المرصد النيابي العراقي
التصويت
هل التقنيات المستخدمة في موقع مؤسسة مدارك مقبولة ؟
 نعم
 كلا
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 1
عدد زوار اليوم : 28
عدد زوار أمس : 35
عدد الزوار الكلي : 8604
تفاصيل الخبر

العنف السياسي (خاص لمدارك)

2011-09-26


 العنف السياسي

 

شهاب أحمد الفضلي

 

مقدمة:

يعد العنف أحد السمات البارزة في حياة الانسانية، فما من حضارة، او شعب، او جماعة،...الخ، لا تمارسها ولكن باختلافات تعتمد جملة من العوامل، وطبيعة تلك المجتمعات، ودرجة تطورها الحضاري، وقدرتها على تطوير آليات تمكن من فظ نزاعاتها قبل وصولها الى درجة التصادم. فاذا كان العنف هو (عدم تطابق مصالح طرفين) وسعى كل منهما الى قمع الاخر معنويا وماديا وهزيمته. فان هذه التناقضية في القرن العشرين كان نتيجتها حربين عالميتين و 200 حرب اقليمية كبيرة ونواع محلي، واعمال ارهابية ونزاع مسلح على السلطة وجرائم قتل وانتحار راح ضحيتها، اكثر من 300 مليون نسمة(1).

لذا فان اول ما يتبادر الى الذهن ما الذي ينتج العنف؟ هناك من يعلق وبطريقة مطلقة، ان البيئة الثقافية لمجتمع ما هي القاعدة المادية التي تقوم عليها عقلية العنف، والآخر، يجد ان بالامكان الانطلاق من فرضيات تمكن من قرارة الواقع الموضوعي بميادينه المختلفة، بشتى اشكال العنف، من جهة، ومؤسسات الضبط الاجتماعي من جهة اخرى. وفي تقديرنا، يشكل التفسير الاول شكلا مألوفا في العلوم الاجتماعية والسياسية، فضلا عن هيمنته بشكل واسع لدى الكثير كونه يفسر العنف بتعابير اجتماعية وسياسية تبسيطية، لا تكف عن الاستعارة لدى منظريه. عليه، فاننا نميل الى الاخذ بالجانب الاخر الذي يجعل من الواقع الموضوعي ميدان الدراسة.

ان مشكلة التناقضية بين المجموعات، وما يتولد عنها من عنف يؤدي الى تلوث المناخ الاجتماعي، ومن ثم نسفه وصولا الى انهياره، وذلك ان ارتباطه مرهون، اساسا بمدى فاعلية مؤسسات الضبط الاجتماعي وقدرتها على صيانة الوفاق الاجتماعي وضمان استقراره، وتحويل الصراعات الدائرة الى مصلحة المجتمع. ان النظرة الماركسية المستندة الى الصراع الطبقي تبقى صحيحة حتى في المجتمع ما بعد الصناعي، لعدم قدرة  الدولة الرأسمالية بوسائلها تصريف طاقات النقمة المتنامية عن التمايز الطبقي، وسقوط نظرية نهاية الطبقات او مصالح الطبقات، كما انها ليست وليدة العصر الحديث بل قيل ذلك بكثير (فجميع الديانات العالمية، وغالبية المذاهب الفلسفية عالجت الكثير من جوانب الواقع الاجتماعي كالخداع، والقمع، والعنف، والحروب المدمرة) وما نجده ان التعاليم الدينية تقف من مشكلة العنف موقفا متناقضا، فالمسيحية مثلا دعت الى الرحمة الا انها اظهرت عدالة الانتقام والديانة الاسلامية تدعو المؤمنين الى فعل الخير، الا انها تعد محاربة المشركين واجبا مقدسا، اما الديانة الهندسية، والبوذية، فقد عالجت فكرة السلام والتسامح والمقاربة الاخلاقية على اكمل وجه (فالشر العالمي يمكن هزيمته والتغلب عليه بان يغير الانسان نفسه(2).

 

اشكال العنف السياسي

عادة ما تطلق عبارة العنف السياسي على الاعمال والممارسات التي تقوم بها الدولة او النظام السياسي، او منظمات سياسية ضد الافراد او المجموعات، متخذة اشكالا عدة، كالقتل، والضرب والاعتقال، والتنكيل،..الخ. كذلك يجري التعبير عنها بمجموعة من الممارسات، تخدم اساسا، اهدافا موجهة كطمس هوية مكون اجتماعي (حزب،  طائفة، قومية، دين..الخ). عبر ممارسات قسرية، تؤدي الى تفكيك النسيج الاجتماعي، وهي ممارسات مقصودة لتهيئة الاجواء للعنف السياسي بطرائق مباشرة، ما يسهم في تعزيز الاضطرابات الاجتماعية، وزيادة التباعد بين المكونات، وتقريبها. بالرغم من معرفتنا ان البنيات الاجتماعية تتميز باستقرار نسبي، وتواكلية عناصرها، القائمة على المشاركة. ويعود الفضل في ابراز علائقيتها  والاستدلال على خصائصها الى الماركسية بتمييزها بين المادة والفكر، اي ما بين المتوافرات المادية(*). لانجاز عمل في المجتمعات وبين عناصر البناء النفسي والتأسيسي فما نبذله من (نشاط ليس مجرد تجل لفعل الانسان العفوي كما يظن البراغمانيون، بل تفاعل الانسان الاجتماعي تفاعلا ماديا مع العالم المحسوس  يؤثر الانسان في الموضوع ويغيره وفقا للاهداف المرسومة مسبقا. ولهذا تجتمع في النشاط اهداف الانسان، وتطلعاته، ومعارفه والعالم المحسوس، اي انه يجتمع فيه المادي والمثالي)(3).

مما تقدم يتضح ان اشكال العنف في العصر الحديث، غالبا ما تقوم بها الدولة الشمولية القائمة على الواحدية المتوافرات المادية: هي الهناصر تكمل القاعدة المادية للمجتمعات المحددة بجغرافيتها، مثل المناخ، الارتفاع عن سطح البحر، والنبات، والموارد المائية...الخ. (3)السياسية، هذه الدولة ظهرت الى الوجود في القرن العشرين وخصوصا في البلدان التي ما تزال فيها السلطة السياسية ملتحمة بالسلطة الدينية، كما في كثير من بلدان آسيا وافريقيا، واميركا اللاتينية، لا سيما العالم الاسلامي والبلدان العربية..الخ، لعدم مرورها بتجربة الانظمة السياسية الوسيطة، كالممالك الدستورية، والجمهوريات الاوليغارشية عكس البلدان المتقدمة، اذ يجري الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، لذا نجد ان الحزب الواحد في هذه البلدان لم ينجح قطعا لعدم تمكنه من الحصول على القبول لدى الرأي العام. والسمة الاساس لهذه الدول وايديولوجياتها، التي تسيطر على مؤسساتها وحياتها الحزبية، انها تعتقد الممثل الشرعي والطبيعي للشعب.

 ان هذه الدولة تتوقف فيها سلسة الحراك الاجتماعي الطبيعي عكس المجتمعات الديمقراطية والمتقدمة التي نجد فيها سلسلة مستمرة من التغيرات ترافقها باستمرار تعديلات تخفف من تأثراتها في الواقع. وفي النظر الى المدد التي تقضيها دورات الوجود المجتمعي، الذي كانت الاحداث السياسية جزءا منه، نجد احد الاشكال الاساسية المعبرة عن التطور، السوسيولوجي قائم في تغير مستمر مجمل القول ان البشرية في مجرى تطور حياتي هائل هو في حقيقته، يجري نحو التاريخ في الزمن المتحرك(5).

وفي العراق كانت الاحداث والصراعات السياسية هي المحرك الاساس في دورات الوجود المجتمعي، ما جعلها تؤثر في حياة الامة وتعيق الحركة الطبيعية للمجتمع بابقاءه ساكنا، كون وجودها اعتمد سلسة من الاحداث مستقبل بعضها عن البعض الاخر، ولكن في امكانها التلاقي (اتفاق) الا انها في كثير من الاحيان تتصادم  وكان تصادمها عنيفا. وهذا منأت من الدور الكبير للعامل الدولي (الخارجي) ورهاناته، بشكل خاص، وقدرته على اضفاء الطابع المسلح على الحياة السياسية. ويمكن قراءتها وفق اشكال عدة:ـ

الاول: تتميز الصدامات السياسية في العراق، بطابعها الايديولوجي المتمثل في السيطرة على الساحة الجماهيرية، وقيادتها ومن تأثيرات تلك الايديولوجيا في صراعها على النشاط المجتمعي اليومي، في الوظيفة، والاعلام، والثقافة، والتجمعات العامة...الخ.

والثاني: ينتج عن تلك الصدامات، تحطيم امكان بناء علائق حياة سياسية صحية في تقدم اعلاه من انشطة اجتماعية، ما يؤدي الى تراكمات بطيئة، تنقل الصراع الايديولوجي اليومي لتلك الاحزاب الى تشكيل بناءات ملغوثة، فضلا عن ما تثيره تلك الانقطاعات من تلويث للحياة الاجتماعية العامة.

الثالث: ان ما نتج عنها من عنف، شكل ذاكرة جمعية محكومة بالرهبة (عصاب الارهاب) نأى بأجواء الحياة السياسية عن اشتراطاتها الطبيعية. وقع الطبقات الاجتماعية النظر الى السياسة بانها مغامرة خاسرة ومريضة.

رابعا: من الكثير من الاحيان يقترب العنف السياسي من الارهاب، سوى ان العنف السياسي يهدف الى تحقيق غايات سياسية منظمة، ويسعى القائمون به عكس الارهاب الى عدم اثارة الراي العام قدر الامكان وبهذا فان العنف السياسي وسيلة لمستخدميه فيما الارهاب هو ناتج العنف .

 

الاسباب الكامنة وراء العنف

يعد العنف السياسي  مشكلة تهم المجتمعات ان لم يكن اهمها. وليس خافيا ان اي سلوك يعتمد جملة عوامل تفسر انتهاجه، وعلينا تحديدها وصولا الى الحلول. فالعنف يحتمل اوجها عدة، لا يمكن تفسيرها بعامل واحد. بل هي مجموعة من العوامل تؤثر بعضها في البعض سلبا / ايجابا لتفجر العنف. وكما اسلفنا سابقا، هناك اسباب مباشرة واخرى غير مباشرة توافقها يؤدي الى تفجير العنف، فاذا كانت الاولى بمثابة الشرارة فانها لا تعني بالضرورة مجموعة الاسباب الكامنة وراء تلك الظاهرة، اذ ان مقتل دوق النمسا لايعد سببا في اشعال حرب عالمية. وما الحادثة الى شرارة تستغل في اشعالها. وبالرغم من تعدد العوامل المؤدية لانتاج العنف، الا ان تأثيراته، ليست واحدة، بل تختلف من دولة، مجتمع، حزب طبقا لبناءاته وانساقه الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. فضلا عن عوامل اخرى اقل جوهرية. فعندما تقوم الدولة العراقية منذ تأسيسها باستغلال التمايزات الاجتماعية وعدم تصحيح مساراتها. فانها تكون قد خلقت ازمة تكامل اجتماعي وسيستها، الذي كان عاملا جوهريا بظهور العنف في العراق واتخاذه اشكالا عدة. فالحرمانات الثقافية والفكرية، والدينية، والعرقية، هي اهم المفاتيح التي تفسر حجم العنف المترسب في عقول الناس، والموجه لانتماءاتهم. الذي انتج احزابا سياسية وجمهورا عنيفا. (فالانسان ليس متدينا فقط عن طريق عبادة الهة معينة، وانما ايضا عندما يضع طاقاته الروحية  وكل خضوع ارادته ، وكل احتدام تعصبه في خدمة قضية ما )) وضخامة الحرمانات  وتراكماتها ولدت استيهامات كبرى ،فالاحزاب في العراق فقدت احد اهم ميزات العمل السياسيي المتمثل بالعقلانية ، ماجعلها تتماهى والعقل ؟ البدائي القائم على الاستيهام وهي في نظر بودريار صورة ولدتها الايديولوجيا  حول كل الحياة الاجتماعية وماقدمته ليس صورة الواقع كما هو ولا هي صورة عنه، بل  صورة ولدتها الايديولوجيات عن صورة اخرى هي بدورها مولدة عنها دون النظر الى ان حركةالناس والمجتمع تخضع لقوانين تأريخية موضوعية ، فالناس هم صانعوا حياتهم  ماجعل الافكار السياسية، متناقضة تعتمد جملة من الصور المختزنة في اللاوعي؟ انتقلت الى الاحزاب بالرغم من اتخاذها العلمانية منهجاً وفكراً الا ان الشمولية اعدمت العقل بأعدامها الروح النقدية، الذي حجب عنها رؤية تناقضيتها لتصبح افكارها دوغما لا تناقش. أنشأ لديها نزعة اعجاب في تعميم تلك الدوغما وبالتالي فان من لايشاطرها الاعجاب يصبح عدداً .

تقف وراء هذا السلوك جملة من العوامل الاسباب اهمها !

 

  فشل البرامج التنموية

كان لفشل البرامج التنموية اثره البالغ في تردي الاوضاع السياسية والاجتماعية وزيادة احباط الطبقات القادمة والمتوسطة في المجتمع .

جعل ردود افعالها تتخذ طابع العنف . فما نلحظه ان اكثر الفئات انخراطاً في العنف هم الشباب كونهم اكثر حساسية ازاء المشكلات الاجتماعية والاقتصادية واكثر استعداداً للعنف لاتسام سلوكهم بالمثالية ورفض الواقع ومحاولة تغييره ، مابعد احد مظاهر الازمة المجتمعية المتمثلة بأزمة الهوية او اهتزاز القيم والمعايير، وفقدان الثقة بالنظام يتولد عنه احساس بالفراغ الفكري والثقافي شكل قوة دافعة لظهور العنف، فالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تترك آثارا سلبية، ما يعطي انطباعا لدى الطبقات الاجتماعية بعجز النظم السياسية عن توفير متطلبات الحياة الكريمة، جعل المجتمع اقرب الى موقف الرفض. وبمرور الزمن يؤدي تراكمها الى نشوء نوع من النزاع المستتر بين السلطة والمجتمع.

ان الازدهار الاقتصادية له علاقة وثيقة بالتطور السياسي الايجابي وتحقيقه يدفع بالانفتاح السياسي والديمقراطية .

لذا فان اغلب الدول الغنية هي دول ديمقراطية ، وابرز دليل على قوة العامل الاقتصادي يتمثل في الولايات الاميركية كونه اللاصق الاجتماعي الاهم ، جعله رديفاً للديمقراطية والتعددية الثقافية والسلم الاجتماعي والتنمية الناجحة تعني تطور في الثقافة والفكر والتعليم الذي يقود بدوره الى الاصلاح السياسي ، ما يعني مجتمعاً اقل ميلاً للعنف يقابله سلطة اقل عدوانية والاهم من ذلك ان التطور الاقتصادي يوسع قاعدة الطبعة الوسطى التي تعتبر حاضنة لكل التغيرات السياسية .

لقد اعتبر ماركس ان اهم هدف لعمله الرئيس هو مهمة الكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع لارتباطهما الوثيق وتطور المجتمعات الانسانية الثقافية او التقنية والعلاقة القائمة بين البنى التحتية والبنى الثقافية وقد عبر عنها برسالته الى أننكوف افترضوا حالة معينة من تطور ملكات البشر الانتاجية ، عندها ستجدوم شكلاً معيناً من التجارة والاستهلاك افترضوا ستجدون شكلاً معينا للتركيب الاجتماعي وشكلا معينا لنظام العائلة واللفئات او الطبقات، وبأختصار ، نوعاً من المجتمع المدني، افترضوا مثل هذا المجتمع المدني وستجدون نوعاً من الوضع السياسي الذي هوليس الا التعبير الرسمي عن المجتمع المدني(6) والعكس صحيح.

 

 

 

 

 

غياب النقد الذاتي وضيق قنوات الحوار

 

يعود استعمال مصطلح النقد الى (الانسانيين)** وحديثا قام باحيائه ماركس جاعلا منه جزءاً من نسقه، مشحونا بمفاهيم فلسفية وسياسية، وقد استعمله بصفة خاصة في اعماله (العائلة المقدسة)، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي الايديولوجيا الالمانية.. الخ).

فالنقد لديه مقياس (يسمح بالتمييز بين الوجود الخاص والماهية، بين الواقع الفعلي المحدد والفكرة)، وهو بهذا عملية تحليل وتقييم، يرفض بعضا من نقاط انطلاق الفكر (السياسي) عند اتضاح انها توصل الى مأزق(7)، وتكون اللحظة التاريخية قد اثبتت انها ممارسة خاطئة عندها يقوم النقد باحداث قطيعة تؤدي الى تصحيح المسارات النظرية والفكرية بعدم ممارستها فيما بعد. اذ ان الكثير من القضايا والمعتقدات، والتصورات تحولت الى مسلمات، وبديهيات غير قابلة للطعن، ومحرم الخوض فيها كونها تمثل لدى المتزمين اصالة الفكر، وكماله جعل من الصعب مراجعة اصولها المنهجية، فهي فوق الشبهات.

ان العداء للنقد، هو عدم الاعتراف بالاخطاء وتصحيحها وهو موقف دوغمائي مراوغ، لابد من نقده، اذا ما علمنا (ان بامكان النقد ابتكار مقولة ومبدا لكل سلسلة المقولات) وبهذا (يخطو على طريق الخلاص الوحيد)(8).

ومن المحتم ان عدم ممارسة النقد في اي جانب من جوانب الحياة، يؤدي الى قطيعة مع الاخر المختلف، باعتباره مكملا، ناقدا اي مراة لتصحيح المسارات والنقد بهذا ممارسة تطورية، وانتقال يتفق ومنهج التطور العام.

والملاحظ ان اغلب الحركات السياسية في العراق مازالت حتى الان منحازة الى فكر محدد، غير قابل للطعن يمثل فكرة (الخلاص) إن الترويج لثقافة واحدة، هي فكرة تقود الى العنف والتصادم، ما يؤكد حقيقة ان اي فكر بهذه المواصفات، يوصلنا الى العصبية القبلية، والمذهبية، والعرقية، وحين يجري التأكيد على حق (الطليعة)، التي كثيرا ما تتكرر في ادبيات الاحزاب الواحدية، في القيادة والتفكير، الذي يقود بدوره الى الحجر على عقول الناس ورؤاهم قسرا فان لا يؤذي الناس فقط، فالمسألة ليست في إتباع طريق سياسية او فكرية واحدة، بل ما يؤديه فعل التعصب بالقائمين على تطبيقه من تمزيق او تآكل، ناتج عن الجمود، وعدم التطوير في غياب النقد.

مثل هذه السياسة الافصائية تقود الى العنف السياسي ولن يمضي زمن طويل حتى تجد البلاد، السلطة، المجتمع، قد دخلا في احتراب يصل الى القتل والقسر، وتغيير العقائد والافكار، والتمييز في المواطنة.

هذه الاحزاب، منذ تأسيسها لا تعترف بحقيقة التعدد الفكري والثقافي بشكل عام الذي ادى الى غياب قنوات التعبير السياسي والفكري كما ان فلسفتها الواحدية، الشمولية كانت المسؤولة عن غياب منظمات المجتمع المدني التي عبرها يمكن استيعاب الكثير من الطاقات وترشيدها، اضافة لما تمثله من رابط في تواصلية الحوار. فالسياسات المتبعة من قبل الانظمة المتعاقبة، عملت على زرع الخوف في نفوس الناس، عندما اعتبرت، ان المخالف السياسي ينبغي قمعه وعدم السماح له بالاعلان عن نفسه، وان كان وجوده حقيقة واقعة، فهي نرى ان التعبير يؤدي الى مشاكل مثل نقد النظام والتحريض عليه، فضلا عما يأتي به الانفتاح من افكار جديدة تطالب بالتغيير، الذي من شأنه تهديد البناء الفكري، وشرعيته، والنتيجة الغاء حرية التعبير وطغيان الاعلام الرسمي وتشديد الوقاية الامنية على الموضوعة الدينية، والسياسة، والفكرية، وتسييد مجموعة من الكتاب المتملقين، ما يعني زيادة نشر التفاهة، والاخطر في احتكار الاعلام لفئات محددة من المادحين والمتزلقين هو دفعه خيرة العقول الى الانزواء ومن ثم تعطيل حركة الابداع. واذا ما تمكنت السلطة من السيطرة على موضوعة التثقيف عبر مؤسساتها، فانها حتما عاجزة عن احكام السيطرة على الحس الاجتماعي الناشيء بعيدا عنها لعدم تمكن مؤسساتها التأثير فيه. وتصاعد الاختلاف في الذهنيتين الحكومية والشعبية من شأنه اضعاف لغة التواصل، ما يجعل ادوات الضبط الامني غير قادرة على التنبوء بما يحدث.

تؤكد الوقائع التاريخية ان استخدام العنف لا يحل المشكلة والتوسع في العنف يفقد السلطة او الحركة السياسية شرعيتها، وقواعدها الشعبية، وهو مؤشر على عدم الرضا واقصى ما يفعله هو تأجيل ظهور العنف الا انه بالمقابل يعمق الوجدان الشعبي بالرفض. ويجعل الخوف متبادلا بين السلطة/ المجتمع. لذا فان استخدام العنف من قبل السلطة يستهدف اصلا عدم تقديم تنازلات سياسية، وهو حل مكلف يدفع النظام الى فقدان شرعيته.

 

ثقافة التطرف وعدم التسامح

ان الاسباب الكامنة وراء ظاهرة العنف والعنف السياسي تتمثل في رؤية الواقع محصورا بين دفتي الخطأ/ الصواب، لكافة الخصوم، هذه الرؤية الابرز فيما يسمى العنف الفكري او التعصب والتزمت عبر مزاوجة الايمان الديني بالسياسي والباسه الصبغة الثقافية والمؤسساتية في لحظة من لحظات الخطاب الماضي اي كف عجلة الحياة والتطور، فالاعتقاد باني مسلم، مسيحي، قومي، اممي... الخ امتلك الحقيقة المطلقة دون غيري، هذا الايمان باطلاقية الحقيقة يرتب اشكالا والاخر المختلف، فالعملية هنا تبدأ من العقل ثم تنتقل الى السلوك، وتتسم برفض الاختلاف والتعددية الذي يصل حد استخدام الفاظ ومصطلحات قاسية، كالخيانة، والفسوق، والكفر.. الخ لذا فان الصعوبة تكمن في معالجة العقلية التي يراها بوتول، مركب نفسي تام الاستقرار الاعتقاد به لا يتغير وقت نشاء حتى لو كنا تحت الضغط المضاد. واذا حدث ان فصلنا عن وسطنا الاجتماعي كروبنسون كروسو، فان عقليتنا تبقى امينة لنا وتستمر حية فينا. وهي عبارة عن بناء منطقي مفتوح الاجزاء يصل بعضها بالبعض الاخر صلات عقدية، وعموم العقليات هي عقليات موغلة في البدائية تحمل الاطارات نفسها بينما يتغير المحتوى، واول الاطر هو علم الشرائع العامة التي تسود الوجود(9).

مما تقدم نجد ان التعصب يوصل الى الاستبداد، والتعصب فكر احادي نرجسي تغلفه هالة من القداسة، بفضلها، يعتقد التوصل الى تغيير العالم وانقاذه. ومثل هذا الهوى في عقل المتعصب يقوده الى الراحة مما يحيطه في ظل هوس بالهيمنة الفكرية لمنطقه وعقيدته.

تؤشر:

1ـ الفكر، المعتقد، يتصف بالاطلاقية.

2ـ لا يتأثر بالتغييرالزماني والمكاني فهو خارج حدودهما وصالح لكل الازمان والاماكن.

3ـ الغاء كل اختلاف والمعتقد، فالعدو لا يعد خصما، انه يمثل الشر.

4ـ تستمد المعرفة بكل شيء عبر المعتقد دون غيره.

5ـ المختلف بواجه بالقوة.

6ـ فرض الفكر او المعتقد على الاخر المختلف بالقوة.

7ـ الفكر او المعتقد لا يحتاج الى دليل كونه قائم بذاته ومعرف.

مثل هذا الاحتكار للحقائق ينشيء جملة من الارهاصات والمجادلات العقيمة والسلوكيات الانتقامية تتبدى باشكال عنيفة مختلفة ما يعني ان التعصب رديف للجمود العقائدي والفكري. والمسألة الاخرى والاكثر اهمية ان التعصب يمنح الامان المعرفي لمعتنقيه مما يبيح الايغال في العنف، وقد لوحظ في الثورة الفرنسية ان الثوار كلما اراقوا دماً لزمهم الاعتقاد بمطلقية مبادئهم، فالمطلقية وحدها القادرة على نيرئتهم وشرعنة اعمالهم. ما يعني ان التعصب يؤشر مستوا عقليا ومعرفيا متدنيا تنعدم فيه القدرة على التأمل والتفكير، ووجدان يتمثل بالاندفاعية يؤدي الى ممارسة العنف ضد الاخر. وهذا ينطبق ليس فقط على الافراد او الجماعات او الاحزاب، بل يشمل المؤسسات ايضا مع فارق ان هذه المؤسسات تحرك ذهنياتها بدقة لانها ترتكز عليها.

وعند اختلالها جزئيا او كليا. تصبح عرضة للرفض وعدم الاحترام لان الناس لا يحترمون الا الشرائع التي يؤمنون بها واذا كان ممكنا اجبارهم على الطاعة فمن المستحيل اخضاع قناعاتهم، عندها تبتديء المقاومة المفتوحة وعندما تدخل العقليات والمؤسسات في تضاد تصبح العلاقات بينها عنيفة، واذا بقيم ومعتقدات جديدة ومغايرة تعارض وجود المؤسسات القائمة.

اما في المجتمعات الخلاقة والديناميكية، تتقدم الفعليات غالبا على الشرائع عكس المجتمعات التقليدية، فالشرائع تسبق الاخلاق والتحسينات الذهنية(10).

 

 

العنف السياسي في العراق

عبر تاريخ العراق السياسي الحديث طرأت تغيرات اثرت في ملامح الحياة الاجتماعية بفعل ما رافقها من ظروف كانت من القوة ما شكل صدمة كبيرة لدى قطاعات واسعة من الجماهير، ادت الى اخراجها من حلبة السياسة وعدم اسهامها في التغيرات الحاصلة، والسبب في هذا الابعاد، يعود الى سياسات تلك الاحزاب الذي انعكس سلبا على الحياة الاجتماعية. هذا الابعاد ناتج عن احساسها باليأس من السياسة، ففي المرحلة الملكية تميزت الحياة السياسية بالمهاترات والمساومات الانتخابية والمحالفات المريبة وغيرها الكثير. اما في المرحلة الجمهورية وما رافقها من تغيرات سياسية واجتماعية، فان الحياة السياسة شهدت ظهور احزاب عقائدية تعمل وفق برامج وتعاليم سرية لا تألوا جهدا في تحقيقها ما جعل هذه الايديولوجيات (العقائد) تتصادم مع بعضها البعض او ظهور ما يمكن تسميته بالعنف السياسي القائم على اقصاء الاخر المختلف، الناتج عن جمودها العقائدي والمسؤول عن السكون الاجتماعي، وعدم تطوره، وسبباً بصناعة وتغريز الدكتاتورية في تلك الاحزاب ومن ثم استسلام المجتمع، رغم ما انتهت اليه الدكتاتوريات من هزائم، الا انها بالمقابل احدثت فتوراً في الحماس الجماهيري والحزبي ادى الى تفتيت تلك الاحزاب.

اما في مرحلة مابعد السقوط والسرعة التي تمت بها تصفية الدولة، وعدم امكان ضبطها، وما استتبعها من انهيارات داخلية في قواعد التنظيم الاجتماعي والحاصل بسبب استقطاب المكونات الاجتماعية عن طريق عاملي السيطرة والخوف الى عملية الاحتراب سببها تغير العامل السياسي وتحطيم القواعد القديمة. اطلق هذا التحول قدراً هائلاً من العنف ساهمت به تراكمات عقود طويلة من الاستبداد، اضافة الى البناءات الثقافية الموروثة، حيث وجد الانسان نفسه مرغماً على اتباع خط جديد من السلوك بالرغم من عدم ايمانه به، نظراً لزوال قواعد السلوك القديمة. دفع هذا التمركز الى تجلي الازمة في السلوك الاجتماعي وتاثير ذلك على النسق الاخلاقي بمدى التغييرات السياسية.

لذا فان الاحزاب والحركات السياسية عليها الاقتناع بان القضايا المجتمعية المطروحة هي الشكل الوحيد والجدير وضعه في الحسابات. فالجماهير تحكم على النظام بقدر مايوفره من اسباب الارتياح المادي واطلاق حرية الفكر والتعبير. واستناداً لذلك فقد اصبح بالامكان تكرار الاوضاع الايديولوجية بصورة دائمة. والملفت ان المجتمعات في الدول الحديثة بالحياة السياسية لم تخلع عنها الذهنية التقليدية، فحركاتها السياسية مازالت تعمل باستمرار على كسب الاراء والاشباع. مايؤدي الى تغيير طبيعة الانسان، فضلاً عن اسهامه في زيادة الطغيان وكان مايجري ليس غير تحويل الواقع الحياتي الى سرير بروكست (وان الانسان خلق للتعاليم ولم تخلق التعاليم لاجل الانسان).


 

الهوامش:

 

* المتوافرات المادية: هي الهناصر تكمل القاعدة المادية للمجتمعات المحددة بجغرافيتها، مثل المناخ، الارتفاع عن سطح البحر، والنبات، والموارد المائية...الخ.

 

** الحركة الانسانية: ظهرت في القرن الخامس والسادس عشر في ايطاليا وكان لها اثر كبير في نهضة العلوم الانسانية.

المصادر

1 ـ د, غاليتا لوبيموفا ـ سيكولوجية النزاع ـ ص7.

2 ـ نفس المصدر ـ ص9.

3 ـ كليلة، كوفالسون ـ المادية النتيجية دراسة في نظرية المجتمع الماركسية ـ ص38.

4 ـ غاستون بوتول ـ سوسيولوجيا السياسة.

5 ـ غوستاف لوبون ـ سايكولوجيا الجماهير ـ ص92.

6 ـ معجم الماركسية النقدي ـ ص 1141.

7 ـ نفس المصدر ـ ص1310 .

8 ـ ماركس، انجلز ـ العائلة المقدسة ـ ص 118.

9 ـ غاستوف بوتول ـ سوسيولوجيا السياسة.

10 ـ نفس المصدر.

 

المزيد من الاخبار

  الخطاب الاعلامي وصحافة المجتمع المدني (خاص لمدارك)

  لجنة الثقافة والاعلام في البرلمان العراقي (خاص لمدارك)

  الاطر الدستورية والقانونية للهيئات المستقلة (خاص لمدارك)

  سياسات العنف الجماعي (خاص لمدارك)

  دور البرلمان في مكافحة الفساد (خاص لمدارك)

  المحاصصة في مجلس النواب... (علاقات الخوف) - خاص لمدارك

  الإرهاب .. وتكنولوجيا المعلومات(خاص لمدارك)

  رؤية إسلامية لثنائية الإنسان والعنف (خاص لمدارك)

  العنف .. معالجة سيكولوجية (خاص لمدارك)

  أثر العنف في الفن التشكيلي (خاص لمدارك)

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...