المرصد النيابي العراقي
التصويت
هل التقنيات المستخدمة في موقع مؤسسة مدارك مقبولة ؟
 نعم
 كلا
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 2
عدد زوار اليوم : 26
عدد زوار أمس : 23
عدد الزوار الكلي : 9167
تفاصيل الخبر

الشيعة والسياسة في الشرق الأوسط

2011-09-26


لورنس لوير

الشيعة والسياسة في الشرق الأوسط(1)

ترجمته عن الفرنسية نور القيسي

 

 

 

 

 

رجل الدين: الدور الرئيسي

اغلب الحركات الدينية الإسلامية الشيعية التي تنشط اليوم كانت تؤسس من قبل رجال الدين الذين عرفوا بلباسهم الديني الذي يتميز بالرداء الطويل، (عباية)، مع العمامة، وهذه الأخيرة يكون لونها اسود بالنسبة (للسيد) وهو الشخص المنحدر من سلالة النبي محمد، والبيضاء تكون لأولئك الذين لا ينحدرون من هذه السلالة.

لدى رجال الدين حظوة تقدم لهم تركيبا شخصيا مميزا من السلطة الدينية لا جدال فيه في التأويل الشيعي، وفي الواقع أن الإسلام السياسي السني له وجهة نظر في أيديولوجيته وقاعدته الاجتماعية مختلفة، عن نظيره الإسلام السياسي الشيعي، إذ أنشئ في البدء ـ الإسلام السياسي السني ـ بالتضاد مع المؤسسة الدينية التقليدية، التي عدتها القوى الأصولية مسؤولة عن التدهور الذي أصاب الإسلام.

 الإسلام الشيعي هو الآخر مر بمرحلة انتقالية مناوئة لرجال الدين، لكنه بالرغم من ذلك  بقي متلازما معهم. وعلى كل حال لا بد من تحليل حركة المؤسسة الدينية (الحوزة) والسلطة الدينية فيها، أي، (المرجعية).

 

تبلور أسلوب تنظيم رجال الدين

على عكس العقيدة السنية الكلاسيكية (المتشددة) التي لا تحتاج إلى وسيط بين المؤمن والخالق، وضع الشيعة نظرية تتعلق بضرورة وجود رمز للمهمة الدينية، رجل دين كامل الأهلية، يكون له دور جوهري بعد احتجاب الإمام الثاني عشر لملء الفراغ الناتج عن غيابه، وبذلك أصبح رجال الدين هم من يمثلون الإمام في غيبته يؤدون الالتزامات والأحكام باسمه دون الطمع بالعصمة الدينية.

لقد وضعوا في هذه النقطة تأويلاً علمياً للنصوص التي ستسمح لهم بصياغة إرشادات دينية تتماشى مع تطورهم التاريخي، هذه السلطة الدنيوية للفقيه لا تجعله المرشد الديني فقط ولكن أيضاً الزعيم السياسي الشرعي، فمنذ صاغ روح الله الخميني (1901-1989) عقيدة ولاية الفقيه والتي منحت رجال الدين الحق في قيادة الأمة ـ بعد أن كانت القيادة الدينية محصورة في المجال الروحي ـ فأن الخميني وضع هذا جانباً وأصبح ينهج منهجا ثورياً تماماً.

على طول التاريخ كان للشيعة نزعة التجمع في المناطق الواقعة تحت سلطة الحاكم الجائر على سبيل المثال جبل عامل في لبنان، كذلك في البحرين القديمة، وإقليم شرق السعودية، تكونت في هذه المناطق منذ وقت مبكر كيانات سياسية أحدثت تمرداً ضد الخلافة السنية، وهؤلاء الزعماء استمدوا شرعيتهم من خلال أصولهم المنحدرة من سلالة الامام علي وفاطمة، وفي نهاية القرن الحادي عشر قامت في البحرين القديمة حركة اشتقت من الإسلام تسمى (القرامطة) طرحت مفهوماً مختلفا عن مفهوم الخلافة، تطورت إلى شكل جديد من الدولة يدعمها تفسير ديني.

ساهمت دولة (القرامطة) بتوطيد الإسلام بشكل دائم في البحرين القديمة وعملت دون شك على انتشار خلية من العلماء الشيعة الاثني عشرية النشيطة والتي فرضت العقيدة الشيعية في المنطقة.

أسس العلماء الشيعة مناطق يتسيدها رجال الدين الكبار خلال فترة حكم البويهيين الذين حكموا بغداد (945-1055) في حين ان الصفويين (1051-1722) ثبتوا المذهب الشيعي كدين رسمي للدولة في إيران، ولكي تتحول الأغلبية السنية إلى المذهب الشيعي انشئوا جيشاً دفاعياً. كما جلب (الصفويون) علماء دين شيعة من جبل عامل ومن البحرين، محملين بأفكار شرعية احتاجوا إليها في توطيد حكمهم، وهكذا فقد طور العلماء خلال هذه الفترة العقيدة والطقوس الشيعية، وساهموا في تأسيس إجراءات إدارية كالتجنيد والتسلسل الإداري لرجال الدين.

في هذه الفترة أخذت (الألقاب) المفخمة تتأكد وبقوة للتميز بين العلماء مثل (حجة الإسلام) أو (آية الله) التي خصصت لأولئك العلماء الأكثر كفاءة، وكانت إيران وبدون أدنى شك المركز الديني السياسي للعالم الشيعي خلال الفترة الصفوية والتي أصبح فيها التشيع شعاراً أساسياً للدولة الإيرانية.

 

مربع نص: سيادة النجف على المدن الدينية الأخرى تطلبت الكثير من المهارة من قبل محمد حسن نجفي المتوفى (1843م) وهو الزعيم الديني الأكثر قوة في وقته والذي نجح في نسج شبكة اجتماعية وتأسيس نظام إنابة (الوكالة) يتكون من ممثلين أو نواب أرسلوا إلى المدن المقدسة الأخرى لجمع الضريبة (الخمس)النجف وقم  مركزان لانتشار المذهب الشيعي

سقطت السلالة الصفوية في القرن الثامن عشر تحت تأثير الاجتياح السني القادم من أفغانستان. حيث اخرجوا بالقوة ثم أعيدوا ضمن سلالة السلطة الافشارية (les afshards) (1749-1736) وقد حاولت السلطة آنذاك التخفيف من امتيازات الشيعة في الدولة قاطعة بنفس الوقت الارتباط برجال الدين. فقرر الكثير من العلماء الهجرة إلى العراق وجنوب شبه القارة الهندية، وكان سبب الهجرة إلى العراق هو وجود عدد من مراقد أئمة الشيعة فيه ومنهم الإمامين علي بن أبي طالب في النجف والحسين بن علي في كربلاء، لذلك فأن جنوب العراق كان منطقة صراع دائم وكان شكلياً تحت النفوذ العثماني، أما المدن المقدسة فقد وجد فيها رجال الدين ملجأ واستقلالية بشكل كبير، ربما كان للسكان دور يضمن لرجال الدين استقلالهم بمواجهة كل محاولات السلطة المركزية للتدخل في شؤونهم.

 تلعب هذه الفترة دوراً مهماً ومركزياً لفهم السياق في داخل العراق. ترك رجال الدين الشيعة المظهر الديني الرسمي لكي يكونوا قوة خارج الحدود بطريقة علمية تستقل في جميع أنـحاء الدولة تحت سلطة القاجارية (Qagar) والتي أعادت المذهب الشيعي بصفته دين الدولة وحاولوا الاستفادة من رجال الدين كرأس حربة للتأثير على الإمبراطورية العثمانية، وبقيت الدولة الإيرانية المصدر المهم لتمويل رجال الدين في العراق مع أنهم استمروا متمسكين باستقلاليتهم، وقد اعتمد رجال الدين بشكل رئيسي على المجتمع المدني  ونظام الخمس وهو ضريبة يفرضها علماء الدين على أتباعهم المؤمنين و يتكون من خمس الإيرادات السنوية للعائلة والتي كانت في الماضي ضرورية لاستمراريتهم، وهي بالنتيجة عنصراً من عناصر تمويل النظام الجديد، لم يستخدم فقط لنشر العقيدة ولكنها ضرورة مادية لحفظ المذهب الشيعي و تقوية رجال الدين واستمرارية تطورهم، وهذا ما يفسر حماسة قبائل الجنوب في العراق للتحول إلى التشيع في أواسط القرن التاسع عشر.

أثناء القرن التاسع عشر فرضت مدينة النجف نفسها كمركز للنفوذ الشيعي الديني وأصبح رجال الدين منذ ذلك الوقت الأكثر نفوذا، ويلاحظ أن رجال الدين في العراق كانوا يعتمدون على الأملاك والأموال الموقوفة لتمويل المذهب، كما قاموا بمجموعة من النشاطات الاجتماعية والثقافية بالإضافة لنشاطاتهم الإرشادية "كما في نموذج منتدى النشر" والتي على أثرها تبيـّن مدى نفوذ رجال الدين، من خلال عدد الطلاب الملتحقين بتلك النشاطات.. ومنذ تلك اللحظة أصبحت  المؤسسة الدينية تعرف  بمصطلح (الحوزة العلمية).

سيادة النجف على المدن الدينية الأخرى تطلبت الكثير من المهارة من قبل محمد حسن نجفي المتوفى (1843م) وهو الزعيم الديني الأكثر قوة في وقته والذي نجح في نسج شبكة اجتماعية وتأسيس نظام إنابة (الوكالة) يتكون من ممثلين أو نواب أرسلوا إلى المدن المقدسة الأخرى لجمع الضريبة (الخمس) والحكم باسمه، هذا النظام سمح له بفرض سلطته الدينية على المدن المقدسة الأخرى في العراق وأيضا على التجار الإيرانيين كما أسس للمرة الأولى قواعد الإدارات الدينية المركزية في النجف.

خلف النجفي مرتضى الأنصاري المتوفي (1864م) الذي عزز نشاطه بهباته لقاعدة المذهب الاجتماعية ومرجعية التقليد التي تقوم على محاكاة رجال الدين للعلماء حرفياً وتشترط في هذا على كل الشيعة غير ذوي الاطلاع على عدم تفسير النصوص الدينية بأسلوب شخصي مستقل أي (الاجتهاد)، بل المطلوب اتباع رأي علماء الدين وخصوصاً من نال درجة (آية الله) ولهذا سميت (مرجعية التقليد) حرفياً بـ(مصدر التقليد)، كما انه بيّن الى نظرائه وفق إجراءات صريحة غير رسمية، بان القوة الاجتماعية للمرشح ذات أهمية كما المعرفة الدينية، وليس المطلوب من رجل الدين ان يكون مرجعاً فقط، وانما  عليه امتلاك قاعدة اجتماعية تساعده على تأدية هذا الفعل بالشكل الأمثل "إدارة الحوزة"، غير أن أكثر رجال الدين، في الواقع، يتنافسون فيما بينهم على الاستئثار بالنفوذ الديني.

يمثل تأسيس الدولة العراقية 1921 مرحلة جديدة في تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية، إذ تحالف رؤساء العشائر مع رجال الدين، برئاسة محمد تقي شيرازي، لإنشاء جيش لطرد الاحتلال البريطاني من العراق.  وقد مثلت هذه المرحلة فاصلاً مهماً من تاريخ العراق، فالثورة التي أوقدها رجال الدين الشيعة، والعالقة في الذاكرة العراقية باسم ثورة العشرين، انتهت بفشل مؤلم على الرغم من أنها ألحقت خسائر فادحة بالمحتل، فان العلماء بالنهاية هزموا عسكريا وسياسياً كما همش دورهم واختار بعضهم المنفى واجبر بعضهم الآخر عليه.

مربع نص: وكان هذا هو التفسير الثوري لشهادة الحسين تفسيراً معاصر، ومن خلال هذا التفسير أوجدت الحركات الإسلامية الشيعية في لبنان عام 1960، وبتأثير موسى الصدر، آلية تتخطى الاحتفال بواقعة كربلاء وتؤسس مناسك التمرد في النظام الاجتماعيمن نتائج هزيمة العلماء في العراق عودة الجذب الإيراني لعلماء الدين وبالرغم من ذلك استمرت النجف بالحلقات الدراسية الدينية الأكثر نفوذاً، من جهة أخرى شعرت إيران بولادة جديدة في مدينة (قم) التي كانت قبل كل شيء مكاناً مقدساً فيه ضريح فاطمة أخت الإمام الثامن علي الرضا (ع) وكانت يوماً مركزاً مهماً للدراسات الدينية، فكان تحول رجال الدين إلى قم مدخل لتدهور وانـحدار قوة الحلقات البحثية في العراق، ساهمت هجرة العلماء من النجف بإعادة قم كمركز ديني من الطراز الأول.

الثورة الإسلامية عام (1979) أنهت عدة عقود متأخرة، لكن الإجراءات القمعية للحلقات البحثية في النجف من قبل نظام حزب البعث والذي أدى إلى نزوح الكثير من رجال الدين إلى إيران وبالنظر إلى أهمية تبنيها الطلاب ورجال الدين عادت قم وبلا جدال المركز الرئيس لصناعة رجال الدين الشيعة.

خلال السنين الثقيلة لدكتاتورية حزب البعث، أصبحت حلقات البحث في النجف شبه فارغة وغير مستقرة، ومع ذلك بقيت النجف مدينة ذات هيبة لان وجود قبر الإمام علي فيها أضفى عليها طابعا رمزياً من العظمة وبقيت على الدوام مكاناً لإقامة المرجع الأكثر أهمية.

وهكذا وبين الأعوام (79ـ 89) ـ وهي الأعوام التي قاد فيها الخميني الجمهورية الإسلامية وترأس قيادة المؤسسة الدينية والنظام السياسي ـ كان أبو القاسم الخوئي (1899- 1992) الذي مارس عمله كمرجع بين 1970ـ1992 ـ هو الأكثر إلفاتاً للنظر بشكل منقطع مع أنه يسكن النجف ويحمل الجنسية الإيرانية، باختصار: في الوقت الذي أصبحت فيه قم مركز التعليم للعالم الشيعي بقيت النجف مركزاً للسلطة الدينية وبدون منازع.

 

رجال الدين والسياسة: الثورة مستمرة

 

خلال فترة الثورة الإسلامية في إيران طرحت مناقشات حول الخاصية الجوهرية الثورية لدى الشيعة، الكثير شدد على ان المذهب الشيعي قائم على تصورات ومفاهيم تتعلق بسلطة الإمام السياسية والتي دفعت الشيعة إلى رفض الاعتراف بالسلطات الأخرى غير سلطته.

استشهاد الإمام الثالث (الحسين) في كربلاء ينظر اليه غالباً كنموذج جوهري للشيعة، لقد قرر الحسين مجابهة الخليفة يزيد لأخذ حقه في الخلافة (الحكم) وقد تخلى عنه حلفاؤه في اللحظة الأخيرة . وقد عرف انه وعائلته ذاهبون إلى موت محقق لكنه اختار رغم ذلك التضحية على الخضوع للقوى الغاشمة، وكان هذا هو التفسير الثوري لشهادة الحسين تفسيراً معاصر، ومن خلال هذا التفسير أوجدت الحركات الإسلامية الشيعية في لبنان عام 1960، وبتأثير موسى الصدر، آلية تتخطى الاحتفال بواقعة كربلاء وتؤسس مناسك التمرد في النظام الاجتماعي، حيث لا يكتفي المؤمنون بذرف دموع الحزن فقط بل يجب ان يتَّبعوا الحسين كمثال في قتال الأنظمة الجائرة بلا خوف من التضحية بالنفس، وفي نفس الفترة في إيران كانت كتابات على شريعتي (1933-1977) تدعو إلى عودة الشيعة إلى الأصول الأولى من تفسير العلماء وبان استشهاد الحسين يعد نموذجاً للعمل السياسي.

وهذا التفسير سيكون بالتأكيد جوهر التصور الذي قدم للتعبئة خلال الثورة الإسلامية في إيران. وإذا كانت واقعة الحسين، تمثل مجدداً في الفترة المعاصرة، نوعا من الخزين الرمزي والسياسي، فان الشيعة  مازالوا يعيشون مرة أخرى، مناسك كما لو أنها ندم خالص للهزيمة المشتركة للشيعة، دون وجود منظار لقلب الأشياء التاريخية للحكم، وفي الواقع قدم الشيعة في نفس مذهبهم وتاريخهم اتجاهين متعارضين يرمزان لتعارض خيارات الإمامين الثاني والثالث (الحسن والحسين) (الأشقاء)، مع ذلك سيكون هذا خيارا لأغلب حلفائهم، لدينا في الغرب دمجت هذه المتناقضات بين الحسن والحسين في قراءتنا للتضاد بين التيار الثوري والتيار المسالم (Quistite) إذ أن الأخير تاريخياً تفوق على الاول وقد ادرك هذا بعد الثورة الايرانية، واخذ مكانه داخل مشهد التدخل الامريكي في العراق والذي شدد على وصول الشيعة الى سدة الحكم في بغداد، سمح للتيار المسالم  المتجسد في مرجعية السيستاني (ولد 1930) في استعادة تكوين رؤية على حساب آيات الله الراديكاليين في قم.

هذه الوقائع تكشف حدود  المقاربة المشتركة بين رجال الدين الشيعة الثوريين والمسالمين (التقليدين).

مباشرة بعد سقوط صدام حسين لعب السيستاني الدور السياسي الأول الأكثر تواصلاً داخل العالم الشيعي وزعامة الحوزة في النجف منذ 1992 وهذا يوضح أن السيستاني اخذ على عاتقه الوضع السياسي باعتباره مكملاً لدوره كزعيم ديني، بالتأكيد انه يعتقد ان العلماء غير قادرين على الاستئثار بالسلطة السياسية للامام، ولكنه كالاغلبية الساحقة من معاصريه، يعتقد ان علماء الدين يتدخلون في المناقشات المصيرية في وقتها. وخاصة في اوقات الازمات السياسية الخطيرة.

 

الإسلام الشيعي في قلب المؤسسة الدينية في العراق

في العراق ولد الإسلام السياسي في وسط المؤسسة الدينية وفي المدن المقدسة وكان يلاحظ بوضوح من خلال مفاهيمها وتنظيماتها الدارجة وصراعاتها الداخلية، الحزب الشيعي الأول هو الدعوة الإسلامية. ولد حوالي 1957- 1958 بين رجال الدين في النجف.

حيث اظهرت العلمانية دورا متعاظما من خلال نجاحات القوميين العرب والشيوعيين التي جزأت هذه الحركات الشيعة لا سيما الطبقة الوسطى البسيطة بسبب معارضتها للملكية التي انشأتها بريطانيا، وقد لاصقتها الكتلة الشيوعية والتي يقال انها لعبت ببراعة على التناغم اللفظي بين الشيوعية و الشيعة، لتجنيد الوسط الشيعي.

على الرغم من ان العلمانية واجهت عوائق تأتي في مقدمتها، سعة المؤسسة الدينية التي تعتمد حصرياً على تبرعات المتطوعين للحفاظ على توازنها، ادى سقوط الملكية نتيجة انقلاب الزعيم عبد الكريم قاسم المدعوم من الحزب الشيوعي إلى إطلاق طلقة التحذير لدى رجال الدين، للتأكد بأنفسهم من أخطائهم والخروج من خمولهم ونوعاً ما باستعادة صفاتهم المفقودة، على نـحو ما أصدره الزعيم عبد الكريم قاسم من قوانين هددت بشكل  مباشر تطلعات رجال الدين مثل قانون الأحوال الشخصية الجديد، الذي حرمهم من جزء مهم من الامتيازات القضائية وكذلك الإصلاح الزراعي الذي فتت طبقة الملاك الكبار الذي كانوا يتبرعون بشكل تقليدي بأموالهم للمؤسسة الدينية، والتي كانت الباعث الأساسي لطبقة رجال الدين المتوسطة والدنيا، ودعمت المرجعية حركة محسن الحكيم عالم النجف الذي حرم نضال الشيوعية واسند إلى جماعة العلماء ـ التي أنشئت عام (1960) ـ تولى اصدار الكتب التي تؤلف بلغة بسيطة غير ادبية وتسمح له بتفنيد الحزب الشيوعي وتوضيح أن الإسلام يوفر حلولاً فعالة للمشاكل الاجتماعية المعاصرة، كما طور الحكيم بشكل مواز شبكة من الكليات الدينية والمكتبات المحملة بمختلف الكتب الإسلامية.

وبالرغم ان محسن الحكيم لم يكن ابدا عضواً في حزب الدعوة فان طلابه المقربين وكذلك ابنه مهدي الحكيم المتوفى عام (1988) يعد ضمن المؤسسين الرئيسين لحزب الدعوة.

ويبقى محمد باقر الصدر (1931-1980) الشخصية الأكثر تأثيرا بلا جدال في حزب الدعوة، المحفز المباشر لأفكار حركة التشيع المستلهمة من مفاهيم حركية سنية (الأخوان المسلمين) ولدت قبل ثلاثين سنة في مصر، ويعد "الصدر" من أكثر الطلاب  تألقاً عند محسن الحكيم . حيث برع ليس فقط بكفاحه النشيط وانما بمساهماته الفكرية الإسلامية المعاصرة والتي دحضت خطوة بعد خطوة الشيوعية وافترضت بدلها نظاما إسلاميا شاملاً. وبالتأكيد اقتراحاته كانت الملهم المباشر التي ساهمت في الترتيبات المؤسسية الأولى للجمهورية الإسلامية في ايران (1979) وكذلك فان محمد باقر الصدر قد تبصر في وظيفة الإرشاد وليس السلطة الدينية كرجل دين فحسب. أدت علاقة رجال الدين مع حزب الدعوة إلى تكوين رؤية جديدة للحزب عبر جدل غير منتهي  من قبل رجال الدين لمبادئ الحزب الدينية السياسية

عبر رجال الدين عن تباين ملموس حول قبولهم لإنشاء حزب ومبادئه السياسية الدينية ولذلك لم يسر هذا دون معارضة او تبرم، غير انه في نفس الوقت عبر عن قلق لرجال الدين ازاء أولوية تكوين الرأي السياسي عند الشيعة، بالرغم من أن العلماء يبقون هم الضامنون لبقاء المؤسسة الدينية.

كان محسن الحكيم يعتقد بصراحة أن إنشاء حزب سياسي سيساهم في ارباك دور الحوزة العلمية عند الشيعة،  ولذلك في منتصف عام 1960 عندما شعر بهشاشة النشاط الجهادي طلب من محمد باقر الصدر حينها اقالة  مهدي الحكيم من حزب الدعوة وهذا ما يكشف عن ان السياسة بالنسبة لرجال الدين ليست غاية بذاتها، لكنها وسيلة للدعم في ظل المؤسسة وسيكون هذا في مكان اخر نقطة الخلاف الرئيسي مع المجاهدين غير الدينيين للاحزاب الإسلامية.

 

صراعات الأحزاب

المرجعية هي أعلى سلطة دينية ولقد اجتازت بشكل متعاقب الصراعات بين المرشحين العلماء لمنصب المرجع، إذ لم تكن هناك قواعد واضحة توكل تعيين المرجع، بل ترسخت تدريجياً من خلال حشد شبكة من العلاقات التي تكون جوهر هذا الوضع  هو المكون الأساسي للمؤسسة الدينية، سلطة كهذه ربما تضع الآخرين في محل الطامع إلى أكثر من السلطة الدينية، وتنتج صراعات ربما كان سببها المطامع الشخصية او الدينية او الاثنية.

في أواسط عام 1960 انبثقت حركة شيعية أخرى في العراق حيث كانت المنافسة قديمة بين مدينتي النجف وكربلاء، قبل أن تفرض النجف كعاصمة رئيسية للزعامة الدينية كانت كربلاء من أكثر المدن أهمية بالنسبة لعلماء الدين، لكن في أواسط القرن التاسع عشر حين اجهضت حركة رجال الدين ضد السلطة العثمانية وحوصرت مدينتهم وقتل الألف من سكان كربلاء مما اجبر علماء الدين على المغادرة إلى مدينة  النجف وبالتالي أدى إلى ضعف حلقات البحث الدينية الكربلائية، لكن التهميش الذي أصاب رجال الدين الكربلائيين لم يرضهم فظهر عام 1960 رجل دين شاب اسمه محمد شيرازي (1926) وهو من اكبر مؤسسي المؤسسة الدينية في كربلاء، واخذ على عاتقه تنظيم حملة نشيطة لغرض فرض سيطرته، تغيرت المؤسسة الدينة منذ ذلك الوقت إذ كان المرشح الشرعي يجب أن يبلغ سبعين عاما، لكن بقدوم محمد شيرازي 37 عاما ودعمه من قبل المؤسسة الدينية في النجف وحضوره حلقات البحث الدينية في النجف والتي استطاع من خلالها ان يبين لهم ان رجال الدين في كربلاء هم الأفضل في هذا المجال.

ينحدر محمد الشيرازي من أسرة رفيعة إذ ينتمي نسبه إلى سلسلة من المراجع المهمة منهم الشهيد حسين ميرزا الشيرازي المتوفى (1894) والذي اجبر عام (1891) شاه إيران على أن يسترد من البريطانيين احتكارهم لتجارة التبوغ في بلده، وكذلك محمد تقي شيرازي الذي لا يقل شهرة عن الأول والذي كان احد قواد ثورة العشرين في العراق. من جهة أخرى استثمر محمد الشيرازي  مشاعر المواطنين من أهالي كربلاء الذين كانوا يتمنون ان تصبح مدينتهم مصدرا للإشعاع وكان يرغب بإصلاح المؤسسة الدينية وذلك بأن تكون أكثر اهتماماً بشؤون المواطنين واكثر فعالية سياسية، كما قام بإصدار منشورات لعامة الشعب بلغة بسيطة بعيدا عن لغة العلماء المتخصصة بالتفسير والمتكلفة والصعبة الفهم احياناً، ومثل محمد باقر الصدر كان الشيرازي يعتقد ان الدين لكي ينتصر على العلمانية في الشرق الاوسط يجب ان يكون اكثر نضالاً في الميدان السياسي، كما صاغ الشيرازي قبل الخميني عقيدة لدولة يديرها نخبة من رجال الدين التي ستعين فيما بعد (شورى الفقهاء) او مجلس العلماء. فهو يعتقد ان الدولة الإسلامية يجب ان تدار من قبل مجموعة من علماء المرجعية، وقد ابلغ المؤسسة الدينية العليا عبر تقرير (هو الوحيد) ان حزب الدعوة نموذج سياسي ذو نمط مستوحى من الآلية الغربية، وأوضح مدى خطورة وعواقب كل لحظة تظل سبيل الإسلام.

وقد طور أخيه حسن الشيرازي (934ا-980ا) تلك النقطة بالتحديد، والتي ألهمت بشكل مباشر ابن أخته محمد تقي المدرسي (ولد 1945).

أسس هذا الأخير في منتصف 1960 حركة عرفت مبدئياً باسم حركة الرسالة، التي أصبحت فيما بعد 1979 منظمة العمل الإسلامي، الاسم الذي بقيت تحمله لغاية اليوم.

على عكس رجال الدين في العراق، فان رجال الدين في إيران يستندون دائماً إلى التاثيرات المتبادلة في الحياة اليومية في الدولة . لهذا السبب وجدوا انفسهم مجرورين بمواجهة إصلاحات تحديث المؤسسات من قبل السلالة البهلوية (1925-1979) حيث كانت بداية الأمر إصلاح نظام التعليم.


الهوامش:

(1)    فصل من كتاب: 2008:\ le chiisme et politique au moyen_orient

 

المزيد من الاخبار

  أوباما آخر المناهضين للاستعمار

  منهج فلسفة التاريخ والعولمة

  ثقافة العنف وتأثيرها على الشخصية العراقية

  العرف العشائري والشريعة الإسلامية /نظامان يحكمان واقع المرأة

  التقليد في الفقه الشيعي من الاستناد إلى السلطة

  الرسائل الفقهية العملية وتكريس الاحتكار والطبقية

  سياسات السيستاني (أو الصراع على تأويل الدولة الوطنية العراقية )

  صعود المرجع الأعلى

  التفكير بالدولة في مدرسة النجف

  فقيه الولاية

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...