المرصد النيابي العراقي
التصويت
هل التقنيات المستخدمة في موقع مؤسسة مدارك مقبولة ؟
 نعم
 كلا
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 2
عدد زوار اليوم : 11
عدد زوار أمس : 58
عدد الزوار الكلي : 10138
تفاصيل الخبر

أثر العنف في الفن التشكيلي (خاص لمدارك)

2011-09-26


أثر العنف في الفن التشكيلي

 

 

      د.جواد الزيدي

 

 لم ينقطع الفن منذ بداياته عن هواجس الانسان وهمومه وتطلعاته بوصف الاخيرمركز الكون و المنتج والمراقب لكل الحوادث والظواهر التي تعتريه وتحيط به وحامل رسالة التجديد والابتكار والاعمار والبحث والتكيف مع المشاريع التي تسعى  للاطاحة به والنيل منه حتى وان كان بذات العقل البدائي ونزوعه الغريزي الذي لم يتحدد بعد بشكل علمي لمخاصمة الطبيعة ومقاومتها بندية.هذا الكائن الذي استطاع ان يكيف الطبيعة وشرورها لصالحه ويكسبها لخدمته دوما فبعد ان وظف موجوداتها ليتقي تقلبات المناخ والظروف المتعاقبة في الفصول كافة ،وكانت مواجهاته الاولىمعها وامكانيته من تكويرها على هيئة كسوف يحتمي بها من البرد والحر والامطار ومن ثم تحول من بنية سفلية ا الى انساق علوية ويعلن استقراره الابدي  على سطحها بعد ان اكتشف بناء البيوت وطرائق تكوينها .وبدات مرحلة جديدة في التعامل معها ضمن حتمية تطورية يفرضها تطور العقل ايضا ومستويات وثوبة. الاان هذا الخوف بوصفه هاجسا اوليا يجب تحصين النفس وممكنات العيش منه ظل يراود الانسان ولهذا اوجد صيغا تقترب من الفن الذي كان نظاماسحريا او يرتبط بفعل هذه الممارسة فظهرت اولى نماذجه على جدران الكهوف عندما صور الحيوانات التى يخشاها ويتجنب شرور المفترس  منها فضلا عن الخربشات والتوسيمات والتعاويذ على جدران الكهف نفسه. وبهذا تحول طابع الخوف الغريزي ومقاومته بالطرق السحرية او الفعلية فنا يقف في مقدمة الفنون التى انتجتها العقل الانساني مستخدما دماء الحيوانات التي يصطادها الوانالتوشيح جدرانه.وهذا مايفسر سكناه طوال اليوم بالقرب من هذه الرسوم للاطمئنان على حياته.

      ان عنف الطبيعة والمجهول بالنسبة للانسان القديم جعله يبحث عن اسبابه الخاصة للخلاص من هذا العنف فقد خصص لكل منها الهة فظهرت الهةالرعد ،الهة المطروغيرها وبنى معابد وزقورات يسكنها الكهنة للتقرب الى الالهة والاستنجاد بها عند حلول المخاطر  .ولكن هذا الخوف والتعنيف ادىالى انتاج نماذج رائعة في تاريخ الفن الانساني ولم يكتف بذلك فقد بحث عن اسباب اخرى لخلوده وكان هذا ممثلا بملحمة لملك اور (كلكامش) في بحثه عن عشبة الخلود في غابة الارز وانتاج اطول ملحمة شعرية في تاريخ الانسانية تمثل سيرة الملك الباحث عن البقاء الابدي . هذا المفهوم الذي فضحته النتائج والحوادث واكتشاف فضاضة قناعته  بان لاخلود الا للخالق او الاله الواحد .بيد ان هذا الجدل الفكري والصراع الوجداني انتج ملحمة  لما تحتويه من مشاهد صورية مثلت في الكثير منها ملامح القسوة والعنف كان ابرزها صراع صديق كلكامش وخله الوفي (انكيدو)  مع الثورفي غابة الارز المذكورة انفا او مشاهد فقدان عشبة الخلود وسرقتها  من قبل افعى الماء وبكاء الملك لصاحبه عند مصرعه.

     وفي اسهامة الانسان القديم في توثيق حروبة واحداثه التي يعدها انتصارات على الاخر لجا الى توثيق ذلك عن طريق الفن فان المسلات هذه المرة وافاريزها المتعددة  تحمل في اعلاها مشاهد النصر على جند الاعداء الذين صورهم مخذولين منكسرين في افريز وسطي مختلف عن مشاهد الانتصار الذي يتوسطه الملك وتحيط به الحاشية وفي اسفل المسلة افريزا ثالثا يمثل العربات المدمرة. ولكن هذا الخذلان والعنف والدمارصاغ اجمل الاعمال الفنية من حيث بنيتهاالجمالية  واصبحت  درسا بصريا لكل ما جاء بعدها ، فضلا عن الموضوعات التي تستلهم طبيعة الصراعات والاحداث في تلك الفترة وما يتصل بها من موضوعات مشابهة . وقد نجد ملمحا اخر يمثل العنف الذي يمارسه الملك تجاه الرعية او الشعب في لحظة بناء المدن وما يعتري ذلك من اذى و تسخير كل الطاقات لبناء قصور او معابد يقوم بتشيدها  الجموع الشعبية المسحوقة الا ان هذا كان ملمحا ايجابيا في تصًير الاشياء والموجودات.

     وبخلاف ماتحقق من منجزات فنية وعمارية في العراق القديم كانت المنجزات في وادي النيل حيث كانت مشاهد القسوة والعنف اكبر تاثيرا على سائر الشعب في ضوء التفكير العقائدي الذي  

 يؤمن به الفراعنة . وخير دليل على ذلك مشاهدالموت او الانتحار  الجماعي الذي تمارسة تلك الاقوام من اجل الفناء نفسه بحثا عن الحياة الاخرى فيحفرون قبورا تتسع العشرات ويدفنون بها احياءا للوصول الى حياة اخرى اكثر نعيما ورفاهية يحملون اشيائهم وموجوداتهم الثمينة معهم للتمتع بها هناك ، وهذا مايعلل بناء الاهرامات بوصفها ملمحا حضاريا وفنيا حتى الوقت الحاضر والناتج عن عنفين او قسوتين ، اولهما قسوة البناء الذي راح ضحيته الاف الفراعنة حتى يصلوا بالصخور الكبيرة الى نناطق عالية من قمة الهرم. فتداس انسانيتهم وارواحهم من اجل هرم صخري ، اذا ما عرفنا ان هذا الهرم هو قبر الملك ، وتبعد الملوك تعددت الاهرامات (القبور) هذه الشاهدة عن الموت والقسوة في التعبير عنه ،فضلا عن ذلك فأن الاحجام المبالغ فيها للاهرامات يعكس حجم العنف الذي يمارس تجاه العاملين فيها ،وانعكاسه من جهة اخرى على المنحوتات الضخمة التي صنعت من الاحجار ذاتها للملوك انفسهم أو أحفادهم ووزرائهم .تلك المنحوتات التي اعجب بها (افلاطون)اعجابا شديدا لنزعتها الهندسية وخطوطها المستقيمة ومادتها الرخامية.

   ان الاعجاب الافلاطوني تجاه النزعات الهندسية هو الذي حدد مسار الفن الاغريقي ليتخذ هيئة انسانية على نمط لاعبي القرص ورماة الرمح ،احيث  العضلات المفتولة للرياضيين بتلك القوة التي تمثل العنف تجاه المحيط والفضاء التي تنتصب به وهي قسوة من نوع اخر وتعنيف للشكل وللمتلقي الذي يصطفي تلك الاعمال انموذجا لذائقته الجمالية :بيد ان موضوعات او ضغوطات خارجية مثل البيئة والدين والمجتمع اسهمت بشكل واضح في صياغة الانموذج الفني المستلم لتلك الضغوطات وعدم تجاوزها ، على الرغم من الذات الخلاقة للفنان الرافضة لهذه الموضوعات الاان القيود المفروضة على انموذجه لابد ان تتمظهر في اشكاله ومضامينه فمن تاثيرات الاسطورة بكل ماتحمل من خيال وطوباوية في احيان اخرى ومثلها واقعية الى التفكير الديني وصلته بانتاج نموذج الحياة وطرائق التعبير عنها وضرورة انقياد منتجي هذه  الطرائق لها .فقد اصبح الفنان في العصور الاسلامية ومابعدها متماهيا مع الفكرة المطلقة واللامتناهية وبحث عن سبل فنية تتخلص من مرحلة الصدام مع مناخة الثقافي اجتماعيا كان او دينيا.وحاول التمسك بتلك الثبوتيات والانطلاق منها لصياغة خطابه البصري ،اذ ابتعد عن تصوير الرموز الدينية نحتيا وتغريبها في حقل الرسم كما برز ذلك جليا في مدرسة بغداد للتصوير الاسلامي ومثيلاتها من مدارس التصوير الاخرى وخصيصة الابتعاد عن التجسيم (البعد الثالث) او ملامح الشبه لتلك الرموز وغيرها من سمات معروفة لهذه الحركات والمدارس ، ولم تسلم فنون عصر النهضة من سلطة الدين ،فقد اتسمت هذه الفنون بموضوعات شغلت الفكر الديني (المسيحي تحديدا) طويلا مثل صلب المسيح وصراع مريم العذراء . وقد تمثل العنف تمثيلا واضحا غي اغلب الرسوم التي نقشت على جدران الكنائس وسقوفها وكان اهمها وابلغها تاثيرا هو يوم الصلب وصعود المسيح الى السماء بوصفه مدونة بصرية لتوثيق مبدا العنف الموجه ضد الصالحين من ذرية بني البشر او الانبياء والمرسلين :وعلى الرغم من القيم الجالية التي تمتلكها تلك الاعمال وموقعها ضمن مشهدية التطور الفني واساليبه وتحولاته الاجناسية التي اختلفت واعادت للرسم هيبته بعد سيطرة النحت طويلا الاان مضامين الاعمال بماتحمله من تعنيف وقساوة جعل من القيم الفنية والجمالية موضوعا ثانويا ياتي لاحقا وقد لايتم الحديث عنه ابدالعدم اتساق المضامين النصوصية مع الاشكال الخارجية المتحققة للعيان وهذا ناتج من افراط القسوة والعنف الممارس تجاه الرمز الديني والانساني الذي نحيا اخلاقياته ونتمثلها في حياتنا اليومية وواقعنا المعاش كلما حاصرتنا الازمات.

 ولكن العصر الحديث بكل مايحمله من عنف تجاه الجنس البشري بتقدم التكنلوجيا ومنظومات العلم والمعرفة التي اسهمت في زيادة العنف في جانبها السلبي المستخدم للاغراض الشريرة، كان العصرالاهم لسيرورة هذا المفهوم وتقدمه على العصوركافة . ولكن الفنان حاول تجاوز سلطات الموضوع التي كانت ضاغطة عليه بشدة وهو السبب الاهم في رأي منطلقا من فعل الذات وما تفلرضه عليه القيم الاخلاقية والفنية لتكتسب خطاباته البصرية بعدا اخرا بدا عصرالتمرد فيه والنيل من السلطات والثبوتيات والاطاحة بها ،ولكن الانماط السلفية والذائقية الرتيبة لم تدع له فرص للتحلرر من تلك الشرانق والاغلال وانهالت عليه تعنيفا ورفضا لمنجزه المتجاوز ، حتى اتسمت اعماله بمسميات مجازية اقيم  لها معرض خاص خارج حدود العرض المعروفة سمي (بمعرض المرفوضات) وهو اشعار بالادانة والتانيب لطبيعة التجاوز والاختلاف الذي يعد نتيجة طبيعة في الجهد الفكر والمنجز الفني .

    ولم يعد ذلك حائلالدى الفنان لتخطي  عتبة التقاليد سواء كانت اجتماعية او فنية او ذائقية بل عدها خطوة اولى لانجاز مايصبو اليه ليكون مراقبا نبها لكل المحاولات الاجهاضية للمشروع السلمي والانساني وتلقفها بعين ثاقبة ورؤية وبصيرة ترتبط بالهم الانساني اولا واعلاء شان الذات دون غيرها من الشؤون التي تقع خارجها واصبحت هاجسه الوحيد فعبر عنها اجمل تعبير . وفي خضم هذه المحاولات حدثت تثت تجاوزات على تلك الذات سواء كانت مفردة اوجمعية والتصدي لشرور الاخر الذي يريد النيل منها لابطرقه العدوانية التي التي تتخذ من العنف والشر وسيلة للتدمير بل في محاولة جانبية اخرى قد تكون انفع من شروره وهي تدمير الاسى بالجمال اوتحويل الاسى نفسه  الى مقامات  جمالية  كما حدث للدادئيين الذين اتخذو من قسوة الحرب وعنفها وماخلفته الحربين العالميتين  من متروكات لمحركات العجلات المدرعة او مظروفات القذائف المنغلقة واعادة تشكيلها ضمن اعمال نحتية تمتلك من القيمة الجمالية مالاتحتويه او تنضوي عليه اية تجربة اخرى . ومن جانب اخر هي صرخة رافضة للألم الذي يمارس تجاه الذات الانسانية فكانت اعمالها ردة فعل ضد الحرب وويلاتها ومخلفاتها .بيد ان ماتركته على البنيات الاجتماعية كان قاسيا وعنيفا الى الحد الذي نعده احيانا يتجاوز كل ممكنات التعبير او طرائق  رفضه ، ولكن هذا الفهم لم يعد خلاصته نهائية او ختاما للمقولات بهذا الخصوص فهناك شاهدة كبيرة ومهمة في تاريخ تصوير الالم  تجاه الانسانية في مقطع زمكاني محدد استطاع المواطن الاسباني والفنان العالمي  بيكاسو ان يصوره في لوحته (الجورنيكا)التي صورت الحرب على هيئة حصان كبيريخلف الدمار عندما  يدوس كل الموجودات الاخرى داخل ذلك المستطيل ، وهو تصويرفني وجمالي لماتعرضت له قريته في الحرب الاهلية الاسبانية عام 1936وقد اصبحت وثيقة هامة لنبذ العدوان والنيل من الذات الانسانية وتدميرها باي طريقة من طرائق التعنيف والافساد والفساد واهمها بالتاكيد الحرب ، حتى اصبحت جدارية لمبنى الامم المتحدة للتذكير بويلات الحرب التي لم تستطع الانسانية الخلاص منها حتى هذه اللحظة ....

    وفي الفن العراقي تجلت بعض الشواهد لعدد من الفنانين ضمن مشهدية التشكيل العراقي توضح طبيعة الصراع الذي عانى منه الشعب ولعل جدارية (نصب الحرية )للفنان الخالد جواد سليم تقف في مقدمة التجارب المرتبطة  بهذا الخصوص ، تلك التي ترسم لوحة جميلة لصراع الشعب العراقي طوال تاريخة للوصول الى شمس الحرية وكسر القيود التي تحيط بهاحتى وان كانت التضحيات بليغة ، ولم يغفل الفنان العراقي قسوة الماضي وعنفه بتراكماته كافة فقد ترجم (كاظم حيدر) واقعة الطف برؤية فنية معاصلرة لما لها من اهمية وتعد سابقة للتصفيات الجسدية الجماعية ومشاهد العنف التي لحقت باسرة الرسول(ص) . او تمثل  ملامح ا لقسوة التي لم يشهدها المجتمع العراقي او اي من المجتمات في العالم على يد  قساة التاريخ وصناع ماسية. اذ تصدى فنانون شباب لظاهرة المقابر الجماعية في اعمالهم الفنية مثلما فعل( محمد مسيرواسعد الصغير ) وتوثيق هذا الحدث الخطير ، وسعيهم مع اخرين الى تسليط الضوء على  ما يتعرض له الانسان من مشاهد مفرطة  في القسوة والتعنيف والارهاب الجسدي والفكري بعد الانعطافة التاريخية خلال السنوات الخمس الاخيرة ومشاهد المفخخات والموت الجماعي الذي لم نشهده من قبل الالدى الفراعنةفي خيارهم الذي ارادوه وتمنوه للوصول الى حياة ابدية خالدة .

    

 

 

المزيد من الاخبار

  الخطاب الاعلامي وصحافة المجتمع المدني (خاص لمدارك)

  لجنة الثقافة والاعلام في البرلمان العراقي (خاص لمدارك)

  الاطر الدستورية والقانونية للهيئات المستقلة (خاص لمدارك)

  سياسات العنف الجماعي (خاص لمدارك)

  دور البرلمان في مكافحة الفساد (خاص لمدارك)

  المحاصصة في مجلس النواب... (علاقات الخوف) - خاص لمدارك

  الإرهاب .. وتكنولوجيا المعلومات(خاص لمدارك)

  رؤية إسلامية لثنائية الإنسان والعنف (خاص لمدارك)

  العنف السياسي (خاص لمدارك)

  العنف .. معالجة سيكولوجية (خاص لمدارك)

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...