة، بدرجة ما) التي افتقدها المعتقد الإمامي بسبب غيبة الإمام المعصوم.

هكذا تنخرط مرجعية النجف في رهانات الدستور وترسم الرؤية السياسية للنائيني إطارا بديلا للسلطة، يحدد الملكية ويقيد صلاحياتها المطلقة، ولا يسمح لها التعسف في السلطة. وما لبثت رسالة النائيني "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" التي دونها في النجف، أن تحولت إلى نص محوري في جدل الدين والدولة في إيران الحديثة والمعاصرة.([29]) لكن هذا الإنتاج الفكري، مكث يناقش مشروعية الدستور نفيا وإثباتا، من دون ان يؤطر الدولة تأطيرا فقهيا. انه تفكير بالدولة من خارج الفقه، وليس تفكيرا بالدولة من داخل الفقه، بمعنى أن الاطلاع على الآراء والمحاججات والمفاهيم المبثوثة في تلك الكتابات تحيل إلى أن الدولة مفهوم بشري عقلائي عرفي أو قل وضعي، شريطة الاّ يتنافى مع الشريعة فيما هو منصوص عليه، بمعنى أن المرتكز في الذهنية الفقهية هو التمييز بين القضايا الدينية الشرعية، والقضايا السياسية، وهي من الأمور العرفية العقلائية، خارج مجال الفقه وإطاره. حتى إن أبرز نص سياسي ظهر في النجف مطلع القرن العشرين في عصر المشروطة، وهو "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" للميرزا محمد حسين النائيني، تخطى المقاربة الفقهية الخاصة، وتوكأ على استدلالات عقلائية وعرفية واجتماعية وسياسية، بل ان الفقهاء الذين أحالوا اليها في كتاباتهم، لا يتعاطون معها كنص فقهي، بمن فيهم تلامذته، وممن ألفوا في ولاية الفقيه والفقه السياسي في فترة لاحقة.

ويشير محمد إسماعيل المحلاتي المعاصر للنائيني إلى أن حكم الفقيه لم يكن مطروحا للنقاش، فلم يسأل أحد عن ذلك، ولم يتحدث فقيه عنه، ما كان موردا للسؤال هو الاستبداد، ومشروعية تحديد السلطة وتقييدها بدستور يحد منها، ويعطي الشعب حقا في الرقابة عليها.([30])

وينفي الشيخ محمد حسين الغروي الاصفهاني (ت 1361هـ)، وهو من أبرز الفقهاء والأصوليين والحكماء في الحوزة العلمية في النجف في النصف الأول من القرن العشرين، ان تمنح درجة الاجتهاد والتفقه في الشريعة تأهيلا خاصا للقيادة والرئاسة وتنظيم البلاد وإدارتها، ذلك أن (الفقيه بما هو فقيه، أهل النظر في مرحلة الاستنباط، دون الأمور المتعلقة بتنظيم البلاد، وحفظ الثغور وتدبير شؤون الدفاع والجهاد، وأمثال ذلك، فلا معنى لإيكال هذه الأمور للفقيه بما هو فقيه، وإنما فوض أمرها إلى الإمام عليه السلام، لأنه عندنا أعلم الناس بجميع السياسات والأحكام، فلا يقاس بغيره ممن ليس كذلك).([31])

 

المرحلة الثانية: التفكير بالدولة داخل المدونة الفقهية في مدرسة النجف:

في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الشيخ محمد مهدي الخالصي والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد الشهيد محمد باقر الصدر، ينتقل التفكير بالدولة إلى المدونة الفقهية، ولا يقتصر التبرير الفقهي على مشروعية تدوين الدستور، وإنما يتمدد ويتسع، بنحو لا تكتسب معه الدولة مشروعيتها إلاّ إذا أصبحت دولة إسلامية بشكلها ومضمونها، بمعنى ان نظام الحكم والإدارة فيها ينبغي أن يكون منبثقا من الميراث الفقهي، وهكذا يكون نمط النظام الاقتصادي، وتداول الثروة، والنظام المصرفي، والنقدي، والتربوي، وكافة ما يتصل ببناء الدولة وترسيخها، من نظم وتشريعات وقوانين، ومؤسسات ومجالات متنوعة، ينبغي أن تستلهم الأحكام الشرعية التي تغتني بها المصنفات الفقهية، ويستنبط ما يستجد منها في إطار الأصول والأدلة والمدارك المقررة في الإستدلال الفقهي. فظهرت طائفة من الكتابات تعالج هذه القضايا، وتتحدث عناوينها عن: نظام الحكم والإدارة في الإسلام، واقتصادنا، ونظام العمل وحقوق العامل في الإسلام، والنظام المالي وتداول الثروة في الإسلام، والبنك اللاربوي في الإسلام،...الخ.

ومما مهد الأرضية لهذا التفكير، طغيان المقولات والشعارات اليسارية الداعية للإقلاع عن الماضي، وتجاوز الموروث، وإعادة النظر في الهوية السكونية الثابتة، والحرص على تخطي الثقافة الدينية، والانفتاح على العصر،واستعارة الحداثة ومعطياتها كما هي، من دون الاهتمام بالحساسيات الاعتقادية والأخلاقية والقيمية والعاطفية والنفسية الراسخة في المجتمع.

في مقاومة ذلك تفجر مخزون عميق لرموز الهوية ومكوناتها، وسعى بعض فقهاء مدرسة النجف للاحتماء بالموروث، واستدعاء الذاكرة، والحرص على اكتشاف صيغة بديلة لتنظيم الدولة وتسيير الحياة وإدارة المجتمع، تستلهم الثروة الفقهية الواسعة والمتنوعة، وتسعى لإعادة بناء مكوناتها، وإغنائها برؤى تواكب العصر وتستجيب لرهاناته.

مضافا إلى تشبع الفضاء الإسلامي في الخمسينيات من القرن العشرين بمفاهيم وآراء وشعارات الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية في باكستان، وحزب التحرير، وشيوع أدبيات هذه الحركات، وتداول مؤلفات أبي الأعلى المودودي، وسيد قطب، وتقي الدين النبهاني، المشبعة بأفكار ورؤى تتمحور حول (الحاكمية الإلهية، والدولة الإسلامية، والحكومة الإسلامية، والنظم الإسلامية،...) وتحكم على المجتمعات المعاصرة بالجاهلية، بما فيها المجتمعات الإسلامية، وتحاول أن تستعين بكل ما يعزز أفكارها وشعاراتها من أحكام مبثوثة في مصنفات الفقهاء، وتشدد على أن الدولة الإسلامية فريضة شرعية، وضرورة مجتمعية، وهي الخيار والحل الوحيد المتاح للمسلمين للخروج من نفق التخلف، وان كافة الحلول المستوردة تجني على امتنا، ومن أجل أسلمة المجتمع لا سبيل لنا سوى أسلمة الدولة، ونظمها السياسية والادارية والاقتصادية والمالية والمصرفية والتربوية وغير ذلك.

مربع نص: كذلك لا  يعترف بالتعددية السياسية، ويهجو مهمة الأحزاب السياسية، ويرى انها تمزق المجتمع وتقوده إلى التشتت والفرقةكان الشيخ محمد الخالصي من أوائل الفقهاء الذين كتبوا عن "الحكومة في الإسلام" في مؤلف له يحمل هذا العنوان، وحاول صياغة تكييف فقهي لنمط حكومة تكون الأولوية فيها للفقيه، حسب تعبيره، في كتابه: "الإسلام سبيل السعادة والسلام" الذي فرغ من تأليفه عام 1372 هـ، كما ورد في نهاية الكتاب، فذكر في الباب الحادي عشر، الذي عقده تحت عنوان (في الولاية والقضاء) في القسم الأول من هذا الباب، والذي خصصه للولاية، وتحديداً في الفصل الثاني منه (الولي في زمن الغيبة)، إلى أولوية الفقيه (ولم يقل ولاية الفقيه) في إدارة شؤون الحكم، فإن تعذر له ذلك قام به غيره من عدول المؤمنين.حيث كتب: «وإنما صار الأعلم بأحكام الإسلام أولى بالحكم، لأن أحكامه هي الصالحة لإدارة البشر لا غير، وما سواها حيفٌ وجورٌ وشقاءٌ على البشرية، وقد أثبتت الأحكام الوضعية في هذا الزمان عجزها عن الإدارة وإقامة العدل وإفشاء المعروف، ولا يَصلح الناس ولا يربحون ما لم يطبقوا أحكام الإسلام... إذا لم يتمكن المجتهد ((الجامع للشرائط)) من الحكم العام، والقيام بأمر الأمة، صارت الولاية من الأمور الحسبية التي تجب على عدول المؤمنين، فإن لم يكونوا فعلى كل من قام بها، وإن كان فاسقاً ويجب تأييده وتحرم مخالفته، فيما لم يستلزم ظلماً أو خياناً أو إذعاناً لسلطان ملحد أو مشرك؛ لان حفظ النظام العام الذي هو من أهم الامور الحسبية متوقف على الولاية العامة».([32]) وهنا يستخدم الخالصي مصطلح الأحكام الوضعية في مقابل الأحكام الشرعية التي يشتمل عليها الفقه، فكل تشريع أو قانون أو حكم غير فقهي عاجز عن إدارة المجتمع وتنظيم الحياة، وهو منحى في التفكير بالدولة يرفض كما يبدو أية مقاربة لمفهوم الدولة ونظمها ومؤسساتها خارج المدونة الفقهية. وفي أدبيات الإسلاميين يحيل مصطلح (التشريع الوضعي) إلى التشريعات والقوانين والنظم التي وضعها الإنسان، بتوظيف عقله وجميع ما راكمته الخبرة البشرية، فيما يحيل مصطلح (التشريع الإلهي) إلى ما هو مستقى من الفقه فقط.

في سنة 1954كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين (نظام الحكم والإدارة في الإسلام(، وصدر في بيروت 1955، يتمحور الكتاب حول التدليل على ان الإسلام دين ودولة، وان الحكومة جزء من التشريع الإسلامي، وهي إنما تتحقق بالنص وليس بانتخاب أو اختيار البشر، فيقول: (نـحن في الإسلام نملك نظاما للحكم والأدارة هو نظام محكم في ظل سلطة دينية وزمنية معا). وفي هذا الكتاب يصرح بنفي المشروعية عن الديمقراطية، في سياق رفضه لما أسماه بعض الكتاب بـ(الديمقراطية الإسلامية)، فيكتب: «...فلا مشروعية للأسلوب الديمقراطي في اختيار الحاكم وشرعيته»، كذلك لا  يعترف بالتعددية السياسية، ويهجو مهمة الأحزاب السياسية، ويرى انها تمزق المجتمع وتقوده إلى التشتت والفرقة، ويعتبر ذلك مرفوضا دينيا وإسلاميا، فالأحزاب «توغر الصدور، وتحول دون ان تكون الأمة على معنى واحد، فالمطلوب الاعتصام بحبل الله، لا التفرق».

واستمر موقف شمس الدين هذا في المناداة بحكومة إسلامية، وتطبيق الشريعة، ومناهضة التعددية السياسية، ربما لثلاثة عقود، كما سنشير لاحقا. وحاولنا استكشاف مدى توظيفه للمصطلح الفقهي السياسي في مؤلفه الأول "نظام الحكم والإدارة في الإسلام"، من خلال استقراء الكتاب في طبعته الثانية، الصادرة عن المؤسسة الدولية للدراسات والنشر والمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، في بيروت، سنة1411هـ / 1991م. فعثرنا في هذه الطبعة على مقدمتين للكتاب، الثانية منهما كتبت عام 1990، تبدأ من الصفحة (11) وتنتهي في الصفحة (15). كما أن الكتاب أضيف إليه بحثان: الأول جديد، والثاني كتب في عام 1954 ، ولكن لم ينشر مع الكتاب في طبعته الأولى. أما البحث الأول (كُتب عام 1990)، فيقع ما بين الصفحتين (319-420). وإنما أشير إلى هذه الملاحظة من أجل الدقة في تأرَّخة ظهور هذه الاصطلاحات. ثم إن ما يرد بعد أرقام الصفحات بين قوسين إنما يشير إلى عدد المرات التي تكرر فيها هذا الاصطلاح داخل تلك الصفحة.

 

دولة إسلامية: ص: 46- 135(3)، 229(2)، 231- 235(2)، 236- 240 - 241- 244 -252(2)، 263 ـ 281 ـ 390 ـ 391(3)، 392(3)، 393(2)، 395 ـ 396(3)، 397 -407(2)، 408(2)، 411(4)، 412(3)، 413(3)، 414(2)، 415(2)، 416 ـ 417 ـ 418 ـ 419 - 425(2)، 450 - 451(2)، 455 - 467(2)، 469 ـ 470 ـ 471 ـ 475 ـ 477 ـ 478 ـ 479 -480 ـ 486 ـ 488 - 490(2)، 492(3)، 493(3)، 494 ـ 495 ـ 499 - 502(3)، 503(3)، 504(2)، 511 ـ 528 ـ 536 - 539(6)، 542 - 544(2)، 545(3)، 555(2)، 567 ـ 577 -584.

حكومة إسلامية: ص 35(2) -37 ـ 40(3) ـ 41 ـ 42(2) ـ 138 ـ 217 ـ 227 ـ 249 ـ 252 ـ 261 ـ 263(3) ـ 264(2) ـ 280 ـ 285 ـ 305 ـ 307 ـ 391 ـ 393 ـ 407 ـ 411 ـ 417 ـ 418 ـ 447(2) ـ 451 ـ 455 ـ 460 ـ 468 ـ 477 ـ 480 ـ 492 ـ 499(2) ـ 501(3) ـ 505 ـ 511 ـ 547.

حكم إسلامي: ص 41 ـ 47 ـ 50(2) ـ 51 ـ 76 ـ 390 ـ 391 ـ 402 ـ 407 ـ 408.

حكومة إلهية: ص 263(2) ـ 281.

دولة إلهية: ص 204 ـ 280.

مربع نص: ورأى مغنية أن ينتخب رئيس الدولة الإسلامية بواسطة الشعب، ما دامت المصلحة العامة في انتخاب كهذا، وانه لا عصيان فيه لأوامر الله ونواهيهحكومة نبوية: ص 35 ـ 305.

سلطة دينية: ص 40(2) ـ 455.

دولة سلطانية: ص 402.

حكومة دينية: ص 41.

 

يؤشر الحضور المكثف للغة الفقه السياسي وشيوع استخدام مصطلحاته إلى تشبع المجال التداولي في النجف بالمفاهيم السياسية، وتغلغل فكرة الدولة في فضاء التفكير الفقهي وقتئذ، لدى شمس الدين وزملائه، في حلقات الدرس الشرعي في الحوزة العلمية في النجف. وبوسع الدارسين استخلاص عدة معطيات تضيء لنا منطق التفكير السائد في النجف، لو سعوا للحفر والتنقيب في نشأة وتطور استخدام المفردات السياسية في المدونة الفقهية النجفية.

في عام 1959 كتب السيد الشهيد محمد باقر الصدر نصا محدود التداول، أتاحه لأعضاء حزب الدعوة الإسلامية، بمثابة أصول ومصادر إلهام للدستور الإسلامي، يتضمن تسعة أسس، يتحدث في الأول منها عن المعنى اللغوي والإصطلاحي لـ(الإسلام) ، والثاني عن أقسام (المسلم)، والثالث عن مفهوم (الوطن الإسلامي)، والرابع عن أنواع (الدولة الإسلامية)، والخامس عن ماهيتها وحقيقتها، وكون (الدولة الإسلامية دولة فكرية)، والسادس عن (شكل الحكم في الإسلام)، والسابع حول (تطبيق الشكل الشوري للحكم في ظروف الأمة الحاضرة)، والثامن حول (الفرق بين أحكام الشريعة والتعاليم)، والتاسع هو توضيح ان (مهمة بيان أحكام الشريعة وتعيين القضاة ليستا من مهام الحكم). وهذا النص بالرغم من أنه لا يتجاوز خمس عشرة صفحة، غير انه وثيقة بالغة الأهمية، لتعبيره الصريح عن البناء العضوي لمفاهيم الدولة الإسلامية، والتشديد على الصلة العضوية بين هذه المفاهيم والكتاب والسنة والموروث الفقهي، ولعلها أول محاولة مكثفة للبحث عن مناشئ دينية لمشروع الدولة ومؤسساتها، وتوطينها في الفقه الجعفري، ولا يتطلب التدليل على ذلك سوى مراجعة تلك الأسس، وملاحظة الحضور الدلالي الغزير لمصطلحات (الدولة الإسلامية،الحكومة الإسلامية،الوطن الإسلامي)، فقد تكررت 12 مرة في صفحة واحدة، ضمت الأساس الثالث([33]).

واهتم الصدر بصياغة رؤية نظرية فقهية، حيال الاقتصاد في الجزء الثاني من كتابه الذائع الصيت (اقتصادنا) الصادر سنتي 1959-1960 في النجف، كما حاول أن يبلور موقفا فقهيا نظريا تجاه المعاملات المالية والنظام المصرفي وإيداع النقود وتداولها، في كتابه (البنك اللاربوي في الإسلام) الصادر مطلع السبعينيات من القرن الماضي، مضافا إلى اهتمامه بالنظرية السياسية في الإسلام، والأطر الدستورية الفقهية للدولة الإسلامية، في سلسلة تتكون من ستة كتيبات، صدرت عام 1979 مقارنة لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، عالج فيها المرتكزات الفقهية لدستور الدولة الإسلامية، وتناول من منظور قرآني فقهي شكل الحكومة الإسلامية، في «لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية، وخلافة الإنسان وشهادة الأنبياء». هنا عالج المشروعية السياسية، باستدعاء نظريته الأولى في (الأسس)، التي تستند إلى الشورى، ونظريته اللاحقة، التي أشار إليها في سنة 1974-1975 في تعليقته على كتاب (منهاج الصالحين) قسم العبادات، ذيل المسألة 25، وفي رسالته العملية (الفتاوى الواضحة)، التي تقول بولاية الفقيه التعيينية. فقد عمل على تركيب وإعادة تكوين نظريتيه المشار إليهما، فجمع بين مبدأ الخلافة الإلهية للإنسان، ومبدأ إشراف مراجع الفقهاء الصالحين في نصه اللاحق (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء).

بقي الصدر وفيا لمنهجه في التفكير بمشروع الدولة، وأنظمتها، ومجالات عملها، وحقولها، ومهامها ووظائفها، في فضاء الفقه ومداراته، ورأى الدولة باعتبارها (ظاهرة نبوية) حسب تعبيره، من دون أن يبرهن على ذلك من مسيرة النبوات، أو وقائع الحضارات والدول القديمة، بيد انه حرص على استجلاء المدلول الاجتماعي للنصوص، وإضاءة الطريق نـحو فهم مقاصدي، لا يكف عن التفتيش عن روح الشريعة وأهدافها وقيمها العليا، كذلك سعى للارتقاء بالبحث الفقهي إلى فقه النظرية، وحاول أن يستبطن الحالة النفسية للفقيه، ويكشف عن أثر القبليات والخلفيات والمسبقات في الاستنباط الفقهي([34]).

 

المرحلة الثالثة: التفكير بالدولة خارج المدونة الفقهية في مدرسة النجف:

كان الشيخ محمد جواد مغنية، أحد الفقهاء الذين تخرجوا في النجف، وعرفوا بغزارة الإنتاج الفكري، قد أصدر أيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كتابا عرض فيه تصوراته الفقهية بشأن الدولة الإسلامية، أوضح فيه: أن مهمات الدولة لا تنحصر في الأحكام الدينية، ولا نص في كثير من القوانين الاجتماعية، مما يدل على تفويضها للعرف والعقلاء. وفي هذا المجال يمكن الاستفادة من التجارب الإنسانية، ما دامت لا تحلل حراما، ولا تحرم حلالا. ورأى مغنية أن ينتخب رئيس الدولة الإسلامية بواسطة الشعب، ما دامت المصلحة العامة في انتخاب كهذا، وانه لا عصيان فيه لأوامر الله ونواهيه. أن الإسلام يؤيد حرية الناس، ونـحن لا نعرف طريقا سوى الرجوع إلى آراء الناس. ([35])

ومنذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي صدرت آراء شفاهية وتصريحات للشيخ محمد مهدي شمس الدين تؤشر إلى انه أضحى يفكر بدولة خارج المدونة الفقهية، لكن تجلى بوضوح التحول لديه والإقلاع عن موقفه السابق في كتابه ( نظام الحكم والإدارة في الإسلام ) بعد صدور الطبعة الثانية الموسعة المنقحة من هذا الكتاب عام 1990، اذ استبعد ما لا ينسجم مع تفكيره الجديد، وعززه بمباحث كشف فيها عن موقف آخر، يختلف مع رؤيته السابقة، وأشار بوضوح إلى عدم توفر دليل في الإسلام يحدد شكل نظام الحكم، فصرح: (.. ليس في جميع ما استدل به الشيعة ما يتضمن تحديدا لنظام الحكم بعد النبي محمد (ص) وانما تُعيّن النصوص "الإمام/الخليفة" بعد النبي).([36])

 في العقدين الأخيرين لمدرسة النجف تمثل كتابات شمس الدين في الفكر السياسي رؤية اجتهادية مواكبة للحياة، ومتطلبات الاجتماع السياسي الإسلامي الشديدة الإلتباس والتعقيد والتنوع، وتخلص رؤيته إلى ابتكار مفهوم سياسي يحاكي الديمقراطية وينسج على نموذجها في الحكم، فيستوعب ما يتصل بالإرادة الشعبية والانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وما ينطوي عليه النظام الديمقراطي من حقوق وحريات، ويسمي شمس الدين ذلك ب "ولاية الأمة على نفسها". ولكي لا يبتعد عن مناخات التفكير الإسلامي، يستعير مفهوم الشورى، ويحاول مطابقته مع ولاية الأمة على نفسها، كما يحيل ما فهمه إلى مرجعياته في الكتاب والسنة، ويحصر مصدر مشروعية السلطة بالمجتمع، فالمشروعية شعبية، لا يخلعها أحد على السلطة سوى إرادة الناخبين، مهما كانت مكانته الدينية ورتبته الفقهية ومقامه العلمي، يكتب لبيان رأيه: «أما نظرية الشورى في رأينا الفقهي "مبدأ ولاية الأمة على نفسها فلا دور فيها للفقيه، "بمعنى انه يحكم، وانه مصدر للشرعية". ودور الفقيه فيها هو دور المستشار والمفتي. إنه يتمتع بموقع تشريعي، وليس مصدر الشرعية.ومصدر الشرعية بالنسبة للسلطة، وبالنسبة إلى شرعية القوانين في دائرة التنظيم هو للأمة، التي تمارس السلطة والتشريع خارج الحقل الذي تحكمه أحكام الشريعة، بواسطة وكلائها وممثليها، وأما في الحقل الذي تشغله أحكام الشريعة، والذي يحتاج إلى تشريع فقهي إسلامي، فهذا الأمر هو من شأن مجامع الفقهاء، فالفقهاء في نظريتنا لهم دور تشريعي وتقنيني، وليس لهم دور سلطوي، وليسوا مصدرا للشرعية ... إن نظريتنا الفقهية السياسية تقوم على نظرية "ولاية الأمة على نفسها»([37]).

وتجلت بمرور الأيام مفاهيم شمس الدين، وأضحى يتحدث عن الديمقراطية، باعتبارها الخيار الوحيد للمجتمعات الإسلامية، ولم يعد هناك ما هو ديني أو مقدس في الدولة، بمعنى انه يقدم تفسيرا مغايرا لمفهوم الدولة، لا يرتبط بالسماء، وبالتالي تنتقل مشروعية السلطة في نظره، من السماء إلى الأرض، فهو يعتقد «في الإسلام مشروع الدولة كله مشروع غير مقدس، ليس لأنه مشروع مرفوض, ولكنه مشروع ناشئ من طبيعة الوظائف التي تقوم بها الدولة, وهي ليست مقدسة في ذاتها في الفكر وفي الفقه الإسلاميين. وانما المطلق والمقدس والأساس من وضع له الشرع والشريعة, أي الأمة والدولة بالشأن التنظيمي العام للمجتمع. الأمة هي مقدس بالمعنى الذي ذكرناه, والدولة هي مؤسسة ذات وظيفة من مؤسسات الأمة».([38]) هنا عمل شمس الدين على ترحيل مفهوم الدولة من حقل الفقه، وأخرجها مما هو ديني، وخلع عليها تفسيرا يحيلها إلى مكوناتها البشرية، ووظائفها الدنيوية غير المقدسة، وكأنه يسير عكس ما بدأ به في الخمسينيات، عندما ساهم بتوطين مشروع الدولة داخل الفقه. وتصاعدت مواقفه بالتدريج، وذهبت آراؤه إلى مديات لا ترتبط بالتفكير داخل المدونة الفقهية بالدولة، عندما افضى موقفه إلى إمكانية تولي المواطن غير المسلم من مواطني المجتمع الإسلامي السلطة، ومناصب الدولة السياسية والإدارية.([39])

 وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وسقوط نظام صدام حسين عاد للنجف من جديد ألقها، وأصبحت محجة للسياسيين، وحرص رجال الحكم على التواصل مع المرجع السيد علي السيستاني، وحسم آرائهم في القضايا البالغة الأهمية، بالاعتماد على ما يقوله هو أو يحرره مكتبه، مثل تدوين الدستور، فقد قررت سلطات الاحتلال تشكيل مجلس لصياغة الدستور، وتعيين أعضاء هذا المجلس، بالتشاور مع الجهات السياسية في العراق، ثم طرح الدستور بعد صياغته لاستفتاء شعبي، لكن السيستاني رفض ذلك، وشدد على «ان تلك السلطات لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور...فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه، ولابد أولا من إجراء انتخابات عامة، لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخاب من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور، الذي يقره هذا المجلس..» ([40]).

ويكشف السيد السيستاني عن ان مرتكزات وأسس ومنطلقات النظام السياسي الجديد للعراق تقوم على «ميدأ الشورى والتعددية والتداول السلمي للسلطة، في جنب مبدأ العدالة والمساواة بين أبناء البلد في الحقوق والواجبات، وحيث أن أغلبية الشعب العراقي من المسلمين فمن المؤكد أنهم سيختارون نظاما يحترم ثوابت الشريعة الإسلامية، مع حماية حقوق الأقليات الدينية»([41]). وتكرر في نصوص متعددة تشديده على ضرورة الانتخابات، ورفضه لأية محاولة تسعى لبناء صيغة لنظام الحكم بعيدا عن إرادة واختيار الشعب العراقي، وعبر عن ذلك بوضوح قائلا: «شكل العراق الجديد يحدده الشعب العراقي، بجميع قومياته ومذاهبه، وآلية ذلك هي الانتخابات الحرة المباشرة»([42]).

وبعد مراجعة شاملة للفتاوى والبيانات والمقابلات المدونة الصادرة عن مكتب السيد السيستاني، فيما يرتبط بالشأن العراقي الراهن، لاحظت أن مشروعية السلطة في نظره تستند إلى الشعب، وما يقرره من رأي عبر صناديق الاقتراع، أي أن المشروعية حسبما يرى شعبية. وانه لا يفكر بحكومة دينية، ويتحدث بوضوح لا لبس فيه عن ذلك قائلا: (وأما تشكيل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه المطلقة فليس وأرادا مطلقا) ([43]). وفي معرض بيانه لمهمة رجال الدين في هذا العصر، يذهب إلى انه «لا يصح ان يزج برجال الدين في الجوانب الإدارية والتنفيذية، بل ينبغي ان يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد والإشراف على اللجان التي تتشكل لإدارة أمور المدينة وتوفير الأمن والخدمات العامة للأهالي»([44]). 

منذ ثلاثة عقود بدأ التفكير بالدولة في مدرسة النجف يغادر المدونة الفقهية بالتدريج، حتى اني لم أعثر في العقد الأخير على أية كتابات، دونها المراجع والفقهاء في الحوزة العلمية في النجف، ترسم اطارا فقهيا للسلطة والحكم والدولة ومؤسساتها، يتواصل مع الرؤية الفقهية النظرية للشهيد محمد باقر الصدر، ومحاولاته الجادة، التي بدأت ب"اقتصادنا" واستمرت حتى الفترة الأخيرة من حياته في سلسلة "الإسلام يقود الحياة" ، من أجل توطين مفهوم الدولة ونظمها السياسية والاقتصادية والمالية والمصرفية داخل المدونة الفقهية.

هكذا عبر مفهوم الدولة ونظمها ثلاث محطات في النجف، تقلب فيها من خارج المدونة الفقهية إلى داخلها ثم خارجها. ويبدو ان جهود الصدر وسواه من فقهاء مدرسة النجف، الذين عملوا على ترسيخ التفكير الفقهي بالدولة، منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين وتواصلها ثلاثة عقود، لم يكتب لها التغلب على نزعة التفكير بالدولة خارج الفقه في الحوزة العلمية، فعاد التفكير بالدولة مفارقا للفقه، يجول في مداراته الموروثة، ولم تفلح تلك الجهود في انتزاعه من بنيته الراسخة العميقة في الوعي والوجدان الشيعي في عصر الغبية. 

أود التذكير في الختام إلى ان هذه الورقة لا تتضمن سوى إشارات محدودة وليست مستوعبة، تمحورت حول تحقيب نمط التفكير بالدولة وحقولها ونظمها في مدرسة النجف، في ثلاث مراحل، من دون استقراء شامل للمدونة النجفية الفقهية الواسعة في القرن الأخير، وانما اقتصرت على تقديم أبرز النماذج السائدة في كل مرحلة، بشأن مقاربة مفهوم الدولة وما يرتبط بها، بحدود ما تسمح به الورقة.

كما لا نعني بسيادة نمط من التفكير بالدولة في مرحلة زمنية معينة في مدرسة النجف إجماع الفقهاء والباحثين والدارسين في الحوزة العلمية على قول واحد، ذلك ان الاجتهاد بطبيعته يفضي إلى تنوع الآراء وتعدد النظر الفقهي في الموضوع الواحد، تبعا لتنوع أدلة الاستنباط الفقهي، والاختلاف في فهم هذه الأدلة، غير ان التحقيب الذي نقترحه للتفكير بالدولة، يؤشر على الإتجاه الغالب في كل مرحلة، لدى بعض الفقهاء، ممن يتعاطون البحث في قضايا الدين والدولة، وماله صلة بالفكر والفقه السياسي في الإسلام. ولم نتحدث عن الذين لا يتداولون تلك الموضوعات، وممن يصنفونها خارج مديات التفكير الفقهي في عصر الغيبة، ولا يتعاطون بحثها أو إبداء وجهات نظر مستدلة حيالها نفيا أو إثباتا، وهم جماعة من أبرز الفقهاء، لاقتصار الحديث على الصنف الأول.


الهوامش



([1]) ابن كثير. البداية والنهاية. مج 4: ج8: ص 226.

([2]) نشر هذه الرسالة: محمد خان. ليدن: أبريل، 1964، ص38.

([3]) بحار الانوار 75: 352.

([4]) غرر الحكم ودرر الكلم 350.

([5]) غرر الحكم و درر الكلم 315.

([6]) الاعراف 29.

([7]) بررسي اجمالي مباني اقتصاد اسلامي 14.

([8]) احمد امين. ضحى الإسلام. ج 2: ص 35.

([9]) المحقق الكركي، الشيخ علي بن الحسين. رسالة صلاة الجمعة. في: رسائل المحقق الكركي. تحقيق: الشيخ محمد الحسون. قم: مكتبة السيد المرعشي، 1409هـ، 1: 142ـــ 143.

([10]) المحقق الكركي. جامع المقاصد. تحقيق: مؤسسة آل البيت، 1411هـ ، 11: 266ــ 267.

([11]) صدرت الرسائل الأربع في قم عن مركز النشر التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية.

([12]) السيف، توفيق. نظرية السلطة في الفقه الشيعي. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2002، ص 150-151.

([13]) النراقي، الشيخ أحمد. عوائد الأيام. قم: مكتبة بصيرتي، ص185ـــ 206.

([14]) كديور، محسن. سياست نامه خراساني. طهران: انتشارات كوير، طا، 1385ش، ص63.

([15]) المصدر نفسه. ص60- 63.

([16]) الشريف المرتضى، علي بن الحسين. الشافي في الامامة. تحيق: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب. طهران: 1410هـ، ج1: ص112.

([17]) السيف، توفيق. ضد الاستبداد: الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1999م، ص46-51.

([18]) فتواي تحريم تنباكو وبيآمدهاي آن. مجلة حوزه :ع50(خرداد 1371ش).

([19]) حائري، مهدي. تشيع ومشروطيت. طهران: امير كبير، 1363ش، ص104ـــ105. والسيف، توفيق. مصدر سابق، ص26-27.

([20]) الحصري، ساطع. الدولة العثمانية والبلاد العربية. بيروت: دار العلم للملايين، 1960م، ص97ـ 98. والخيون، رشيد. المشروطة والمستبدة. بيروت: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006م، ص132- 135.

([21]) الوردي، علي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. بغداد: مطبعة الرشاد، ج3: ص18، والخيون. المصدر السابق. ص134.

([22]) تقدر بعض التخمينات عدد طلاب العلوم الدينية قبل الاحتلال الانجليزي للعراق بعشرة آلاف طالبا من مختلف الجنسيات. واذا ماقارنا هذا الرقم بعدد سكان النجف وقتئذ، ومتطلبات العيش المتاحة فيها، والامكانات المادية للمرجعية ونفقاتها على التلامذة، نجد ان هذا الرقم لايخلو من مبالغة، لاسيما لو قارناه بعدد سكان العراق وسكان النجف عندئذ، وكذلك لو قسناه بمجموع الطلاب في شهر ديسمبر 1957، البالغ 1954، حسبما ورد في دراسة الدكتور فاضل الجمالي، ترجمة:د. جودت القزويني، والمنشورة في مجلة الموسم: ع18(1994) بعنوان:(( جامعة النجف الدينية)).

([23]) همايون، د. ناصر تكميل(اعداد). مشروطه خواهي ايرانيان. طهران: مركز بازشناسي اسلام وايران، 1383ـــ 2004، ص19-20. عن: سيد جمال الدين اصفهاني، ش35(26 ربيع الثاني 1326هـ).

([24]) د. جمشيد بهنام. إيرانيان وانديشه تجدد. طهران: فرزان، 1375/1996، ص77.

([25]) زركري نجاد، غلام حسين. رسائل مشروطيت. طهران: كوير، 1374ــ 1995، ص15.

([26]) المصدر السابق.

([27]) النص منقول من ترجمة مشتاق الحلو لرسالة النوري، وستصدر ترجمة ((تذكر ة العاقل وإرشاد الجاهل)) مرفقة بترجمة مشتاق الحلو لـ (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد.

([28]) حائري، د. عبد الهادي. تشيع ومشروطيت در إيران ونقش إيرانيان مقيم عراق. طهران: امير كبير، 1364ــ 1985، ص252.

([29]) الرفاعي، عبد الجبار. الميراث الرمزي للنجف عابر للزمان والمكان. مداخلة في اللقاء العلمي الفرنسي العراقي: بيروت:8/12/2009ــ 12/12/2009.

([30]) المحلاتي، محمد اسماعيل.اللئالي المربوطة في وجوب المشروطة. في: زركرى نجاد. رسائل مشروطيت، ص525. ــ

([31]) الاصفهاني ، محمد حسين. حاشية المكاسب . ج 1: ص 215.ـــ

([32]) الخالصي، محمد. الإسلام سبيل السعادة والسلام. ص246-247.

([33]) الملاط، شبلي. مصدر سابق. ص33- 48.

([34]) الملاط، شبلي. تجديد الفقه الإسلامي: محمد باقر الصدر بين النجف وشيعة العالم. بيروت: دار النهار للنشر، 1998م، ص45.

([35]) مغنية، محمد جواد. الخميني والدولة الإسلامية.بيروت : دار العلم للملايين، 1979، ص65-68.

([36]) شمس الدين. محمد مهدي. نظام الحكم والادارة في الإسلام. بيروت: ط2، ص208ـــ209.

([37]) شمس الدين. محمد مهدي. الإجتماع السياسي الإسلامي. بيروت: 1999، ص351.

([38]) شمس الدين، محمد مهدي. الامة والدولة والحركة الإسلامية. بيروت: 1994م، ص22.

([39]) شمس الدين، محمد مهدي. مجلة المنهاج (بيروت) س5: ع18 (صيف 2001)، ص79.

([40]) الخفاف، حامد. النصوص الصادرة عن سماحة السيد السستاني في المسألة العراقية.بيروت: دار المؤرخ العربي، 2007 ، ص222.

([41]) الخفاف، حامد. المصدر السابق ، ص98.

([42]) الخفاف، حامد. المصدر السابق ، ص192.وص 10، 18، 26، 53، 72، 85،96 ، 127، 144، 201.

([43]) الخفاف، حامد. المصدر السابق ، ص229- 230.

([44]) الخفاف، حامد. المصدر السابق ، ص307- 310.

العودة الى صفحة تفاصيل الخبر