فقيه الولاية

2011-09-26

فقيه الولاية


فقيه الولاية

حوار مع الأستاذ الدكتور متعب مناف

 

 

 

 

 
 

بين كون الحوزة العلمية في النجف الأشرف مؤسسة دينية (علمية/ تعليمية) معنية بالافتاء ونشر الدين الإسلامي، وبين كونها مؤسسة معنية بشؤون الطائفة الشيعية وراعية لها، تبلورت ملامح حراكها السياسي والاجتماعي والاقتصادي ما قبل سنة 2003، ثم اتضح لطبيعة المساحة التي تشتغل عليها هذه المؤسسة بُعْدا آخر بعد سنة 2003؛ إذ انخرطت ـ وسواء أكانت مختارة أو مضطرة ـ في التأثير المباشر بعملية بناء الدولة، من خلال الدعوة للانتخابات والتدخل بكتابة الدستور أو حتى من خلال الدخول للانتخابات بقائمة تشرف على اختيار أعضائها وتدعو لانتخابهم بشكل غير مباشر.

إذن فمع أن الحوزة الدينية في النجف الأشرف معنية بالإسلام كله، لكنها مضطرَّة للنظر لهذا الإسلام من زاوية مذهبية محدَّدة، وهي من جهة أخرى مؤسَّسة عراقية تفعل داخل المجتمع العراقي وتنفعل به. فكيف تؤثر هذه التركيبة الخاصة لهذه المؤسسة في البناء السياسي/ الاجتماعي لعراق ما بعد 2003؟ وهل هناك أهداف محددة تسعى مؤسسة الحوزة للوصول إليها أو إيصال المجتمع العراقي لتحقيقها؟

تسعى مدارك من خلال فتح ملف الحوزة الدينية في النجف الأشرف في حوارها هذا مع الأستاذ الدكتور متعب مناف للوصول لفهم أكثر وضوحاً لطبيعة الدور الذي مارسته وتمارسه الحوزة في العراق (الحديث)، خاصة وأن الدكتور متعب مناف باحث أكاديمي مختص بعلم الاجتماع ومهتم بعلم الانثروبولوجيا.

سعدون: هذه الملامح التي تميز الحوزة العلمية في النجف الأشرف، كيف تراها دكتور أثرت وتؤثر على خياراتها وسلوكها خلال مرحلة ما بعد التغيير في العراق؟

د. متعب مناف: المجتمع العراقي ومنذ التغيير يحاول أن يدفع باتجاه الديمقراطية، بينما الدين ـ ممثلاً بالحوزة والأحزاب السياسية وبقية القوى الدينية ـ يحاول أن يطرح أو يدفع تجاه ما أسميه بالـ(دينوقراطية)، وهناك من قدم أطروحة في بريطانيا عن الدين والمجتمع في العراق، واعتبر أن مشكلة المجتمع العراقي تكمن بأنه يستطيع أن يصنع مجتمع ولا يستطيع أن يصنع دولة..

سعدون: هل تتفق معه دكتور، خاصَّة مع ملاحظة أننا في العراق لا نكمل بناء الدولة نهائياً، ودائماً نهدمها ونعود لنقطة الانطلاق؟

د. متعب مناف: نعم أنا اتفق معه.. ودعني أقرر حقيقة مهمة من شأنها أن تساعدنا على فهم المجتمعات الشرقية ومنها المجتمع العراقي. هذه الحقيقة تقسم الشرق الأوسط لثلاثة أقسام هي:

أولاً: الشرق البعيد، وهو شرق المعتقدات.

ثانياً: الشرق الأوسط، وهو شرق الديانات، وهو شرق أوسطنا.

ثالثاً: الشرق الأدنى، وهو ما أسميه بشرق الإرادات، تركيا وغيرها.

إذن لدينا ثلاثة صيغ شرقية مطروحة في التعامل، هناك شرق المعتقدات ولا توجد فيه ديانات حيث الموجود في هذا الشرق الكونفوشية والبوذية والتاوية. ومن خراسان يبدأ عندنا شرق الديانات (الأوسط) وأهم هذه الديانات (الإبراهيميات الثلاثة: اليهودية، المسيحية، الإسلام). ثم شرق الإرادات، وهو الشرق القريب من الغرب والذي نسميه بالشرق المغترب أو المغربن، ومن مفكريه الجابري واركون وبلقزيز. وفي العراق نقع ضمن الشرق المتديِّن..

سعدون: كيف تفرق بين الشرقين: المُعْتَقِد والمتدين؟

ج.: الفرق كبير، المتدين يؤمن بالرسالة والنبوة، أما المُعْتَقِد فلا يؤمن بهذه الأشياء، يؤمن بعمليات إصلاح اجتماعي. الشرق المُعْتَقِد يبحث عن مصلح أكثر مما يبحث عن مغيّر أو منقذ، نـحن الشرق الأوسط المتدين نؤمن بالمنقذ (المهدي المنتظر) ـ أو أي شخصية مخلصة ـ ونبحث عنه، وقبل أيام قرأت في جريدة البينة الجديدة كلاماً لقس مسيحي ـ على هامش ما يتعرض له المسيحيون من أحداث عنف ـ يقول فيه:

(المسيحيون في العراق مخيرون بين خيارين بين انتظار المخلص أو الهجرة).

إذن الفرد منا في الشرق المتدين ينتظر المخلص ويريد ـ وربما يسعى لـ ـ تعجيل (فرجه)، لكنه في قرارة ذاته لا يتمنى أن يأتي الآن، لأنه سيُعطِّل الكثير من مشاريعه الحياتية الخاصة التي هو بصدد بنائها!! من جهة، ومن جهة أخرى فأن المخلص يمثل السقف المثالي من تحقيق الحلم الديني الذي نطمح إليه ونقيس عليه ما يتحقق من تجارب تطبيق الدين، وكلما اخفقت تجارب تطبيق الدين سياسياً، قلنا سيأتي يوم يكون فيه التطبيق مثالياً، لكن ماذا سنفعل لو تحقق ظهور المخلص ولم يكن التطبيق مثالياً؟، واتذكر بهذا الصدد حكاية من الموروث تشير لهذا المضمون وتوضحه بعض من دلالاته، حيث يحكى أن يهودياً كان يمتلك بقرة، وكان يتركها في المرعى لوحدها ترعى العشب بعد أن يقول لها: اذهبي فقد سلمتك بذمة نبي الله موسى، وحدث أن أراد هذا اليهودي أن يسافر فأوصى ولده قبل سفره بان يرعى البقرة وأن يتركها دائماً بذمة موسى النبي. ولكن ما أن سافر الأب وخرج الابن بالبقرة للمرعى حتى قرر أن يتركها بذمة الله، اعتقاداً منه أن الرب اقدر على حماية البقرة من النبي، ولكن ضاعت البقرة من أول يوم، ولما عاد الأب وعلم بضياع البقرة سأل ابنه إن كان طبق نصيحته، فاعترف الابن بأنه أودع البقرة بذمة الله لا بذمة موسى، فعاتبه الأب وقال له، إنما كنت أتركها بذمة النبي لأنه يحرص عليها خوفاً من أن اشتكي عليه عند الله في حال أنها ضاعت، ولا اتركها عند الله لأنه لا يخاف من أحد فلا يحرص عليها، وها قد ضاعت كما توقعت. وهنا اليهودي لا يريد أن يضع السقف الأعلى من إيمانه تحت الاختبار، هو لا يختبر الرب، بل يختبر النبي فقط.

سعدون: إذن نـحن الشرق المتدين، وحتى نقترب في حوارنا من موضوع الحوزة والمجتمع، كيف نفهم أثر الدين في المجتمع وتأثيره في عملية بناء الدولة، خاصة إذا لاحظنا بأن الدين يفعل فعله في المجتمع وفي الدولة من خلال الحوزة الممثلة برجال الدين والعلماء وبقية الجهاز المؤسسي فيها.

أ. د. متعب مناف: لا ينسجم الدين مع الدولة، لماذا؟ لأن للدولة دينها الخاص بها، وقد جاء في القرآن: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك)([1]) إذن هناك دين للملك أي الدين القانوني ودين للناس وهو الدين العرفي، أو البدوي.. ولنتذكر قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع ما قلناه سابقاً من أننا نصنع مجتمعات ولا نصنع دولا، الدولة طارئة على المجتمعات في الشرق الأوسط، هذا الكلام ينسحب على معظم المجتمعات في الشرق الأوسط. في المجتمع نواحي عرفية ونستطيع من خلالها أن نتسامح على صعيد اجتماعي ولكن لا يمكن لنا أن نتسامح على صعيد سياسي، لأن السياسة آيديولوجية وفيها تسقيط وإسقاط وتهميش وعزل، لأنها تسعى إلى تكوين الجماعات والعصبيات.

سعدون: أين يؤثر الدين هنا في الاختيار بين عمليتي بناء الدولة أو بناء المجتمع؟

أ. د. متعب مناف: الدين أقرب للمجتمع وليس للدولة والدولة ـ كما قلت سابقاً ـ لها دينها..

سعدون: هل تقصد بأن للدولة دينها الذي تعتقد به، أم تقصد بأنها تأخذ من الدين أو تختار الذي ينفعها ويحقق مصالحها؟

أ. د. متعب مناف: الذي يحقق مصالحها بالتأكيد، بمعنى أنها ترسم الدين بالشكل الذي يحقق أهدافها ويمنحها الشرعية والغطاء اللازمين للاستمرارية.. وتكمن الإشكالية المهمة في أن الدين([2]) دائماً يبحث له عن مكان في الدولة، حتى إن كانت الدولة علمانية ويشعر إزاءها بمشاعر الكره ويبدو عليه أنه ينأى بنفسه عنها، إلا أنه باستمرار يبحث عن نافذة للسيطرة عليها. الدين ـ أي دين ـ دائما يريد أن يكون هو دين الدولة، ولا يريد أن يكون لها دين آخر غيره. لكن هذا الهدف صعب التحقيق للتضاد بين أهداف وأغراض الدين وأهداف وأغراض الدولة، وخاصة الدولة المدنية الحديثة.

مربع نص: الحوزة في قرارة نفسها تكره الدولة وتحتقر المجتمع. لكنها أيضاً تسعى لامتلاك الدولة، وتسعى للمطالبة بحقوق المجتمعالدين أيضاً يكره المجتمع، أو بعبارة أقل حدة، يترفع على المجتمع، ولذلك هو يقسم أفراده إلى خاصَّة وعامَّة، ويرى بأن الإيمان الحقيقي يليق بالخاصة فقط، وهم وحدهم مؤهلون لتعلم الدين وتطبيقه. وقد أكد الموروث الديني على هذا المضمون بأشكال عدة: (ما كل ما يعرف يقال) (حدثوا الناس على قدر عقولهم)، ما يعني بأن الدين يعرف بأن الكثير من مضامين خطابه لا تناسب عامة الناس، وربما تؤذيهم أكثر مما تنفعهم، لذلك يرفض النزول بهذه المضامين إلى الناس لتكون من متداولاتهم، خوفاً من أن يقوم الناس بتفسير هذا الدين وفقاً لحاجاتهم ورغباتهم.

الدين إذن ضد الدولة في ظاهره، لكنه في أعماقه يسعى للسيطرة عليها، ولذلك تجد رجل الدين في سعي دائم وراء السياسة لعلمه بأن في السياسة تكمن القوة، النبي ليست لديه قوة لأن الديانات جاءت على أنقاض الحضارات، الفرعونية مثلاً، كان فرعون يقول للناس (... تجري الانهار من تحتي)، ولذلك تجد بأن تمثال رمسيس الثاني في أسوان بقي لمدة ثلاثة آلاف سنة يقف على نهر النيل وكأنه يراقب مجرى مائه، في إشارة واضحة إلى أن هذا الملك يمتلك مصادر القوة، والماء كان أهم هذه المصادر. هو يحرص على أن يكون مجرى الماء من تحت قدميه، يريد أن يقول أنا الذي أمنحكم الماء، فأنا مانح الحياة إذن، القوة إذن منذ مهد الحضارة لدى الملك وليست لدى النبي، وعندما حاول النبي أن يسحب الناس للإيمان بدينه رفض فرعون وقال للمؤمنين بموسى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم على جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)([3]). حتى الإيمان يرفض أن يتركه للنبي، إذن فخلال الصراع التاريخي بين الدين والدولة تجد بأن الدين لم يجد بداً من السعي للاستيلاء على الدولة، لأنه يعلم بأن بقاء القوة خارج سيطرته يسبب اندثاره.

ومع أن الدين يتعالى على المجتمع إلا أن هذا الأخير أقرب شيء للدين، لماذا؟ لأن الدين يرحل حل مشاكل المجتمع المستعصية إلى يوم القيامة، الدين يقنع الناس بعملية الإرجاء، إرجاء حلول هذه المشاكل إلى يوم القيامة: (وجنة عرضها السماوات والأرض) متى هذه الجنة، في الحياة الآخرة. إذن المشاكل التي لا يستطيع المجتمع حلها وتسبب له شعوراً بالحيف يقوم الدين بترحيلها إلى الحياة الآخرة، ما يرفع الشعور بالحيف عن المجتمع. وهذا ما يدفع المجتمعات المتدينة إلى عدم الاستعجال بالحلول.

سعدون: دكتور أريد أن أعود معك لمركز الحوار، الحوزة، أريد أن نفصل بعلاقة الحوزة بالمجتمع والدولة، وعلاقات التأثير والتأثر بين هذه الأطراف الثلاثة.

الطائفية

التعصب الديني

الأقليات

المثلث الصعب

أ. د. متعب مناف: الحوزة دين، وهذا يعني بأن الحوزة في قرارة نفسها تكره الدولة وتحتقر المجتمع. لكنها أيضاً تسعى لامتلاك الدولة، وتسعى للمطالبة بحقوق المجتمع، المجتمع هو الآخر يرى في الحوزة القوة الوحيدة القادرة على الوقوف بوجه الدولة والمطالبة بحقوقه. ولذلك تجد الساسة معنيين (كلهم) بالسعي لكسب ود الحوزة، والحوزة مهما ادعت الوسطية وأنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف إلا أنها في الحقيقة تقترب من أكثر الأطراف التي تجد بأنها تحقق مصالحها.

الدولة

الديمقراطية

المجتمع

المثلث المثال

وفي بحث لي حول موضوع يقترب من هذا الذي نتحاور بشأنه الآن رسمت ثلاثة مثلثات لتفسير علاقة التأثير والتأثر بين الحوزة والمجتمع والدولة في العراق: المثلث الأول سميته بـ(المثلث الصعب) ووضعت الطائفية في الزاوية العليا من هذا المثلث، أما في الزاوية الثانية فوضعت التعصب الديني، وفي الثالثة وضعت الأقليات. وسميته بالمثلث الصعب لأن الطائفية تتحكم فيه، ويأتي التعصب الديني لينسجم معها ويتولد من هذا الانسجام الطائفية السياسية، ولا يكون لدى الأقليات حينها خيار غير الاحتماء بالجهات الماسكة بأسباب القوة.

المثلث الثاني الذي رؤوسه (الدولة، الديمقراطية، المجتمع) سميته المثلث المثال.

سعدون: وأين الدين في هذا المثلث؟

أ. د. متعب مناف: الدين يدخل بين الدولة والديمقراطية، لأن الدولة هنا دولة مؤسسات وهي دولة لا (تَدول) ولكنها (تُتَداول). لدينا في العراق، بل في الشرق الأوسط بصورة عامة، دول (دائلة) ولذلك بعد أن تنتهي الدولة يتم إحراق أوراقها وتبدأ مرحلة بناء أخرى من الصفر.

سعدون: هل هناك أمثلة أخرى في الشرق الأوسط على عملية إحراق الدولة وبناء أخرى غير المثال العراقي؟

أ. د. متعب مناف: في مصر، عندما انتهت الملكية تم اجتثاث الملوك بشكل كامل، في الأردن أيضاً، في المغرب، هل هناك من يستطيع أن يتحدث عن الحبيب بو رقيبة هناك الآن؟ في نايجيريا وسيراليون ومدغشقر. في اليمن انتهت الإمامة ولا يعرف عنها أحد أي شيء.

سعدون: دكتور اسمح لي أن أعود بك لقراءة الحوزة باعتبارها مؤسسة..

أ. د. متعب مناف: هذه هي المشكلة، الحوزة لم تكن في أي يوم من الأيام مؤسسة، لأن رأسها لا يأتي عن طريق التأسيس. المرجع لا يتم انتخابه، هل تعلم مسألة التأسيس في الدين أين حصلت؟ حصلت في الأزهر وهو جامع شيعي في أصله..

الغنيمة

القبيلة

العقيدة

المثلث الانثروبولوجي

سعدون: هناك آلية في الحوزة يتم من خلالها اختيار المرجع بطريقة قريبة من الانتخاب نسبياً، فهناك رأي أهل الحل والعقد، أو ما يصطلح عليهم بـ(الفضلاء) وهناك رأي المُقَلِدين، إذن يمكن للحوزة أن تكون مؤسسة.

أ. د. متعب مناف: لا، هذه ولاية وليست سلطة، والولاية لا دَخالة للناس فيها، كما يقول الشريف المرتضي الموسوي.. عموماً دعني أكمل ما يخص المثلثات، والمثلث الثالث هو: (المثلث الانثروبولوجي) الذي يجمع في زواياه بين (الغنيمة والقبيلة والعقيدة)...

سعدون: هذا هو المثلث الذي يحكمنا الآن؟

أ. د. متعب مناف: هذا المثلث الخلفي والحقيقي والانثروبولوجي، وخطورة هذا المثلث تكمن بأنه يجعل حاضرنا مشابهاً لماضينا. ويجعل عصرنا الحاضر (الآيديولوجي النهضوي الوطني) وكأنه فترة استثنائية حيث أصبحت القبيلة أو العشيرة هي المحرك العلني للسياسة (بمعني أن العگال هو الحاكم). والاقتصاد ريعياً أو شبه ريعي مطبوعاً بطابع الغنيمة وهذا هو الإشكال..

سعدون: هذا الكلام الذي يبدو عليه أنه ينطبق على العشرينيات أكثر من انطباقه على وقتنا الراهن، كيف تسحبه لتجعله قراءة لراهننا؟

أ. د. متعب مناف: لا، النفط عندنا الآن بمثابة الغنيمة، هل تشارك أنت بهذه الأموال؟ الجواب لا، إذن فهي غنيمة، لأن القبيلة هي التي تأخذها...

سعدون: سبقتني بالجواب، وكنت أريد أن أسألك عن هذه الأموال التي ليس لي حصة فيها، هل تستحوذ عليها القبيلة؟ وإذا صح ذلك فأين دور العقيدة؟

أ. د. متعب مناف: الأموال تأخذها القبيلة والعقيدة تغطي على القبيلة من خلال سيطرتها على المجتمع وإبقائه تحت سيطرتها فتكون لها حصة الشريك، لأن الدولة ستعتبرها شريكا..

سعدون: هل تريد أن تقول بأن الكيانات السياسية الآن بمثابة القبائل؟!!

أ. د. متعب مناف: بالتأكيد، فكلهم يتحركون بفعل القبيلة ولذلك يبحث كل منهم عن حصته، وعند موضوع المحاصصة تموت دولة المؤسسات... عموماً عند حسن علوي كلمة مهمة في الإطار الذي نـحن بصدده، عندما يميز بين (شيعة الدولة) وبين (شيعة العراق) وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: أين تقف الحوزة بين الشيعتين؟ سؤال مهم ومحرج، ولذلك تجد أن مكتب المرجع الأعلى السيد السيستاني ممثلاً بأبنه البكر يقف مع شيعة المجتمع بينما يقف المرجع مع شيعة الدولة. بمعنى أن (براني([4])) المرجع مقسوم لقسمين، قسم مع شيعة العراق، وقسم مع شيعة الدولة. وعلى هذا الأساس يتحرك البراني بشكل مضبوط جداً..

بالمناسبة أحسن من كتب عن السيستاني هو نصر ولي، ولديه فصل كامل عن شخصيته واساتذته وآرائه وطريقته بالتفكير، وقد اعتبر السيستاني في هذا الكتاب الأعقل من بين المراجع، لأنه ـ بحسبه ـ لا يقبل بولاية الفقيه. وفعلاً هذا المرجع لا يقول بهذه الولاية، لكنه من جهة أخرى يقبل بماذا؟ يقبل بفقيه الولاية. تفادياً لمشاكل الولي الفقيه ومشاكل الدولة الدينية التي وقعت فيها إيران ووليها الفقيه السيد الخامنئي. وفقيه الولاية بمثابة صانع الملوك أو صانع رؤساء الجمهوريات، يصنعهم ولا يصنعونه ولا يدخل بلعبتهم. يملكهم ولا يملكونه، يشرعنهم ولا يشرعنونه.. لدينا أربعة فقهاء في العراق الآن والمرجع الأعلى بمثابة رأسهم.

سعدون: هل يمكن لما رفضت تسميته بالمؤسسة، أي البراني أن ينشق على نفسه؟

أ. د. متعب مناف: بحسب الاصطلاح الانكليزي فأن كلمة (Institution) تعني مؤسسة لكن كيف يترجمون (Establishment) أعتقد أنها تعني تركيبة ما..

سعدون: لنستخدم مصطلح المؤسسة تسامحاً..

مربع نص: سيبقى الفرد الورعي تابعاً للدين بصورة غير مباشرة ولرجل الدين بصورة مباشرة، ولا يرتبط بالدولةأ. د. متعب مناف: لا لا يمكن أن أقبل بهذا التسامح، لأن المؤسسة تحكمها رؤوس وفيها قواعد وأفراد القواعد معينين كالموظفين، كما يحدث في الأزهر، لكن الحوزة ليست كالأزهر. والأزهر تحول إلى ما هو عليه بعد أن أخرجوا المذهب الجعفري منه، بعد أن كان الرواق الجعفري أكبر أروقته. وأبقوا على الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي، أبقوا على أربعة مذاهب في حين أنها خمسة، والذي لا يعترف بأن المذاهب خمسة فهو مجرم في الحقيقة. لأن جعفر الصادق فقيه كبير وخطير في وقته، ومالك بن أنس فقيه المدينة يقول ما معناه: زرت جعفر بن محمد فأمر لي بوسادة، وهذا يعني أن مالكاً يفخر بأن الصادق احتفى به وخصص له وسادة، ويذكر هذه الحادثة في الموطأ، فما قيمة مالك بالنسبة لجعفر إذن؟ لدينا في العراق قضايا كبيرة لم تبحث ولذلك لم نزل نجهل أبعادها الحقيقية.

سعدون: لنعد لموضوع شيعة العراق وشيعة الدولة، وأريد أن تحدد لي موقف المرجعية، أين تقف المرجعية مع شيعة الدولة أم مع شيعة المجتمع؟

أ. د. متعب مناف: المرجعية نصفها مع شيعة الدولة ونصفها الآخر مع شيعة العراق. لكن من المهم أن نعرف من هم شيعة الدولة ومن هم شيعة العراق، شيعة العراق يمتدون من الأهواز وحتى اليوسفية جنوب بغداد. أما شيعة الدولة فيبدأون من اليوسفية إلى أن تصل شمال الكوفة والنجف، باختصار نقسمها كتقسيم شمَّر إلى (شمَّر طوگة) و(شمَّر جربا) (فشمَّر طوگة) يسكنون الجنوب و(شمَّر جربا) يسكنون الشمال، والشمال محركه الحلة، وفيها الطوسي محمد بن الحسن، وهذا الرجل مهم بالنسبة للشيعة ولذلك لقبوه بشيخ الطائفة، والعراق في تلك الفترة كان يمر بالمثلث الأول أي (المثلث الصعب) الذي في زاويته العليا توجد الطائفية، وفي الثانية التعصب الديني، وفي الثالثة الأقليات. والحوزة ولدت في هذا المثلث وتحمل معها مشاكل هذا المثلث.. أما نـحن الآن فنطرح المثلث الثاني الذي رؤوسه (الدولة، الديمقراطية، المجتمع). لكن أين تقف الحوزة من هذه المثلثات الثلاثة؟ هي تقف تقريباً عند المثلث الذي نـحن بصدد تطبيقه، المثلث الذي على رأسه الدولة. لكن تجعل بدل الديمقراطية (دينوقراطية) لأن الديمقراطية لا تتماشى معها، فهي تسحب معها الاغتراب الحديث وأفكاره فيحدث اختلالاً في المجتمع ما يؤدي لعدم سيطرة وكلاء المرجع على أهالي المدن والقصبات. وفي كتابه (العمامة والأفندي) يعتمد فالح عبد الجبار على مكانين في دراسته هما (طويريج) و(الدغارة) بل هو معتمد على (طويريج) بشكل أساسي لأنها في الأصل (طويريق) أي مصغر الطريق. فمنها يذهب الناس إلى كربلاء أو النجف. ولذلك دخلت القوات الأمريكية من الناصرية باتجاه كربلاء، ثم توقفت عند النجف، بمعنى أنها دخلت من شيعة العراق وليس من شيعة الدولة..

سعدون: وهذا يعني أن الحوزة كانت مع شيعة الدولة في الأصل؟

أ. د. متعب مناف: نعم منذ الأصل هي مع شيعة القوة، يعطونها الفتوى وفيها غطاء، والفتوى كما تعلم صنفان، صنف يصدر عن الولاية الخاصة، وهو ما يتعلق بالزواج والطلاق والخمس وبقية الحقوق الشرعية. وصنف يصدر عن الولاية العامة، وعند موضوع الولاية العامة بدأت عملية بناء شيعة الدولة وأنا أحب أن أسميها دولة الشيعة إذن ففي الولاية العامة بداية بناء دولة الشيعة، باعتبار أنها تكون على مقاساتهم. لكن شيعة العراق لا ينسجمون دائماً مع هذه الدولة، لأن همهم اقتصادي هم يعنون بالغنيمة أكثر من عنايتهم بالعقيدة.

نرجع الآن إلى السؤال الذي يقول: في أي من المثلثات نبتت المرجعية؟ قلنا أنها نبتت في المثلث الأول (الصعب). لكن مع ذلك قبل الاجابة لا بد تذكر حقيقة معروفة تقول: إن الهدف المركزي للشريعة الإسلامية عموماً هو بناء الأمة وليس بناء الدولة أي بناء الهوية العابرة للحدود وهي هوية الهويات وهي من حيث السعة والقيمة فوق السلطة. مالك بن نبي يقول بأن حدود هذه الهوية من ماليزيا إلى جبل طارق فمن ناحية السعة هي كبيرة ومن ناحية القيمة هي عالية لأنها مرتبطة بدين وليس بالسياسة والدين أكبر من السياسة.

وهنا يأتي أوان طرح سؤال خطير لأنه يهم مستقبل العراق هو:

هل يمكن بناء نظرية سياسية قابلة للتطبيق في وسط محكوم دينياً؟

هذا هو السؤال الذي لم يستطع أن يجيب عليه مفكرو العالم الإسلامي. الإجابة تقول أن الضبط في الوسط المحكوم دينياً يتوقف على اعتماد الردع الداخلي النفسي، فإذا أردت أن تبني مواطنة في الوسط المحكوم دينياً وأنت بصدد بناء نظرية سياسية عليك أن تفهم أن ما يريده الدين من المواطن وما يفهمه من المواطنة أن يكون المواطن ورعاً أي يتبع قيم الدين التي يؤمن بها داخلياً. قياساً على الردع الخارجي الذي يأتي من القانون. وهذا يعني أن الدين لا يريد قانوناً، الدين لا يريد أن يردع الإنسان من الخارج بل يريد منه أن يكون ورعاً من الداخل.

سعدون: وما الفرق دكتور، ألا يؤدي الورع إلى نوع من أنواع الردع؟

أ. د. متعب مناف: نعم ولكنه ردع داخلي وليس عن طريق سلطة، وهنا ستكون الدولة معزولة ولا يحتاجها المواطن لحمايته ما دام المجتمع يعتمد الردع الداخلي، ثم أن الإنسان الورع لا يحتاج إلى دولة، ومن جهة أخرى يبقى المواطن في هذه الدولة محكوماً لرجل الدين (فقيه الولاية)، وهذا هو السر بالموضوع. لكن الفكرة الأساسية أن النظرية السياسية لا يمكن بناؤها عن طريق المزاوجة بين الدين والسياسة، لأن الدين يعتمد الورع والسياسة تعتمد الردع، وفي المزاوجة بين هذين الطرفين نوع من النفاق الفكري أو (العهر الفكري)، كما يقول عبد الرزاق الجبران. إذن البشر نوعان، ورعي وردعي.

وهنا يأتي سؤال مهم: هل يمكن تطبيق القانون على مجتمع ورعي؟

لا يمكن طبعاً لأن الورعي مرتبط بالدين والدين أكبر من الدولة، سيبقى الفرد الورعي تابعاً للدين بصورة غير مباشرة ولرجل الدين بصورة مباشرة، ولا يرتبط بالدولة، بعبارة أخرى في المجتمع الورعي لا يمكن لنا أن نبني مجتمعاً ردعياً. المشاكل في المجتمع الورعي يمكن لها أن تحل دينياً أو أخلاقياً أيضاً ولا تحل قانونياً فقط. من جهة أخرى الدين يُشظي الهوية، لأن الدين يقسِّم المواطنين إلى كفّار ومؤمنين، أو على الأقل ملتزمين وغير ملتزمين. فالدين يبني لنا أفراداً ورعين لا ينضبطون لقانون الدولة فقط. فكيف يمكن لنا أن نبني دولة بالاعتماد على مثل هؤلاء الأفراد! خاصة وأنهم لا يؤمنون بالسياسة باعتبارها وضعية، وهم لا يرتبطون بكل ما هو وضعي. مرة سأل أحدهم كما أتذكر دكتوراً في القانون الدولي يعمل في مكتب من مكاتب رئاسة مجلس النواب: لماذا لا ينجح الدستور؟ فقال لهم لأن الدستور وضعي وضعه البشر، أما القرآن فمنزل من رب العالمين. ولك أن تقدر من جواب هذا المسؤول مقدار الازدواج الذي نعانيه بهذا الصدد. على الورع يمكن لك أن تبني ديناً، ويمكن لك أن تبني أمة، لكن لا يمكنك أن تبني مواطنة.

سعدون: هل يفسر هذا الموضوع تكرر اختراق الدستور من قبل السياسيين؟

أ. د. متعب مناف: بالتأكيد فالذي كتب الدستور سياسيون ورعيون وليسوا ردعيين. كتبوا الدستور للإنسان المردوع داخلياً لا خارجياً وهناك فرق بين الردع الداخلي والخارجي أو البراني والجواني، ولذلك المرجعية تحاول أن تقف بين هذين المؤثرين، البرَّاني والجوّاني بين قانون البرَّاني، الذي لا يحكمه الورع بل القانون فقط.

سعدون: دكتور هل تعتقد بأن الحوزة ممثلة بمراجعها وفضلائها واعية لهذه التفاصيل التي تتحدث عنها؟ وهل أن هذا الوعي يصل مرحلة الاستثمار، أي استثمار الورعي لإفشال الردعي حفاظاً على مصالحها؟

أ. د. متعب مناف: نعم، لكن وعي ممارسة، بالأحرى وعي خبرة، وليس وعي إدراك، هي تفهم أين تنتهي فاعلية القانون وأين تبدأ فاعلية الورع. أين يبدأ الردع الخارجي وأين يقف بل وأين يجب عليه أن يتوقف. وأيضاً هي تعي أين يجب أن يتوقف الورع، لأنها تريد للردع أن يكون فاعلاً، فهي أكثر وعياً من أن تقف بوجه الردع الخارجي بصورة دائميَّة، لأنها تعلم بأن زيادة الورع والاتكال عليه وحده ستؤدي لخلق مجتمع متعصب، وهو المجتمع الذي يجيش بالانتحاريين ويكون مملوكاً لهم. هناك مثال في هذا الإطار، أخبرني بعض الأشخاص أن وفداً زار السيد السيستاني من منطقة مختلطة المذاهب، وكما تعرف، هناك منطقتان يختلط فيهما المذهبان السني والشيعي، هما الناصرية وديالى. المهم زار المرجع وفد مختلط حتى بالزي، فمنهم من يرتدي اليشماغ العربي الأحمر ومنهم من يرتدي الأسود وطلبوا منه أن يتدخل لإزالة المسؤولين الطائفيين المنشغلين بقضايا جانبية ويستبدلهم بمهنيين ينشغلون بمصالح الناس الحقيقية، فاخبرهم بأنه لا يملك قوة ضغط تكفي لإحداث تغيير بهذا الحجم، فاستنكروا ألا تكون له قوة وهو المرجع الأعلى. فسألهم: كم يبعد عن مكتبي هذا، موقف المركبات التي تنقل المسافرين من النجف إلى بغداد؟ فقالوا له الموقف قريب، فقال لهم لو أرسلت ولدي محمد رضا إلى سائقي المركبات يطلب منهم باسمي أن يقللوا الأجرة على الركاب هل تعتقدون بأنهم سينفذون؟ وإذا كنت لا أملك قوة تأثيراً على سائقي المركبات القريبين مني، فكيف تعتقدون أن لي القدرة على التأثير على من هم أبعد؟

وهذا جواب ذكي من المرجع استخدمه ليقنع الوفد، فهو يمتلك القدرة لكنه لا يريد استخدامها في القضايا الصغيرة. فهذه القضايا يجب أن تحلها قوى المجتمع فيما بينها، ليُبْقي هو قوته للاستخدام في القضايا الكبيرة التي تستحق تدخله من وجهة نظره هو. وفعلاً المرجعية لديها خبرة طويلة في مثل هذه الأمور، وهي فعلاً تخشى كثرة التدخل خاصة في صغائر الأمور، لأنها تخاف من أن تتدخل مرة ولا تطاع فتسقط هيبتها نهائياً.

سعدون: سألتك قبل قليل والآن أعيد السؤال، أنت تقرأ المرجعية ككيان فاعل في العراق من خلال نموذج المرجع السيستاني، لكن ماذا لو تغير المرجع، هل تعتقد بأن كيان المرجعية سيبقى على نفس الوتيرة من الأفعال وردود الأفعال؟

أ. د. متعب مناف: نعم سيبقى؛ لأن المرجعية لا تكون إلا على النمط الشبيه بنمط السيستاني فهو النمط الناجح.

سعدون: هل يشبه السيستاني الخوئي، أو الخميني أو الصدرين الأول والثاني، وإذا كان الاختلاف موجوداً ألا يؤدي إلى اختلاف سلوك المرجعية تبعاً للمرجع الذي يقودها؟

أ. د. متعب مناف: السيستاني يشبه الخوئي، لكنه لا يشبه البقية لا الصدرين ولا الخميني ولا حتى الخامنئي، والمرجعية التي على نمط السيستاني هي المرجعية القادرة على الاستمرار وهي المناسبة للحفاظ على الطائفة، بل هي تُعْنى بالمحافظة على الطائفة أكثر من عنايتها بالمحافظة على الدولة. وقد قلت سابقاً أن حسن علوي قال كلمة لكنه لم يكملها، وهي المتعلقة بتمييزه بين شيعة الدولة وشيعة العراق والمرجعية تقف في المنطقة الوسطى وعلى مسافة واحدة بين الشيعتين، وهنا يكْمُن ذكاؤها، لأنها إذا اقتربت من شيعة الدولة احترقت وإذا اقتربت من شيعة المجتمع أفلست وضاعت. شيعة البراني (الردعي) شيعة دولة وشيعة الجواني (الورعي) شيعة مجتمع. شيعة الدولة هم شيعة الفرات الأوسط، وشيعة المجتمع أو شيعة العراق هم شيعة الجنوب ولذلك تجد أن محمد باقر الحكيم دخل العراق من البصرة.

المهم نعود لموضوع الورع والردع، ونؤكد على أننا نريد من الورعي أن يكون ردعياً، وهذا صعب، فالورعي لا يمتثل للقانون، وهذه إحدى أسباب فشل عبد الكريم قاسم، عندما شرَّع قانون الأحوال الشخصية، واعتبرته الحوزة مناوئاً للأئمة لهذا السبب. فكان اعتبارها هذا سبباً من أسباب فشله. لا يمكن لك أن تبني إنساناً لسنين طويلة على أن يكون ورعياً ثم تريد منه أن يكون ردعياً بين ليلة وضحاها.

سعدون: في هذه الحالة وقع المجتمع العراقي والتجربة العراقية في مأزق يتمثل بتضاد الردعي والورعي، لا بل ويبدو أن الغالب على مجتمعنا بأنه ورعي، ولذلك الدستور والقانون كثيراً ما يتم اختراقهما من قبل حتى السياسيين، لأنهم كما قلت ورعيين أكثر منهم ردعيين، لكن ألا يمكن التوفيق بين الورعي والردعي؟

أ. د. متعب مناف: لا توجد شخصية سياسية ورعية ردعية في نفس الآن، وتستطيع أن تردم الهوة بين التعارضين، نعم الخميني امتلك القدرة على أجراء التوفيق، ولذلك تجد أن إيران جمهورية إيرانية إسلامية، فقدم الجمهورية على الإيرانية، ثم قدم الإيرانية على الإسلامية، وبالتالي قدم ردعين على الورعي، وجعل الورعي متخلفاً وتابعاً لردعين.

سعدون: لكن الدولة في العراق الآن تسعى لبناء الفرد الردعي الذي يحترم القانون ويمتثل له، ويمكن لها أن تنجح.

أ. د. متعب مناف: هي تبني الردعي على أساس ورعي، بمعنى أن الأساس الذي تبني عليه شخصية المواطن القانونية هو أساس من رمال ولذلك سرعان ما ينهار وينهار البناء معه. والدليل اقرأ مناهج التربية، ستجد بأنها تؤسس لشخصية ورعية، تخيف الطالب من عدم الامتثال لله والدين، وتهدده بيوم القيامة، وهذا كله ورع لأن الآخرة ورع والدنيا ردع، وهكذا ينشأ الجيل نشأة ورعية، ثم نأتي بمرحلة متأخرة ونطلب من هذا الجيل أن يمتثل للقانون ويحترم هويته الوطنية، وهذا صعب فالمواطنة لا تتأسس على الورع بل على الردع كما قلنا سابقاً. وبما أن الورع هو الأساس وهو مقدس، فسيكون الردع دائماً عبارة عن قشرة خفيفة يمكن تفتيتها ببساطة. يمكن للفرد أن يتحدى القانون ومع ذلك يحظى باحترام الجماعة التي ينتمي إليها بل وحتى احترام المجتمع، يسمونه باللغة الدارجة (زلمة ليل) لكن هل يحضى باحترام المجتمع أو الجماعة من يخترق الورع؟ من يعتدي على المقدس (الأئمة أو الصحابة أو القرآن.. الخ) لا يحترمه أحد. عندما تبني مواطنتك على الورع فستكون فاشلة ومظهرية وقابلة للمساومة.

سعدون: هناك سؤال نـحن بحاجة لطرحه ليبقى حوارنا قريبا من موضوعه الأساس وهو الحوزة في النجف، هذا السؤال ـ الذي طرحته شخصياً على الكثير من رجال الدين وطلبة العلوم الدينية ـ يقول لماذا ترفض الحوزة تجديد مناهجها التعليمية وطرقها في تدريس علومها، وهل تعتقد أنت بأنها تخاف من المناهج الحديثة في التعليم؟

أ. د. متعب مناف: بالضبط لأنها تخاف من إدخال الأنظمة الحديثة، وليس هناك أخطر من أنظمة التعليم، الحوزة ضد التعليم المنهجي الذي يبنى على أساس ردعي، فالمناهج الحديثة في التعليم تتأسس على شكل دوائر تعليمية يتم ضبطها بمادة تدريسية محددة تعطى بزمن محدد، وهذه الدورات يمكن قياسها من خلال الاختبارات التي تتم في نهاية كل دورة، وهذا النظام ردعي بامتياز. وبالمناسبة ابن خلدون هو الوحيد الذي أعطى نظرية في الدولة وهي نظرية العصبية، وتبقى جميع البناءات النظرية التي طُرحت في الشرق الأوسط تتأسس عليها، بالذات، ما جاء به الوردي وما جاء به محمد عابد الجابري والترابي. وهناك مشكلة في النظرية الخلدونية أنها آلية أكثر منها نظرية. والسبب أننا فيها نبدأ دائماً من الصفر وذلك بعد أن تدول الدولة (وتلك الأيام نداولها بين الناس)([5]). وهو يداول الأيام بين الناس لسببين الأول أنه يريد أن يبقى على الدولة مرتهنة بخانة السلطة، فيحاسبها عندما تأثم بسهولة، لكنها عندما تتحول إلى دولة حقيقية مبنية من مؤسسات وتداول نفسها بنفسها لا يمكن محاسبتها لأنها لا تأثم بسهولة. وهذا حقيقي، إزاحة السلطة أسهل بكثير من إزاحة الدولة، فهنا توجد مؤسسات لا ترتبط بأفراد، يذهب الأفراد وتبقى المؤسسات قوية، وهذا ما لا ترضاه قوى الدين، لأنها تعتقد بأن الدولة ستأخذ منها الفرد بعد أن تحوله إلى قانوني ردعي دنيوي، وهي تريده ديني ورعي آخروي. إذن الدولة التي يريدها الدين (دولانية) محصورة في حدود السلطة مما يعطيه اليد العليا في إزاحتها، وذلك عن طريق تحالفه مع المجتمع ضدها، لكن دولة المؤسسات لا يمكن قلب المجتمع عليها من قبل الدين، فهي دولة على نمط المثلث الثاني، أي المثلث المثال، الذي تكون رؤوسه مكونة من الدولة والديمقراطية والمجتمع.

شرعية السلطة وفق النموذج الديني الحوزوي تنبع من العلاقة بين الحق والقوة فمن له الحق في أن يمارس السلطة يمتلك القوة، والدين يعتبر أن السلطة صاحبة الحق هي التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر! وعند حصر أداء السلطة بهذا الإطار الديني فإننا نسحق مبدأ الفصل بين السلطات الذي تقوم عليه الديمقراطية والسبب أن الذي يشرعن ويقدر عمليتي الأمر والنهي هو الدين والحوزة وبالتالي هو المرجع، وهنا تبقى الحوزة قوية، وسواء أكانت حوزة ولاية الفقيه أو حوزة فقيه الولاية.

المصالح العامة في هذا النمط من الدولة ليست موضوعات شرعية بل متبنيات عرفية والمصالح العامة هي: المصالح الخاصة بالدولة، والسلطة والرأس والقرار، والانفراد به، والمتبنيات العرفية تعود بنا للقبيلة.

سعدون: الحوزة التي قلت انها ليس مؤسسة بل تكوينة أو توليفة أنبنت على أساس أن تحافظ على كيان الطائفة فهنا الحفاظ على كيان الطائفة بمثابة الهدف، والسؤال إلى أي درجة جاء هذا الهدف مؤثراً في بناء كيان الحوزة؟

أ. د. متعب مناف: هو أثَّر في أنه ألغى الفارق بين البراني والجواني، والمرجع يعمل بالولاية الخاصة والعامة، لكن بعد ثورة الخميني انقسم أداء الحوزة، وصار البراني سياسياً والجواني اجتماعياً، وانقسمت الحوزة الواحدة إلى حوزتين، في إيران توجد حوزة واحدة، والولي الفقيه هو نفسه فقيه الولاية، لكن السيستاني فقيه ولاية دون أن يكون ولي فقيه؛ بمعنى أنه يترك ما لقيصر، لكنه يقف على مسافة واحدة من الاثنين..

عند السنة الحكم يستمر لأن لديهم مقاصد بمعنى أنهم يستطيعون اختيار الحاكم ولا يكونون قد خالفوا ثوابتهم العقائدية، عند الشيعة لا يجوز اختيار الحاكم بل يجب انتظاره، بسبب أن الشروط التي يشترط الشيعة توفرها بالحاكم شروط عالية لا يمكن أن تتوفر ببشر، ولذلك تجد أن أقرب مثال لهم هو الفارابي الذي افترض وجود الفيلسوف الملك والملك الفيلسوف. حكيم حاكم، ويفرقون (= الشيعة) بين الحكمة والحكم، ويدخلون فيها أشياء بالنسبة للموضوعات على أساس العصمة، إذن أنت لا تستطيع أن تجد بشراً معصوماً فتضطر لانتظاره، والمشكلة تظهر عند طرح السؤال المتعلق بكيفية التصرف زمن انتظار الحاكم المعصوم، وهنا يكون الجواب بقبول الحاكم المفروض دنيوياً كسبيل لاتقاء الفتنة في حال عدم قبوله.

مربع نص: ولذلك يحدث عندنا الـ(فرهود) والنهب وغير ذلك من عمليات الاعتداء على الأموال العامة من قبل الناس. الناس يعتبرون الحاكم بمثابة الأب، فإذا مات الأب جاز الزواج ببناته وامتلاك أموالهسعدون: لكن دكتور، أن بين الشيعة وبين قبولهم بالحاكم الدنيوي يوجد الحاكم الديني، فمرتبة الفقيه عند الشيعة غيرها عند السنة، فعند الشيعة الفقيه فقيه طائفة يجد أن من ضمن واجباته المحافظة على كيان الطائفة ضمن جسد الدولة، فالطائفة معزولة على كل حال...

أ. د. متعب مناف: مسألة العزل تكشف عن إشكالية في العراق لماذا لأنها أدت إلى التمسك بالمحاصصة، لأن الجميع يعتقد بأن بقاء الطائفة مرهون بثبات أو زيادة حصتها في الحضور داخل الوظائف. والسؤال أن الحفاظ على النسبة الذي نجح على صعيد السياسي هل سينجح على الصعيد الاجتماعي، بمعنى هل يستطيع أن يخلق لنا تماسكاً اجتماعياً؟ أعتقد لا لن يحقق هذا التماسك، لأنه يدفع البعض تجاه استيفاء جميع حقوقه على حساب حقوق الآخرين، ويدفع الآخرين تجاه التفكير باستيفاء حقوق متقابلة ويتحول موضوع الحقوق إلى فعل ورد فعل. بالنتيجة المحاصصة ستستمر ما يخلق لنا مشكلة كبيرة. عموما السؤال الذي يهمنا ويرتبط بموضوعنا هو:

هل يسعى المرجع لكسب الدولة على حساب كسب المجتمع أم كسب المجتمع على حساب كسب الدولة؟ من مصلحته طبعاً أن يكسب المجتمع على حساب الدولة لأن الدولة تزول والمجتمع باق..

سعدون: أعود لتأكيد للتساؤل عن مدى تأثير حرص الطائفة على حماية نفسها، وحرص فقيهها على حمايتها، على تشكيل المرجعية وطبيعة عملها. أقصد المرجعية على طول خط تواجدها التاريخي والجغرافي، في سامراء والحلة وكربلاء وبغداد والنجف؟

أ. د. متعب مناف: لنأخذ مثال مرجعية لبنان، في لبنان توجد فكرة فقيه الولاية وليست ولاية الفقيه، لكنهم لم يطرحوا هذه الفكرة بشكل رسمي، ولدى محمد حسين فضل الله كتاب الفقيه والأمة، وهو من أروع ما قرأت من الكتب، وكان هذا المرجع لا يؤمن بولاية الفقيه لكنه يؤمن بفقيه الولاية ويحاول أن يذيب الفقيه بالأمة والأمة بالفقيه ومن خلال هذا التذويب يقترب من المجتمع ويبتعد قليلاً عن الدولة، وهذا بالضبط ما يسعى إليه فقيه الولاية، أنا أحترم الفقيه الذي يطالب بحقوق طائفته، لكن عندما يطالب بها اجتماعياً وليس سياسياً، كالمطالبة بحقوق المهجرين والمبعدين وغير ذلك....

ولابد من الإشارة إلى الفرق بين الإمامة الدينية التي قال عنها الشريف المرتضى بأن لا دخالة للناس في نصب الإمام فيها، وهذه تنفي مؤسسية الحوزة وحتى تغيير النظام التعليمي فيها وهذا يختلف عن الولاية السياسية إذن هنا يتم طرح عنوانين عنوان الولاية الدينية وعنوان الولاية السياسية. السياسية ولاية بعيدة عن الحوزة ويتدخل الناس في تنصيب إمامها. وهذا هو الفرق بين الدولة الدينية والدولة المدنية. وهذا الكلام من الفقه الشيعي ما يعني أن هذا الفقه يقول: بأن الدولة المدنية تعود إلى الناس ولهم فيها حق الاختيار، أما الدينية فلا دخالة للناس فيها. لنستمر مع رأي الشريف المرتضى ـ الذي هو تلميذ القُمّي ـ الذي يقول: هناك فرق بين الفتوى والحكم الولائي الفتوى تعتمد على الولاية الصغرى أي ولاية المجتمع (طلاق زواج نفقة خمس حقوق شرعية... الخ). والحكم الولائي يعتمد على الولاية العامة أي ولاية الفقيه.

يقول (نجفي آبادي) الشريعة ليست مدونة قانونية، بل هي مدونة فقهية، مدونة ورعية؟ وهذا يعني: أن ما يصلح للشريعة لا يصلح للدولة، بمعنى أن حلول الدولة غير حلول الشريعة وكذلك حلول الأمة غير حلول الدولة ـ وهذا ما كنت أنادي به من سنين ـ وما يصلح للأمة لا يصلح للدولة، وربما أن ما يصلح للدولة لا يصلح للأمة؛ لأن الدولة مدونة قانونية قائمة على الردع. هناك شيء آخر، يقول الطباطبائي في الميزان: الناس هم المُخاطَبُون بالأحكام العامة..

سعدون: هل يعني هذا أن الفقهاء لا علاقة لهم بالخطاب الإلهي بما هم فقهاء، وأن الخطاب يجب أن يفهم من قبل العامَّة لا (الخاصَّة).

أ. د. متعب مناف: صحيح، المُخاطِب يوجه خطابه لأصحاب الشأن، وأصحاب الشأن هم الناس، المُخاطَب هو الناخب. وبالمناسبة عندما تنتخب فرد ما، فهذا يعني أنك تستطيع محاسبته، لكن إذا كان معيناً من فوق، فهذا يعني بأنه خارج نطاق الحساب. الشريعة بهذا المعنى آمنة من العقاب، بخلاف الحكومة عندما تسيء التصرف. كون الناس هم المخاطبون بالأحكام العامة، يعني أنهم أصحاب المصلحة بالأحكام العامة ما يعني بأنهم هم المعنيون والمخاطبون بالمواضيع السياسية التي تخص الدولة، أي الأحكام التي تتعلق بحياة الناس ومصائرهم ومستقبلهم، وهي أحكام تتعلق بالسياسة والاقتصاد والاجتماع.. الخ. ويقول بموضع آخر: الشعب مالك للدولة، بينما لدينا نـحن يحصل العكس، أي الدولة مالكة للمجتمع، وفي القرآن تقول الآية الكريمة: (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) والمَلِكُ مصون وغير مسؤول. فالموظفون والإداريون مكلفون من جانب الشعب وأموال الشعب لإدارة أموره العامة والمشتركة، الشعب إذن لا يملكك الدولة ولكنه أيضاً يدفع لها أجورها، فهي مسؤولة أمامه. وفي التأكيد على أن الموظفين مسؤولون عن إدارة الأمور العامة والمشتركة إشارة واضحة على أهمية التصرف بالأموال العامة من قبل الدولة وليس من قبل الأفراد ومع غض النظر عن أهمية هؤلاء الأفراد، وحتى الآن لدينا لَبَس في مفهوم المال العام، ولذلك يحدث عندنا الـ(فرهود) والنهب وغير ذلك من عمليات الاعتداء على الأموال العامة من قبل الناس. الناس يعتبرون الحاكم بمثابة الأب، فإذا مات الأب جاز الزواج ببناته وامتلاك أمواله.


 

الهوامش:



([1])  يوسف 76.

([2])  المقصود هنا الدين ممثلاً بالمؤسسات التي تتولى رعايته وتصديره للناس والاشراف على ضبط العلاقة بينهم وبينه.

([3])  طه 71

([4])  براني المرجع، تعني مكتبه الذي يلتقي فيه زائريه ومريديه، ويمارس فيه أكثر نشاطاته التي يدير من خلالها شؤون مرجعيته باستثناء دروسه التي يلقيها عادة في احدى الجوامع أو المدارس.

([5])  آل عمران، 35.

 

العودة الى صفحة تفاصيل الخبر