المرصد النيابي العراقي
التصويت
ماهو رائيك بالتصميم الجديد لموقع مؤسسة مدارك ؟
 ممتاز
 جيد جدا
 مقبول
 ضعيف
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 2
عدد زوار اليوم : 13
عدد زوار أمس : 25
عدد الزوار الكلي : 7510
تفاصيل الخبر

سياسات العنف الجماعي (خاص لمدارك)

2011-09-26


سياسات العنف الجماعي

(الحرب الاهلية في العراق 2006)

 

 

يوسف محسن

 

جاءت قيام مسلحين (بتفجير القبة العسكرية) في شباط العام 2006 ليمثل ذروة المروق والعنف والتشتت اللا نهائي في العالم الواقعي العراقي وبداية التاريخية الدموية لصدام الهويات الاصولية الطائفية في العراق، ان هذا الحدث لم يحظى بدراسات موسعة أو اهتمام المؤرخين وعلماء الاجتماع والانثربولوجيين العراقيين حيث دفع الجماعات العراقية الاصولية الدينية الى عمليات عنف وجرائم واعمال وحشية وتفجير السيارات وتميز اثني وعرقي وديني وتطهير واسع النطاق وتمثيل بالجثث وتهجير قسري لتغير المجال الديمغرافي وحصول انهيار وانزلاق في النظام الرمزي والدخول في استيهامات تخيلية للتلاعب بالهويات الدينية وخلخلت نظام القيم الاجتماعية وادى هذا الصدام الى نقل الصراعات السياسية والتوازنات الهشة للطوائف والاثنيات الى الحقل المقدس، هذا الحقل الشائك والمعقد والمشبع بالتفاصيل. سوف يكون احد المولدات الاساسية لتمزق الهوية في العراق. حيث تتداخل في هذا الحقل تمثيلات الطائفية السياسية والدينية وتتقاطع مع عناصر المعرفة الاسطورية وسلطة الكاريزم والثقافات الشعبوية التي تمثل احد الاستعارات الاكثر اتساقاً في التكوينات المجتمعية العراقية لاقنعة الصراعات السياسية.

 

انهيار الدولة 2003

نتيجة للتركيبات الديمغرافية للمجتمع العراقي وتقويض الدولة التوتاليتارية البعثية العام 2003 وتفكيك مؤسسات الهيمنة السياسية والقمعية الى سلسلة من المتغيرات الجوهرية في بنية الدولة العراقية والعقد الاجتماعي للجماعات السياسية وظهور قوى اجتماعية وسياسية ودينية جديدة على مسرح التاريخية العراقية وتوزيعات في النسق الاقتصادي. في حين شكلت انتخابات 2005 اول منعطف في تاريخ العراق السياسي رافقها ظهور سيرورات من التمركز حول الهويات الفرعية الطوائفية والقومية والاثنية ودخول هذا التمزق المجتمعي الى الحيز السياسي على الرغم ان هذا الانبعاث الهوياتي له مبرراته التاريخية والسوسيولوجية الا انه لم يؤدي الى فتح النقاش بين النخب السياسية والثقافية والفكرية العراقية بشأن ماهية الهوية العراقية وجدل الهويات الفرعية وذلك بسبب العجز المعرفي لهذه الجماعات والضجيج والفوضى السياسية التي تلت سنوات الانهيار، اذا لم تقدم النخب العراقية اجابات واضحة بشأن نظام العقد الاجتماعي وتتحايل على سؤال الهوية عبر سلسلة من عمليات (الاقصاء) (التبرير) (التجاهل) وتغيب واضح لكل خلاف فكري وثقافي ومرجعي والذي سيشكل مقدمة لصدام الهويات الطائفية داخل الجسم السياسي للدولة العراقية حيث ان التغيرات لم تمس النواة الصلبة والمتماسكة للبنى المؤسساتية (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية) ولم تخرج (بنية الدولة) عن النسق القبلي، العشائري والجماعات القرابية والنخب التقليدية والجماعات الطائفية في توزيعات السلطة. ان هذه التوزيعات تمت تحت ضغط ديناميكيات التشكيلات القومية والدينية للمجتمع العراقي ما ادى الى نمو العنف الجماعي الذي تشكل كنزاعات طائفية نتيجة تكريس هذه المركبات بوصفها مرجعيات مطلقة لدى الجماعات السياسية العراقية وظهور مكونين/ الدين الشيعي/ الدين السني/ وهما صياغتين للنسق السياسي. شكلا ازمة بنيوية مستديمة في حقل السلطة وتجد هذه المكونات اشباعاتها في الارضية التقليدية للبنى الاقتصادية والاجتماعية والايديولوجية والسياسية وضعف الحراك الفكري وعدم تكوين الدولة الحديثة وتخطيطات الهوية الغامضة (ان هذا التصميم له علاقات واضحة بالجماعات البشرية التي من خلالها تتم عملية تحديد الهويات بالمعنى التاريخي) حيث تحولت الطائفية السياسية الى نواة مطلقة للعنف والعنف الجماعي واداة ستراتيجية للسيطرة السياسية بين الجماعات العراقية الدينية الاصولية.

 هنا تكمن قدرة المنهاجية النقدية على تقديم ايضاحات اولية لفهم طبيعة الصدامات المجتمعية الدورية والفاعلين السياسيين وتحليل طبيعة البنى والوظائف المرتبطة بها وتحديد اساسياتها وهذا يتطلب مراجعة التاريخية العراقية الحديثة والكشف عن السلسلة المروعة من الحروب والعنف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والانغلاقات الثقافية والتهميش والاقصاء للجماعات والمكونات العراقية والابادات المتبادلة والعنف الايديولوجي وعمليات اعادة انتاج الاخضاع والهيمنة داخل نسق السلطة السياسية ونقد المجال الاسطوري والذي تم اعادة انتاجه ابان فترة ظهور العنف الجماعي الاصولي الطائفي داخل الحقل المجتمعي العراقي من قبل مجموعة من الباحثين والكتاب في قراء الهيجان الجماعي الديني الطائفي وتوظيف قصة هابيل وقابيل او البحث عن العنف في البنية الانطولوجية للوجود البشري. في حين تكشف القراءات الانثربولوجية والتاريخية ان العنف هو نتاج بنى وتكوينات الاجتماع البشري وحفريات المجتمع العراقي.

هذه المحاولة للخروج من الرسوم التخطيطية وقراءة طبيعة العنف الجماعي والمعبر عنه بشكل واضح في الصراع على حقلي (الهويات) (الحيز السياسي) وفهم ديناميكية هذه الظاهرة (صدام الاصوليات الطائفية) والتي تحولت من النسق اللاهوتي الى النسق السياسي متبلورة عن ذهنية دينية شمولية قوامها الرفض والابادة المستديمة للاخر.

ان الفعل الاجرائي الاول الذي يتطلب تحديده يكمن في احداث قطعية معرفية مع المصطلحات المتداولة اعلامياً ونقصد بذلك المصطلحات والتسميات التي تحمل نعتاً وحكماً ايديولوجيا وتفتقد للعلمية والرهان على انتاج معرفة موضوعية عن البنية السوسيولوجية والمجال التاريخي للمجتمع واعادة انتاج مفاهيم ومقولات محايدة لتسمية الدوائر والهويات العراقية. عبر الاجابة على سلسلة من الاسئلة.

لماذا تم تفجير اكبر خزان للاساطير الما قبل تاريخيه واعادة انتاج الظاهرة الاصولية داخل السيرورات الطائفية العراقية وتحولها الى اديان مغلقة واستنفار الطاقة التخيلية للمنظومات السياسية والسرديات الفقهية، الارث الديني، الطبقات السفلى من تركيبات الجماعات الدينية الاصولية؟ ما مدى الارتباط بين ظهور النزعات الطائفية والانبعاثات الاصولية والنصوص السياسية والدينية والايديولوجية للجماعات العراقية وقيام صدام الهويات الاصولية الدينية العراقية على تقنيات ومؤسسات وتركيبات اجتماعية واقتصادية وسياسية؟

 ماهي الاسباب التي جعلت الدولة منذ التأسيس العام 1921 تفتقد للخصائص السوسيولوجية والايديولوجية وتشكل بنيتها على المجال الطائفي الذي يخترق الجسم السياسي للدولة العراقية؟

لكون المجتمع نسق سيوسولوجي فهو منتج لخطابات دينية - سياسية ومرجعيات ايديولوجية مختلفة داخل نظام الفكر ما يتطلب كشف لعبة الخفاء الايديولوجي للحركات السياسية او النخب الدينية العراقية في اعادة انتاج الهوية الطائفية الاصولية لكونها تعبر عن البنية الاركولوجية للمجتمع العراقي في هندسة الدولة؟

هل ادت البنية الايديولوجية الطائفية لدستور 2005 دوراً في اتساع ظاهرة الحرب الاهلية والتشظي السياسي للمجتمع العراقي؟ ولعدم وضوح هوية الدولة الدينية او المدنية؟

 

 

العنف والعنف الجماعي (مقدمات نظرية)

ان اي محاولة لتعريف العنف والعنف الجماعي سواء كان ذلك في العلوم الانثربولوجية او السياسية تقع في فخ التصنيفات الغامضة والمبهمة والمشوشة ويحدد الانثربولوجي عبدالله حمودي (ان كلمة عنف تستعمل في مجالات مختلفة وعلى عدة مستويات متباينة وبحسب ستراتيجيات تعريفية متنوعة حيث ان العنف قبل كل شيء ظاهرة يصعب تعريفها بدقة سواء كان في المراجع الفلسفية او العلوم السياسية او القواميس حيث تستخدم في حقول دلالية متعددة وواسعة وكل مقاربة تعكس ادراكاً معيناً واسلوباً في التشخيص).

حيث قدمت العلوم اجوبة مختلفة حول سؤال العنف فمنذ بدايات العلوم الانثربولوجية التي جاء ميلادها مرتبطاً بالعنف (عنف التسمية والتصنيف) للمجتمعات المختلفة عن المجتمعات الاوروبية والتي اصبحت موضوعاً للخطاب الاستعماري ومع ليفي برول تم ربط العنف بالعقليات الما قبل منطقية ثم جاءت نظرية العنف البيولوجي عند كورهات في تفسير الدوافع وحاجات الانسان للطعام والنساء رغم الضعف النسبي لهذه النظرية بسبب ارتكازها على اطروحات طبيعانية جوهرية في تفسير العنف الا انها قدمت جانب من التعريف اكتمل مع نظرية التبادل لكلور ليفي شتراوس الذي حدد طبيعية الحاجات البشرية بوصفها مقننة اجتماعياً وقانونياً، ان هذه التعاريف والتصنيفات غامضة ومبهمة ومشوشة ولا تعالج مسألة العنف الجماعي وهنا يكمن الرهان على ترتيب الفاعلين ضمن توزيعات الممارسة السياسية التي تطال جماعات طائفية او دينية او قومية واندماج هذه المجموعات بايديولوجية دينية اصولية هامشية ما يجعل العنف (قابلة للتاريخ) كما يقول ماركس.

فالعنف الذي شكل الحيز الاكبر للفضاء السياسي للمجتمع العراقي خلال العام 2006 كان هيجان جماعي اصولي انفصالي محكوم بايديولوجيات دينية كليانية اسس نظامه السيمولوجي داخل تركيبات الجماعات الطائفية والنسق الثقافي. هذه الدورة اعطته القوة الدائمة على انتاج المعنى عبر عمليات التبادل بين الجماعات العراقية ولا يمكننا فهمه بوصفه ممارسة تاريخية دون قراءة التركيبات المجتمعية وتاريخ الهوية والدلالات اللغوية وشبكة العلاقات العلاماتية داخل انظمة الدين والمنظومات الايديولوجية التخيلية وآليات التكفير والتصنيف والتسمية داخل الانظمة الفكرية الطائفية مرتبطاً بالازمة التاريخية لضعف النمو البشري للمجتمعات العراقية. حيث ان سياسات العنف الجماعي في العراق العام 2006 وأمتداداتها الراهنة ادت الى خلق واقع سياسي جديد عبر ظهور (جماعات متخيلة) تستقطب الافراد والجماعات من خلال آليات التمثيل لكون المجتمع العراقي لا يتوفر على نظام ثقافي مستقر يستطيع من خلاله تنظيم العلاقات بين الجماعات الدينية والسياسية ويعطل العنف التبادلي بين المكونات والتركيبات الدينية. حيث تحول العنف في المجتمع العراقي الى (عنف بنيوي) قائم على المقدس الديني الطائفي المنغلق على رؤية عصبوية صلبة.

 

تاريخ الحقل البنيوي للهويات الطائفية

ان تفسير الاسباب التي تجعل المجتمعات البشرية بصورة عامة والمجتمع العراقي بصورة خاصة يعاني من استقرارات مؤقتة منذ نشوء الدولة الوطنية العراقية الحديثة العام 1921 يعتمد على توافقات نظام البنى الاجتماعية والجماعات الفاعلة والانساق الايديولوجية حيث ان ظهور الدولة العراقية في اعقاب الحرب العالمية الاولى شكل انتقاله نوعية لمجتمع يعاني من هيمنة المؤسسات اللاهوتية والتشرذم الطائفي والقبلي لبناء دولة مجتمع حيث تم جمع خليط من القوميات والاثنيات والطوائف لها تاريخها الخاص وانساقها الثقافية والايديولوجية وذاكرتها السياسية والجماعية والاسطورية وشخصياتها الكارزمية في كيان دولة سياسية مركزية والتي هي نتاج نمط الهيمنة الكولونيالية البريطانية واستجابة لحقل التصورات الثقافية والاجتماعية والسياسية المهيمنة في المجتمع العراقي انذاك، فقد تم (استيراد الملك فيصل الاول) وتعينه لحكم العراق في حين تكونت الجماعات التي اسهمت في تأسيس الدولة العراقية من شيوخ القبائل العربية والاغوات الاكراد وكبار التجار والضباط الاشراف السابقين في الجيش العثماني. استطاع هذا التحالف التقليدي (استبعاد تمثيل الطائفية الشيعية من حقل الدولة). البقاء في السلطة السياسية حتى العام 1958 مشكلاً (نخبة سياسية) في المرحلة الملكية الدستورية وقد تم استخدام الجيش لضمان وحدة الدولة المركزية عن طريق القوة والدمج القسري للجماعات الاثنية والقومية والطائفية وتذويب الخصائص القومية والثقافية لهذه المجموعات، خالقة تعارضاً بين الهوية المركزية للدولة العراقية وتعدد الهويات داخل المجتمع الحافل بالتنوع والتعدد، في حقبة الخمسينيات وخاصة بعد وصول النخبة التقليدية العراقية الى (أزمة مستديمة) نتيجة عوامل موضوعية متعددة أدت الى تقارب الجماعات السياسية المعارضة وتبلور جبهة الاتحاد الوطني والتي لعبت دوراً في وصول المؤسسة العسكرية الراديكالية الى السلطة العام 1958 ولعدم امتلاك هذه المؤسسة نسقاً، ايديولوجيا واضحاً او مشروعاً اقتصادياً/ سياسياً تحولت هذه الجماعات من الضباط العسكريين الى بؤرة ازمات مستديمة وتعطيل الدستور وانهيار جبهة الاتحاد الوطني واندلاع الصراعات السياسية، حتى مجيء انقلاب 1963- 1968 ليبلور تاريخية الدولة الشمولية القومية، اذ استطاع حزب البعث العراقي الهيمنة على السلطة السياسية في تشكيلة اجتماعية - اقتصادية مفككة ونظام الدولة يقوم على احتكار السلطة للزعامات الفردية ونمو العنف السياسي.

امام هذا النسق التاريخي للمجتمع العراقي، بدأت الدولة القومية بقيادة البعث العراقي بتخطي الشكل التقليدي وصياغة تشكيلة جديدة تتطامن مع التأطيرات القانونية والوظائفية للدولة البعثية. حيث تم دمج مؤسسات الحزب والدولة في كيان واحد يرمز الى الهوية السياسية ومع انهيار الزعامة القومية الناصرية وارتفاع اسعار البترول العام 1973 نتيجة ازمة الطاقة، تمكنة الدولة البعثية العراقية من صناعة نظام مركزي صارم يستند الى شبكة معقدة من نظام القرابات والروابط القبلية والجيش ومؤسسات الشرطة والامن الوطني والدمج القسري للهويات الفرعية.

استطاع هذا النموذج للدولة في صوره الاولية ان يحقق الهيمنة والسيطرة الشاملة على المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية وتنفيذ سلسلة من الاجراءات حسبت من قبل اليسار العراقي بوصفها المسار الحقيقي للاشتراكية (الاصلاح الزراعي. تأميم الثروات الريعية).

وبسبب ازمة التكوين المجتمعي للمجتمع العراقي منذ عشرينيات القرن الماضي لم تستطع الجماعات العراقية ان تبلور تنظيماً مؤسساتياً سياسياً قادراً على تحجيم الدولة الشمولية القومية فضلاً عن قوة الدولة الريعية وهشاشة الطبقة الوسطى العراقية وعدم وضوحها الفكري، اتسعت الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية للدولة الفاشية العراقية ونمو النزاعات العدوانية العسكرية واستخدام سياسة الاقصاء والاستبعاد للتنوعات الثقافية واحتكار السلطة.

بعد انهيار الكتلة السوفييتية دخلت الدولة الوطنية العراقية في الطور الاخير من ازماتها الدورية وخاصة بعد تبلور ايديولوجية التوسع الرأسمالي النيوليبرالي، اذ تم تفكيك الدولة العراقية العام 2003 وبداية عصر الهيمنة المركزية للسلطة السياسية.

 

أزمة التأسيس

يطرح الملك فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية الحديثة (1885- 1933) في مذكرة سرية العام 1932 (لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من اية فكرة وطنية متشبعة بتقاليد واباطيل دينية لا يجمع بينهم جامعة) ويرى ان البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها اهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية (الوحدة الفكرية والملية والدينية).

وعلى الرغم من محاولات النخب الملكية العراقية تجاوز هذه المشكلة عبر اشراك العناصر غير العربية في قيادة الدولة العراقية الا انها فشلت في خلق هوية عراقية مشتركة وذلك لسببين كما يحدد ذلك سليم مطر في (الذات الجريحة).

1. تداخل المشكلة القومية مع المشكلة الطائفية والدينية لان النخبة الملكية ورثت عن الدولة العثمانية مشكلة التكوين الطائفي للنخب الحاكمة، فلم يكن هدف النخب الملكية توحيد مختلف العناصر العراقية على اساس التنوع اللغوي او الاقليمي بل على اساس التكوين الطائفي ما ادى الى عزل العناصر الشيعية والتركمانية والكردية (الفيلية) وقد استمرت آليات العزل السياسي في عصر الجمهوريات العسكرتارية.

2. بروز تيار قومي (الحركة القومية العربية) منذ الخمسينيات واستحواذه على السلطة السياسية منذ ستينيات القرن الماضي لذا مارس سياسة عنصرية ضد الاقوام غير العربية (الكرد، التركمان، الاشوريين، الايزيدية، المسحيين السريان).

حيث ان العراق لا يمثل حالة منفردة من حيث التنوع القومي او الطائفي او الاثني وهو اقل تنوع من امم اخرى اضافة الى ذلك ان التماثلات اللغوية او العرقية او الدينية او الطائفية لا تقدم عبر ذاتها ضمانات لوحدة دولة ما واستمرارها. الذي حصل في العراق هو عدم توفر الاشتراطات التاريخية لقيام دولة حديثة وهذه المسألة لا تكمن في التكوينات الاجتماعية او انها دولة نشأت عبر تأثيرات سياسية او كونها حديثة التكوين وانما المسألة وجود ازمة بنيوية سياسية نشأت مع وصول المؤسسة العسكرية الى السلطة السياسية وتفاقمت مع صعود انقلاب العام 1968 ذي الابعاد التهميشية القومية الفاشية (تهميش العرب الشيعة والتركمان والاشوريين والايزيدية والعرب السنة من المنحدرات الحضرية، الموصل، بغداد، البصرة).

ان ظهور هذه الدولة القومية الشمولية في احد اطوار التاريخ السياسي للعراق نتيجة لازمة تشكيل نظام البنى التاريخية ومحيط جغرافي سياسي ضاغط اضافة الى ازمات اليسار العراقي التقليدي وعدم تكون الطبقة البرجوازية الوطنية وصعود الفئات الريفية بايديولوجيتها القومية الرثة والتي تتسم بالنزاعات الشوفينية. انتج بناء دولة توتاليتارية تلغي الاختلاف والتعدد والتنوع القومي والاثني والطائفي وتمارس العنف والاقصاء للجماعات المختلفة (الدينية والسياسية).

هذه الدولة ولدت من رحم الوسط العلماني القومي، تقوم بنيتها على حاكمية الحزب الواحد والاستبداد والتفرد واحتكار آليات العنف وايديولوجية قومية ومؤسسات العشيرة (ما قبل الدولة).

بعد العام 2003 وانهيار الدولة الكلياتية كشف المجتمع العراقي عن انقساماته الانثروبو - ثقافية لعدم توفر عناصر الادماج والتوحيد السوسيولوجي - السياسي في بنية المجتمع وقيام الدولة عبر التاريخية العراقية بضخ الاوهام والاساطير الخرافية والوعي الزائف.

الاصولية الطائفية، احتكار الهوية، انتاج السلطة

الاصولية هي الصفة الاكثر جذرية للراديكالية السياسية واداة رمزية احيائية للطائفية الدينية معادية للنزعات الحداثية وتؤسس ذاتها على التنافر مع العالم الخارجي ويرى العفيف الاخضر ان الاصولية تمثل الهوس بالنقاوة - نقاوة العرق ونقاوة الهوية ونقاوة اللسان ونقاوة الطائفة ورهاب من التطور هذه النقاوة تحدد النسق الايديولوجي للاصولية التي تمثل احد التجليات الاكثر بروز للعناصر الفاشية في الثقافة الاسلامية بشكل عام والثقافة العراقية بشكل خاص وتعود الشروط الاجتماعية والسياسية لظهور الاصوليات في الحقل الاسلامي الى الكليانية الدينية المؤسسة على مسار غائي للتاريخ حيث تقيم فصل تام بين النصوص التأسيسية الاولية (نصوص فقهية، نصوص دينية سياسية) والتجربة التاريخية هذا الفصل والتميز يهدف الى ادانة التجربة (التجارب) التاريخية باعتبارها (خارج النصوص) وداخل هذا التميز يتم التعامل مع النصوص التأسيسية نفسها بوصفها نصوص (خارج التاريخ) اي لا تحمل في بنيتها بصمات التاريخ والثقافة واللغة والحاضن الفلسفي والمعرفي ما يؤدي الى الاعتراف ضمناً بوجود قطبية ثنائية ميتافيزيقية بين الاسلام المتجوهر في طرف وتحولات الواقعية الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية في طرف اخر، هذه الفرضية تشكل حجر الزاوية للاصولية الطوباوية الاسلامية وخاصة في الدلالات الابستمولوجية حيث تكشف ان الاسلام ينأى عن جميع الاستخدامات الايديولوجية والتوظيفات السياسية وان التعدد في البراكيس السياسي والقراءات يعتبر تحريف وان التطبيقات المتحققة لا تلتقي مع جوهر الاسلام ولا تعبر عنه. وان الاسلام ليس هو التموضعات الفعلية والتجسيدات الملموسة وانما اليوتوبيا اي تلك الاسلامية المثالية المتعالية التي لم تتحقق في الواقع وان الرهان على تحققها ضرب من التفكير الطوباوي.

اندماج الاصولية الدينية بالطائفية السياسية التي تؤسس بنيتها على مجموعة من الاعراف والتقاليد واشكال التواصل بين الذوات تشكل جزء من النسق السياسي العراقي بعد عام 2003.

حيث تقوم المؤسسة الطائفية الاصولية النسقية على التعارضات الثنائية التي ترسخ الفصل والافتراق الجذري بين الطوائف وهي تعتمد على اعادة انتاج التعارضات باستمرار وتقيم نسقاً ايديولوجيا مغلق ونظام صارم من قواعد وآليات التكفير والمقدس والمدنس ومقولات وبناءات فقهية وفكرية واشكاليات تاريخ الطوائف. ما جعل الطائفية الاصولية العراقية تشكل احد الادوات الاستيهامية في بناء الهوية داخل التكوينات المجتمعية الطائفية السياسية لتأسيس سلطة سياسية وتحديدات الذات واحتكار المجال التيولوجي والانظمة الدلالية.

وبسبب غياب التصورات الهرمية داخل بنية المجتمع العراقي برزت المجموعات الاصولية والتجمعات الطائفية واصبحت محور العلاقات والهيمنة للدمج بين ايقونتين (السياسة/ الدين) واعادة انتاج التمايزات الثقافية وتشكيل نسخ الحقيقة عبر مجال القوى والممارسة الانتوغرافية والمعتقدات الدينية.

عبر المتخيل الطائفي الاصولي الذي هو اداة رئيسية في تعيين الهويات والتمثيلات الثقافية واخذت نسق بنيوي وجماعي يقوم على الاجتماع الثقافي العصباني.

فالخطاب الاصولي الطائفي في العراق أسس مشروعيته على انتاج تصنيفات تاريخية وثقافية ودينية مندمجة بالارضية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مبلور نموذج بنيوي تركيبي تبادلي داخل حقل الثقافات التداولية الشعبوية وهي انتاج افرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الاول للثقافة وتاريخ التمركزات البيطرياركية.

فان صدام الهويات الطائفية العراقية بعد تفجيرات القبة العسكرية يؤشر الى سيادة الرؤية اللاعقلانية الاقصائية التي تسعى الى تقويض التنويعات الدينية لمصالح خطاب ميتافيزيقي يقوم على الاستبعاد التيولوجي المتبادل في التصنيف ويحمي الجماعات السياسية من عمليات الاعتراض عليها بأضافة كاريزم مقدس.

 

مسألة الهوية

توصف الهوية بأنها معطى تاريخي وليست معطى مقدس او مطلقاً وهي كأي منظومة تاريخية عرضة للمراجعة النقدية، يكتسبها الفرد عبر الممارسة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية داخل حقل مجتمعي وتقدم العلوم السياسية اضاءات مهمة نحو فعالية الهوية في العالم المعاصر واكتشاف حضورها في قلب مناطق النزاعات العالمية، تمتد من البلقان والقوقاز الى قلب افريقيا السوداء ومنطقة الشرق الاوسط والعراق بالذات.

اذ يوصف التنوع الهوياتي للمجتمعات الحديثة بانه جزء من الثراء الثقافي واللغوي والسكاني ولكن عندما يستجيب لمحفزات التشظي والانقسام والصراع والتمركز يصبح احد مولدات العنف الهوياتي كما هو حال التجربة العراقية اذ تطرح الحركات السياسية العراقية مفهوم الهوية كمعطى مقدس خارج الحقل التاريخي المجتمعي، غير قابل للجدل او المراجعة او التحول.

لذا فان الهوية الجماعية لاي مجتمع هي تراكمات وبنى واديان وطوائف وملل وقوميات تتشكل عبر تمرحل تاريخي تنصهر داخل اتونها العناصر والقيم اللغوية والاجتماعية والاثنية والاقتصادية والثقافية، عبر الاعتراف المتبادل والشراكة، في حين اية قراءة متعمقة لتاريخية المجتمع العراقي الحديث. نكتشف عن هشاشة الهوية العراقية وعدم طرح ماهية الاديان والطوائف والمذاهب والجماعات اللغوية التي تكون منها المجتمع العراقي على طاولة التداولات النقدية، وتم وضع هذه المسألة في حقل المحرمات ما ادى الى تحول هذه الجماعات الى طوائف واقوام وملل واثنيات مغلقة تبلور تمثيلات وصور نمطية تبادلية بعضها عن البعض وتركيبات اسطورية، احتقارية رسمت عبر التربية والتثقيف والسرديات الدينية الفقهية والمدونات الثقافية، اضافة الى الانقسامات السياسية والصراع بشأن السلطة السياسية، التي لعبت ادواراً مهمة في التشهير او الحط من قيم وعادات الجماعات الاخرى، ولو تساءلنا عن حجم المعرفة التي تمتلكها الجماعات الشيعية ازاء الجماعات السنية العراقية او ازاء الجماعات الايزيدية او الصابئية او المسيحية السريانية، او الاثورية او بعضها لبعض لوجدنا انها معرفة هشة وتتسم بالعدوانية والعنصرية والتشويه الذاتي.

تحتوي داخلها على عناصر الصراع السياسي والديني حول الثروات/ السلطة الرمزية/ السلطة المادية ونتيجة للتركيبات الديمغرافية للمجتمع العراقي تبلورت مجموعة مكونات تتمركز حول هويات (اثنية، قومية، دينية) وهي صياغات لتمثيلات (الحيز السياسي) داخل هشاشة التكوينات العراقية حيث اعتمد (النسق المقدس) كحقل شائك ومعقد.

لذا فان هوية الجماعات الشيعية، نتاج للقوى الثقافية والدينية والاضطهاد التاريخي والشعائري والاقصاء عن الانظمة الفكرية الاسلامية، اضافة الى تراكم منظومة الرأسمال الرمزي والتي تبلورت عبر حقل التاريخ، فهي تمثل هوية جوهرية، متجوهر، تفتقد للتشكيلات الاندماجية بسبب الصراعات بشأن (المواقع والهيمنة في السوق الرمزي) هذه الهوية تقوم على مخزونات ضخمة من الاستيهامات الذاتية والجماعية والوعي الاغترابي والتمزق ويعود الى الظهور الدوري لشخصيات ورموز كارزمية في وعي الفاعلين الاجتماعيين السياسيين وتقوم على بنية مؤسساتية الى طاقم ديني قادر على انتاج وعي معين للاتباع في حين لم تتشكل هوية الجماعات السنية الا تحت وطأة الصراعات السياسية الحديثة. لذا سادت الرؤية اللاعقلانية وتخلف سردياتها السياسية والايديولوجية والدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي ذي بنية اقصائية يسعى الى تقويض التنوعات الثقافية العراقية اضافة الى افتقارها الى بنية صلبة. حيث ان هذا الصدام بين الهويات داخل المكون العراقي (صدام الهويات الاصولية) صياغات سياسية مخترعة لاحداث التفكك والاضمحلال في حقل التاريخ.

ويطرح حنا بطاطو فرضيته في غاية الاهمية حيث يقول: ان التوجهات القومية للدولة في حقبة ما قبل البعث استطاعت ان تتعايش مع الولاءات القديمة (الولاءات الطائفية والقومية والدينية..) انذاك وتعمل على تآكل وتفتيت تلك الولاءات.

هذه الفرضية اثبتت عقمها في تاريخية الدولة العراقية الحديثة خلال اصطدامها مع مفهوم العصرنة واعادة بناء الامة - الدولة، سواء كان ذلك في حقبة الجمهوريات او الدولة الفاشية البدوية.

وقد تحولت مجموعة الهويات العراقية الى تركيبات سرمدية متجوهرة وحقل صراعات دورية وصدام بسبب انهيار المشروع الليبرالي العقلاني ونمو الاصوليات الدينية والنزاعات الطائفية ورافق هذا الفشل انبعاث الهويات الفرعية لا سيما بين الجماعات العراقية وهو يمثل هزيمة سوسيولوجية للدولة، الثقافية، حيث جرى الدمج القسري بين الدين/ السياسية وتحول السياسية الى حقل مقدس والامتثال الى دين الطائفة عبر انشاء بنية مؤسساتية ذات نزعة عسكرية محاربة داخل الاديان الطائفية.

 

اللعبة الفسيفسائية المغلقة (ظهور الدين الطائفي)

يحدد جوردن ان الدين شكل ايديولوجي يشتق زحمة الجوهري من الاجوبة التي يعطيها على الاسئلة الوجودية حول الشروط الانسانية ومعنى الحياة وتحليله للاصول التاريخية والنظام الطبيعي والحوادث والوجود الموضوعي للجماعات والافراد داخل حقل التاريخ.

وتتضح قضيتين عامتين تتصلان بتحديد بنية المنظومة الدينية.

القضية الاولى: تاريخية اي شكل ايديولوجي (الدين احد الاشكال) من البروز والتمفصل مع ايديولوجيات اخرى.

القضية الثانية: مادية كل ايديولوجية، الايديولوجيات تعمل في رحم مادي من التأكيدات والاجراءات وهذا الرحم يحدد علاقاتها فيما بينها حيث ان نشاطها محاصر بالمعنى ولكل ايديولوجية (الدين) نوع من الوجود المادي.

ويمشل الدين احد المتغيرات الاساسية في المجتمع البشري وخاصة في المجتمعات المتعددة الاديان يبرز هذا المتغير كأحد معايير التباين بين الجماعات حيث ان التنوع الديني في المجتمع لا يكتسب اهمية سياسية الا اذا تداخل في عمليات تنافس او تنازع او صراع في مجالات القيم او الثروة او السلطة وهنا يبرز الفرق بين مفهومين للاديان:

 المفهوم الاول: يشير الى التنوع السوسيولوجي في المعتقدات والممارسات الدينية.

المفهوم الثاني: استخدام الدين لممارسات سياسية واقتصادية وثقافية لاغراض الهيمنة ويحتوي هذا المفهوم على سلسلة من التصنيفات المعرفية والمؤسساتية وانظمة القيم.

فالموقع الديني السياسي للجماعات الشيعية اخذ صفة معارضة مستديمة لجماعات سنية مركزية تأقلمت مع تخطيطات هوية الدولة ووظفت المكتشفات الايديولوجية في التجربة التاريخية، هذه الوضعية التاريخية فرضت على الجماعات الشيعية البحث عن تعويضات خارج التاريخ الواقعي العياني والذي هو ليس مجال تاريخ الدين الشيعي او وجوده الموضوعي وانما هو تاريخ جماعات افتراضية اخذت تحذف عناصر هذا التاريخ وتحيلة الى دلالات ومعنى وميثولوجيات وسلطة اسطورة وفي صيغ مستديمة بهذا النسق المزخرف حيث استطاع الدين الشيعي ايجاد مخرجاً تعويضياً معبر عن رفض الدولة والانسحاب الكلي من المشاركة السياسية خوفاً على قداسة الاسطورة من الدنس الايديولوجي فضلاً عن ذلك كان الدين الشيعي يعاني من الطرد المستمر خارج التاريخ امتداداً من عصر الفقهاء حتى عصر الفتاوى المعاصرة والاحاديث السياسية التي تتخذ مفهوم الروافض والولاءات المزدوجة السياسية والدينية موضوعاً لها وقد عبر هذا الدين عن ضرب من الطوباوية لكونه مهمش خارج حقل الممارسات التاريخية.

هنا نصل الى تأطيرات معرفية لمفهوم الدين الشيعي/ الدين السني فقد تشكلت هذه الاديان عبر التاريخية الاسلامية كجماعات سياسية اولاً لها انظمتها الفقهية ومعتقداتها الخاصة وتمايزاتها في شبكة الرموز والكاريزمات والتفرعات اللاهوتية والصور الدينية والمنظومات المقدسة الاساسية والمقولات الايديولوجية المطلقة.

وقد شكل المجال الجيويولتسكي العراقي مجال واسع لانتاج واعادة انتاج تراكمات الرأسمال الاصولي داخل الاديان (سني/ شيعي) عبر احلال مشاريع وهمية ثقافوية سلفية محدد الافاق. وبناءات مثيولوجية يقوم لاهوتها السياسي على نظام مستند لتأويل العالم كنموذج نهائي. نظام مغلق يتسلح دائماً بأدوات المناعة ضد قرارات الواقع الاجتماعي وتصورات اصولية. ويعود هذا الظهور (الاديان الاصولية الطائفية) الى اسباب متعددة.

اولاً: وجود مخزون تاريخي ضخم قائم على تمثيلات تاريخية ودينية او يتم اختراعها في حالة عدم وجودها وانغلاق هذه الجماعات على بنية معرفية اضافة الى وجود ايديولوجيات خلافية.

ثانياً: ازمة الهوية التي تعصف بالمجتمعات المتحولة تاريخياً ووقوع المجتمع بين هويتين التباسيتسين هوية سياسية لم تتبلور وهوية دينية متكونة ومتبلورة قادرة على اعادة انتاج نظام الفروقات.

ثالثاً: توظيف الرأسمالي الرمزي للجماعات الدينية (الافكار، العقائد، التقاليد) التي تشكل محرك للتوترات المستديمة واحتكار الحقيقة السياسية والدينية والتحول الذي يصاحب بنية الطوائف الدينية وتحولها من هويات فرعية الى مؤسسات دينية متكاملة.

رابعاً: ان كل جماعة دينية (شيعية/ سنية) اخذت تشكل سردياتها الانثربولوجية المتكاملة وكتلة المفاهيم والمقولات.

 

(المجال السياسي) كفضاء للحرب الاهلية

يطرح المفكر فالح عبدالجبار موضوعين اساسيين عن الولاءات والحراك السياسي داخل بنية المجتمع العراقي:

الموضوع الاول: تعتمد الولاءات والحراك السياسي على ما يسميه علماء الاجتماع (التفكير النمطي) المؤلف من جملة قوالب جاهزة، يقينية، مقطوعة في الاغلب عن الواقع تخلط خلط عشوائي بين تخيلات وتحيزات وتشوهات فكرية متعددة المشارب.

الموضوع الثاني: يعتمد الحراك السياسي عن الولاءات التقليدية الطائفية، العشيرة، الزعيم السياسي او القبلي.

حيث ان الهويات الطوائفية والقومية والاثنية وبحثها المستمر عن مكان لها في الحقل السياسي، يكشف ارتهان السياسية العراقية او الطبقة السياسية بحقائق التركيبة السوسيولوجية الرثة للمجتمع العراقي، حيث وقع منتجو الخطاب السياسي العراقي في (الوهم الايديولوجي) القائل بان تماثل الدولة والمؤسسات التمثيلية مع تركيبة هويات المجتمع لكون هذه التركيبة تمثل اصالة المجتمع التخيلي والمخترع سياسياً من قبل هذه الجماعات.

لذا يفتقد الخطاب السياسي العراقي منذ 2005 الى آليات من التمركز والثبات حول نواة صلبة في الهوية السياسية اذ تسود شبكة من الهويات الفرعية والتفرد في المخيلة الايديولوجية وانبعاث الطوائف والقوميات والاثنيات، ادى الى تعميق الانقسامات المذهبية والمجتمعية وكشف عن شعبية الحركات الاسلامية الراديكالية السياسية مقابل ضعف شديد للتيارات الليبرالية والعلمانية وازمة تأسيسية لحركات التنوير تعود هذه المسألة الى التشظي الشديد للمرجعيات السياسية والفكرية للجماعات العراقية، تتراوح بين التعايش والنزاع نتيجة للعنف والقهر المنظم الذي مارسته الدولة التوتاليتارية منذ ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع العراقي.

لذا فان هذه الجماعات الفسيفسائية تبحث عن اساطير مرجعية او خرافات سياسية وطقوس لاستعادة رأسمالها الرمزي الذي امتصته الدولة الشمولية القومانية العراقية، فقد تم بناء الدولة العراقية الحديثة ما بعد العام 2003 وفقاً لمفاتيح (اثني/ ديني) وابعاد كامل للقوى الاجتماعية والسياسية هذه التركيبة ادت الى (اثننة السياسة العراقية) واشتغال نمط من الترابطات البنيوية الاساسية تمثل نقيض كامل لبلورة هوية وطنية جماعوية عراقية.

فقد تم استبدال الديمقراطية التمثيلية بالديمقراطية التوافقية واعتماد المحاصصة الطائفية والعرقية والتي تمثل تجاوز على اهم تأسيسات الدولة الحديثة التي توصف كحاضنة لكل المواطنين وتعطل الحراك السياسي واستبدال الممارسات السياسية بالعنف.

ما ادت الى تفعيل الفوارق الثقافية او اللغوية والدينية بين الجماعات العراقية ودفعت هذه الجماعات الى البحث عن التمايزات والرأسمال الرمزي وبناء كانتونات طائفية تصل الى حد تفكك بنية الدولة وقد ظهرت هذه التمزقات ابان العنف الجماعي في عام 2006 والذي اشرت الى نهاية التاريخ لمقولة الدولة، وتأسيس انماط جديدة من العلاقات الموغلة في تركيبات بنيوية معقدة سياسياُ واقتصادياً ودينياً وصراع نجد اساسياته في الهيمنة على السلطة السياسية والمجال الديمغرافي بين الجماعات الشيعية الاصولية والجماعات السنية الاصولية حيث ان الاصولية السنية تكرس ذاتها على التمزق الرمزي والخروج التام من التاريخ وتجعل منه خطوط تماس مع الجماعات الشيعية الاصولية.

والوقوع في فخ الوهم السياسي الذي يتم انتاجه داخل المتخيل الايديولوجي في الاصالة، التفرد، الهيمنة المستديمة التمامي والاستحواذ على الممتلكات الارضية والرمزية من خلال هويات دينية جماعية مضادة لحركة التاريخ.

في حين الجماعات الشيعية الاصولية تستخدم الديمقراطية للهيمنة وتاريخية الاقصاء من حقل السلطة والثروات والحيز المعرفي داخل الايديولوجية الارثوذوكسية الاسلامية ويعود هذا العنف الجماعي داخل التكوينات العراقية الى تفكك الطبقات الاجتماعية وظهور الدين كممارسة سياسية وبروز الطبقات السفلى في التركيبات السياسية وهيمنتها على مسرح التاريخ.

حيث ان العلاقات تقوم بين الجماعتين على الاستبعاد التيولوجي والسياسي وقد شكلت هذه المسألة مجالاً واسع لانتاج الهيجان الجماعية ضد (أخروية) الاخر وعدم الاعتراف بوجوده الموضوعي والتاريخي، عبر تصميم اسطورة الثقافة والعرق وخلق هويات تمايز دينية وخليط مثير للدهشة من الاحكام المسبقة بصدد تشييد وتصميم نظام من التصنيفات اللاعقلانية ذات النزعات الفاشية.

 

اعلان الحرب الاهلية

يرى د. فروريك معتوق ان المعادلة الاساسية التي تطرحها عادة الحرب الاهلية معادلة مثلثة الزوايا من ناحية اولى هناك دولة قد تكون قائمة على التعايش او ضعيفة قائمة على الديمقراطية البسيطة ولكنهما بالضرورة وفي جميع الاحوال دولة وفاقية قائمة على اتفاق نصي او شفوي بين جماعاتها السياسية ومن ناحية ثانية هناك معارضة مسلحة وميليشيات تقوم ضمن الدولة ولكن ضدها على اساس انها تجمعات سياسية وحزبية متمايزة بعضها عن بعض بايديولوجية عدوانية ومن ناحية ثالثة هناك المجتمع المدني الذي يتسم بالضعف.

ويعتبر العنصر الايديولوجي (الديني/ الطائفي) الا العنصر الاقتصادي هو الاساس والذي يتصدر قائمة الثوابت في النزعات البشرية كما يلاحظ مايكل مان فمن دون ايديولوجيا مسلحة لا وجود لحرب اهلية فمن خلال هذه الايديولوجيا تستطيع الحرب الدخول الى النسيج الاجتماعي والهويات الجماعية وهواجس الجماعات وقد يكون العنصر الاقتصادي محرك حقيقي للنزعات الاهلية ولكن الخلاف في المصالح الاقتصادية لا يصبح مجالاً منفجر للحرب الاهلية الا بعد اقترانه بالخلاف الايديولوجي.

حيث شكل تجذر الولاءات الطائفية والدينية في النموذج العراقي بعد العام 2003 نمط من التشظي في الخطوط العرقية والمذهبية وتم استخدام هذه الانقسامات في الهويات الطائفية/ الدينية كأداة حشد وتعبئة سياسية.

ويحدد فالح عبدالجبار ان ما يدور في العراق عقب تفجير القبة العسكرية هو حرب اهلية مصغرة تقوم بها قوى اصولية سياسية من اجل اعادة التوازن كجزء من ستراتيجية تهدف الى تقويض المجتمع وتستهدف الاهداف المدنية (شيعي في منطقة سنية يقتل او يطرد وبالعكس) وانتشار خطاب التكفير المؤسساتي داخل الاطر الثقافية العراقية.

 

ديناميكية التطهير

الحرب الاهلية في العراق 2006 وامتداداتها الحالية المنتشرة قامت على حرب مدن الكلاسيكية وبالذات في مدينة بغداد والمدن المحيطة بالعاصمة حيث تم اللجوء الى الاغتيالات من اجل افراغ المناطق المختلطة من السكان والتركيز على رجال الاعمال والتجار والشخصيات الاجتماعية كجزء من محاولة منهجية لخلخلة النسيج الاجتماعي وطبقاً لدراسة اجرتها مجموعة الازمات الدولية.

ان الجماعات الشيعية قد وسعت من سيطرتها على اجزاء هامة من العاصمة ذات الكثافة السكانية الشيعية عبر تجنيد السكان المحليين وبالذات في مدينة الصدر، الشعب، حي سومر، عدن في الشمال الشرقي والشعلة والحرية والاسكان والوشاش في الشمال وحي الجهاد وابو تشير وحي المعرفة في الجنوب الغربي والزعفرانية في الجنوب الشرقي والفضيلية والمشتل وحي الخنساء اضافة الى منطقة الامين في الشرق والكاظمية والعطيفية الى الشمال وبغداد الجديدة الى الشرق وقد بقيت بضعة جيوب كمعاقل للجماعات السنية هي الاعظمية شمالاً والشماسية وصليخ والعامرية والغزالية وحي الدور جنوباً حيث جرى تحول داخل الجماعتين من العمل المؤسساتي الى العنف المعمم ما اوجد تبلور وترسيخ كتل اصولية طائفية مسلحة تفتقر للضبط وتتغذى على الطبقة الاجتماعية الرابعة (الفئات والمجموعات الهامشية والرثة والطبقات السفلى من تركيبات المجتمع العراقي ممتزجة بايديولوجية راديكالية طوباوية جذرية).

فقد تم تهجير 1.5 مليون شخص وفقاً للتقييم والمتابعة التي قامت بها المنظمة الدولية للهجرة وقد نزح هؤلاء الاشخاص من مناطق دينية مختلطة الى مجتمعات متجانسة حيث جرى تحرك الشيعة من الوسط الى الجنوب اما بالنسبة للسنة فقد تم التحرك من الجنوب الى الوسط العلوي هذه التحركات السكانية الضخمة سوف تحمل اثار طويلة الامد من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويشكل الشيعة 64% من نسبة النزوح فيما يشكل السنة 28% وتعود اسباب النزوح الى العنف المسلح والخوف من التهديدات الشخصية والتصفيات والاغتيالات والنشاطات ذات الطبيعة الاجرامية المحلية والخطف، ان ايديولوجية التطهير هي احد تقنيات الحرب الاهلية حيث تجري عملية قتل وتهجير المدنيين بصورة منهجية، منظمة وهي تعود الى التماهي بين هوية دينية وانغلاق اجتماعي لانشاء مناطق منسجمة سياسياً ودينياً.

هذه العمليات القسرية تنطوي على اغراض تتلخص بمحاولة تصنيع خطوط تماس طائفية تعزل بنية المجتمع وفق هويات دينية حيث شكلت مناطق شرق قناة الجيش في جانب الرصافة خط تماس اساسي وهناك محاولات لدفع هذا الخط غرباً نحو نهر دجلة وسط بغداد اما بالنسبة للكرخ والتي هي على تماس مباشر مع محيط بغداد الغربي والتي يراد لها ان تكون صافية طائفياً لصالح السنة. فضلاً عن خطوط تماس خارج العاصمة لتكون امتداد ستراتيجيا للخطوط الداخلية حيث تم زج (المجال المدني) في عمليات القتل الجماعي عبر استخدام السيارات المفخخة والعبوات وقذائف الهاون وقد بلغت السيارات المفخخة اكثر من 4000 عملية تفجير يرافقها اعدامات جماعية. وكانت التفجيرات الاكثر شيوعاً استهداف تجمعات المصلين والاحتفالات الدينية، والقتل على الهوية وبالذات في الطرق التي تصل الى المدن المقدسة.

وبلغت عمليات القتل حسب احصائيات المجلة الطبية البريطانية 650 الف قتيل عراقي اضافة الى قتل 250 اكاديمي عراقي واختفاء المئات من هؤلاء الاكاديميين بسبب التهديدات والهجرة الواسعة الى خارج العراق وهي عمليات منظمة وذات دوافع دينية تتداخل مع ستراتيجية الحرب الاهلية.

 

المزيد من الاخبار

  الخطاب الاعلامي وصحافة المجتمع المدني (خاص لمدارك)

  لجنة الثقافة والاعلام في البرلمان العراقي (خاص لمدارك)

  الاطر الدستورية والقانونية للهيئات المستقلة (خاص لمدارك)

  دور البرلمان في مكافحة الفساد (خاص لمدارك)

  المحاصصة في مجلس النواب... (علاقات الخوف) - خاص لمدارك

  الإرهاب .. وتكنولوجيا المعلومات(خاص لمدارك)

  رؤية إسلامية لثنائية الإنسان والعنف (خاص لمدارك)

  العنف السياسي (خاص لمدارك)

  العنف .. معالجة سيكولوجية (خاص لمدارك)

  أثر العنف في الفن التشكيلي (خاص لمدارك)

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...