المرصد النيابي العراقي
التصويت
هل التقنيات المستخدمة في موقع مؤسسة مدارك مقبولة ؟
 نعم
 كلا
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 1
عدد زوار اليوم : 13
عدد زوار أمس : 58
عدد الزوار الكلي : 10140
تفاصيل الخبر

التقليد في الفقه الشيعي من الاستناد إلى السلطة

2011-09-26


 

فضل فرج الله

التقليد في الفقه الشيعي من الاستناد إلى السلطة

 

 

 من وجهة نظر براغماتية يبدو التقليد بمعناه العام أمرا مقبولاً ومتعلقاً بحركة حياة الإنسان بجميع اشكالها... وهو بهذا المعنى شيء مستحسن وليس فيه ما يعد تقيُّداً من طرف المقلِّد أو تسلطاً من طرف المقلَّد... فالمريض (يقلد) الطبيب في نوع الدواء الذي يجب أن يتناوله، والذي يبني برجاً أو بيتاً (يقلد) المهندس في اختيار الخريطة ونوعية المواد المستعملة للبناء وكميتها وما يتعلق بها... وكذلك المتفقه (يقلد) المجتهد بالمعنى الديني في أخذ الأحكام الشرعية والعمل بها... والفكرة التي تحكم الجميع هنا هي انهم يستندون إلى من له الخبرة الكافية فيما يجنبهم الوقوع في المحذور سواء كان ذلك دينياً أو دنيوياً...

وعليه فانه يمكن القول بأن التقليد بهذا المفهوم لا يشكل أي تعارض مع فكرة الحرية عند الفرد وكذلك لا يشكل تهديداً لإدراكه لدور العقل وضرورة الابتعاد عن التقليد الأعمى المذموم شرعاً وعقلاً... ذلك ان هذا المعنى قد يندرج ضمن مفهوم التخصص لا سيما مع الاتساع الكبير الذي شهدته، ولا تزال تشهده، كل يوم مختلف العلوم في مجالات الأحياء والفلك وتكنولوجيا المعلومات، وبالتالي فانه جزء من مبدأ تبادل المنفعة الذي تقوم عليه الحياة حاضراً المعزز باتساع دائرة العلوم والاختصاصات ما يعني حاجة صاحب الاختصاص إلى الغير في كل ما هو خارج عن اختصاصه مما قد يجعله (مقلّداً) لهذا الغير بالمفهوم العام الذي نتحدث عنه...

وفي الجانب الديني لمفهوم التقليد فقد وجدنا أن الأمر لم يتعدَ في بداية نشأته مفهوم (الإتباع)([1]). حيث كان الناس في بداية الأمر من الذين عايشوا الرسول في مكة أو في المدينة وكذلك من الذين عايشوا الصحابة بعده أو الذين عايشوا أئمة أهل البيت عند الشيعة الإمامية انما يتبعونهم في طريقة أداء عباداتهم وكذلك معاملاتهم الأخرى سواء من خلال التوجيه المباشر أو من خلال الإتباع العملي أو الفعلي وهو جزء من مفهوم الأخذ عن الرسول أو الإمام حيث يؤخذ القول وكذلك الفعل على أساس أن فعلهما هو تجسيد حي للشريعة أو الأحكام بشقيها العبادي والمعاملاتي... وهذا المعنى هو مثال أولي لمفهوم التقليد بمعنى (الإتباع)...

وقد كان هذا المعنى سائداً حتى بعد عصر الرسول والأئمة والصحابة حيث كان الناس يتبعون التابعين وتابعي التابعين ومَن بعدهم من المحدثين ورواة الحديث، وقد ظل هذا الفهم مستمراً حتى فترة متأخرة من تاريخ الفقه الإسلامي، وظل هذا الأمر (الإتباع، الاستناد في العمل، أو التقليد) يُتداول ببساطة وسهولة حتى أنه لم يقنن ولم يتم التنظير له ولم يدخل الكتب الفقهية الا في فترة متأخرة من الاجتهاد الفقهي.. بل اننا نجد أن هناك محاولات للبحث في حليته أساسا لاسيما مع الذم الواضح في النص القرآني لمبدأ التقليد...

فقد قال بحرمته كبار الفقهاء من أئمة المذاهب حيث حرمه ابو حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل وغيرهم ممن نقل صاحب (أعلام الموقعين) أقوالهم وآراءهم ونصوصهم التي تؤكد حرمة التقليد حيث أن جمهور العلماء يقولون بإبطال التقليد([2]).

وهذا المعنى ذاته يوجد عند الكثير من أوائل فقهاء الشيعة الإمامية حيث هو واضح وجلي عند السيد ابن زهرة، وعند الاتجاه الاخباري... كما انه يفهم أيضا من أقوال السيد المرتضى والشيخ الطوسي وابن ادريس الحلي وغيرهم الحرمة في التقليد([3]).

مما يعني ان الفهم السائد حالياً للتقليد بمعناه الفقهي وتحديداً في المذهب الشيعي قد يفتقر إلى الكثير من العمق التاريخي والمقومات والمبررات النصية والعملية استناداً إلى الواقع الذي كان يعيشه اتباع الأئمة والفقهاء الكبار الذين كانوا يمثلون التشيع آنذاك.. حيث أننا لا نجد أكثر من مفهوم بسيط ونموذج سهل جداً للاتباع الذي يعني العمل وفق ما ورد عن الرسول أو الإمام بواسطة الفقيه أو المحدث... خصوصاً وأن الأمر كان يُبحث ضمن إطار الحلية والحرمة حيث تكبد الفقهاء كثيراً من العناء لتخليصه من مبدأ الحرمة وهو ما يجعل البحث عن وجوبه واعتباره تعبدا مرادا من المشرع شيئاً غريباً ضمن هذه المعطيات والدلائل التاريخية، وهو ما سوف نـحاول معرفته ضمن سياق هذا النص...

 

البحث عن الأدلة

لقد بحث المهتمون بهذا الشأن العديد من النصوص القرآنية والروايات في محاولة من أجل ربط وجوب التقليد على المسلم بالنص الديني وبالتالي حصوله على الشرعية الفقهية بوصفه تعبداً مطلوبا من قبل المشرع... إذ أن مما هو واضح فان مفهوم (التعبد) بمعناه الدقيق شرعياً لا يصح مع الافتقاد إلى النصوص الصحيحة التي تدعم صدقية هذا التعبد أو انه مراد فعلاً.

وحيث أن التقليد هو موضوع تعبدي وفق الرؤية الفقهية فانه لابد من ايجاد الادلة النقلية التي تسنده حتى يصح ان يوصف بأنه تعبد وانه مراد من قبل الشارع... وكأن البحث اتجه هنا إلى عملية تبرير وتكييف فقهي لهذا الأمر، ذلك ان موضوع التقليد هو أمر راسخ في الذهنية الفقهية السائدة وقد كان لهذا الرسوخ مبرراته الكثيرة التي تبلورت عبر الزمن والتي قد تكون بعيدة عن مدى ثبوت النصوص من حيث السند والدلالة أو عدم ثبوتها في اقراره... ونـحن هنا نفرق بين أمر أو حكم (منجز) ولكنه يحتاج إلى مبررات لكي يأخذ موقعه الديني، وبين أمر غير منجز سلفاً بل يدور مدار الادلة الصحيحة التي قد لا تسير به بالاتجاه الايجابي دائماً بل قد تسير به عكساً...

إن محاولة البحث عن الادلة النصية التعبدية التي تبرر التقليد بمعناه السائد الآن قد لا تبدو محاولة موفقة لاسيما وان هذه الادلة محدودة جداً واستنطاقها بهذا الاتجاه يحتاج إلى جهد ومؤونة كبيرة تخرجها في الكثير من الحالات عن سياقها أو عن المغزى الحقيقي الذي جاءت به...

ويتركز هذا المعنى تحديداً في بعض الآيات القرآنية مثل آية النفر([4]) وآية السؤال([5])... حيث أن محاولة أخذ حجية التقليد منهما هي محاولة تفتقر إلى الكثير من الصدقية وفيها الكثير من التعسف في فهم النص لاسيما إذا وضعنا هذه الآيات في سياقها الصحيح... وحتى نكون منصفين أكثر فانها قد تدل على معنى أو فكرة الإتباع بمعناه الإنساني العام بمعنى رجوع الجاهل إلى العالم في مورد تخصصه عند الحاجة وليس في ذلك أي معنى لإضفاء القدسية أو التعبدية في هذا الأمر، إنما هو اتجاه لتأكيد إنسانية هذا الموضوع بغض النظر عن الجانب الديني له...

اما بالاتجاه نـحو الادلة النقلية الأخرى من الروايات والاحاديث فان الاشكالية قد تتعمق بشكل اكبر، ذلك ان كل هذه النصوص تعاني من مشاكل من حيث السند وصحة ودقة ووثاقة رواتها مثل نص (توقيع الحجة)([6]) المروي عن الإمام المهدي، وكذلك النص المروي عن الإمام العسكري في توصيف الفقهاء الذين (للعوام) ان يقلدوهم([7])... وكذلك الروايات التي ترجع أمر القضاء إلى الفقهاء، والروايات التي تمتدح رواة الحديث وتدعو إلى الأخذ منهم وغيرها([8]).. فانه مع التحفظات الكبيرة الموجودة في سند هذه الروايات والمؤاخذات الكثيرة على الرواة الموجودين في سلاسلها ـ طبعاً التوسع في الحديث عنها ليس من اولويات هذا المبحث ويمكن مراجعة الكتب التي بحثت هذا الموضوع بشكل مفصل ـ فهي تفتقر إلى الدلالة الصريحة على معنى التعبد في التقليد أو كونه قضية شرعية يتم التعامل معها كما يتعامل مع سائر القضايا الشرعية التي وصفتها النصوص بالحرمة أو الجواز... انما اكثر ما يمكن أن يستنتج منها هو التعريف بالطريق المناسب للأخذ أو الإتباع في الحكم الشرعي ولا تستبطن أي مغزى إلهي أو قدسي أو تعبدي كما تستبطن أغلب الاحكام الشرعية المأخوذة من النص الديني والتي بينت هذا الجانب في كثير من الاحيان...

وعليه فان الاستناد إلى النصوص في اثبات وجوب التقليد بهذا المعنى هو محاولة غير موفقة وتفتقر إلى الكثير من الدقة، حيث يعرف عن الاجتهاد الفقهي الدقة الكبيرة في التعامل مع النصوص سنداً ودلالةً... ولا نريد هنا أن نثبت فشل هذا الاتجاه أو نجاحه بقدر ما يهمنا تأكيد التعامل مع هذه المفردة على انها ليست مفردة منجزة شرعياً ومنتهية من حيث الدليل، أو على الاقل قوية ورصينة من ناحية الاستناد إلى النص الشرعي الواجب ثبوته ابتداءً في حال اثبات حكم تعبدي ما...

وهو ما جعل الفقهاء المهتمين بهذا الشأن يرجحون دليل (السيرة العقلائية) في جواز ومن ثم وجوب التقليد على سائر الأدلة النقلية للأسباب المتقدمة... فقد رأى الآخند الخراساني في (كفاية الأصول) وكذلك السيد الخوئي في (كتاب الاجتهاد والتقليد) ان سيرة العقلاء وبناءهم على هذا الأمر بالاضافة إلى عدم ردع الشارع عنه شيء ضروري لا يختلف عليه اثنان وهو من ضرورات الحياة التي لا غنى عنها([9]).

مربع نص: حتى أصبحت بعض المرجعيات توصف بأنها امبراطوريات مالية وكان يُخشى كثيراً على هذه الأموال الطائلة بعد وفاة المرجع أن تتحول إلى أشخاص ليسوا أهلاً للمسؤوليةذلك أن دليل (الانسداد) يقضي بأن عدم جواز رجوع الجاهل إلى العالم سوف يؤدي إلى انسداد طريق العلم لديه، وبالتالي فهذا يؤدي إلى ابتعاده عن إدراك الواجبات الشرعية والعمل وفقها، لأنه لا طريق لديه إليها. والحديث هنا يتعلق بالإنسان الذي لا قدرة للاجتهاد عنده في هذه الأمور لأنها قطعاً تحتاج إلى من هو متخصص فيها وليس يسيراً على كل الناس التخصص في ذلك... ومع ضم ضرورة امتثال الإنسان إلى ربه فان التقليد هنا يتحول من جائز إلى واجب في حال انـحصار الامتثال به...

وبناءً على ذلك فاننا يمكن أن نستنتج أن هذه العودة إلى السيرة العقلائية أو العودة إلى حكم العقل الإنساني في هذا الموضوع هي تأكيد على إنسانية هذا الموضوع بغض النظر عن الجانب التعبدي الذي أحيط به وكذلك يبعده عن جانب القداسة وما اكتنفته من طقوس دينية وأخرى دنيوية...

مما يعني أن التقليد بهذا المعنى أصبح إتباعاً وأخذاً ويمكن أن نسميه عملية تبادل معرفي بين طرفين ببعده الإنساني المحض، ذلك أن الإنسان قد يكون مقلّداً (بالكسر) في الكثير من مناحي حياته المختلفة، مثلما قد يكون مقلّداً (بالفتح) في مجال تخصصه، وهذه طبيعة الحياة وضرورة تفرضها التغيرات الكبيرة في المعارف والتوسع الهائل في مجالاتها المختلفة وبالتالي تعدد الاختصاصات وعدم القدرة على الإلمام بكل أطرافها..

أما مسألة التعبد التي أضفت على التقليد الشرعي فهذه مسألة لها الكثير من مسبباتها التي نكاد نجزم بأنها بعيدة عن الاستناد الحقيقي إلى النص الديني الثابت والواضح الدلالة... كما انها تخلو من مغزى يتعلق بالمصلحة العامة للمسلمين أو بضرورة حفظ الدين كما يدعي الكثيرون ممن ينظرون لهذا الاتجاه...

 

التقليد بوصفه سلطة

لقد تبين أن السياق الذي تسير به أدلة وجوب التقليد لدى الفقهاء لا ينهض بفكرة تعبدية التقليد، وان الاتجاه الذي يمكن الوثوق به هو وضع التقليد في إطاره الإنساني، أي الحاجة إلى الأخذ من الغير، أو إتباع ذوي الاختصاص من أجل الاطمئنان على صحة العمل أو السلوك وفق أحكام الدين، أما أن يتحول هذا المعنى إلى القدسية ويصبح (تعبداً) ملزماً وذا شروط ومبادئ توجهه باتجاه معين أو أشخاص معينين دون غيرهم.. فهذا أمر يمكن النظر اليه على انه محاولة لتكريس سلطة معينة، وقد وجدت هذه المحاولة مبرراتها عبر التاريخ حتى أصبحت شيئاً فشيئاً جزءاً من منظومة التفكير الفقهي وقد أخذت مدىً واسعاً في التنظير والاجتهاد حتى أصبحت تشتمل على الكثير من الأحكام والواجبات والمحرمات وأصبحت مقياساً شاملاً لصحة وسلامة التكليف، فلا قبول للأعمال والعبادات والطاعات من غير تقليد. وتصاعد هذا الأمر كثيراً عندما وضعت شروط مثل الاعلمية والحياة وغيرها للمرجع المقلَّد مما هيئ لظهور صراعات متعددة داخل مجتمع الحوزة العلمية وبين عوائل وبيوتات وشخصيات حوزوية... ولم يكن هذا الصراع ممكناً لو لا أن مرجعية التقليد هذه كرست مجموعة من الامتيازات بيد البعض فيما سُلبت من آخرين، كما انها رسخت واقعا لسلطة مختلفة الابعاد والاتجاهات، منها ما هو روحي ومنها ما هو اجتماعي سياسي ومنها ما هو مالي...

وهنا نـحن أمام محاولة لاكتشاف الأسباب الكامنة وراء تحول التقليد من معناه الإنساني البسيط أو معنى اتباع الجاهل للعالم أو الاستناد إلى الغير في مقام العمل.. إلى معنى التعبد والقدسية حتى أصبح يشكل منظومة دينية قائمة بذاتها لها طقوسها وتحتل مكان الأولوية من كل الالتزامات الدينية الأخرى...

إن هذه الأسباب تتجه تحديداً إلى تكريس مفهوم معين للسلطة بغض النظر عن التسميات التي تقف وراءه... ولهذه السلطة تجلياتها ومفرداتها الكثيرة لكنها يمكن ان تتلخص في ثلاث مفردات هي: الزعامة الروحية، الزعامة الاجتماعية والسياسية، والزعامة المالية...

فإن المتابع لتاريخ التقليد يجد انه رسخ زعامة روحية كبيرة لدى المقلِّدين تجاه مقلَّديهم لا توازيها زعامة روحية اخرى وقد تتجاوز في ثقلها عند الكثيرين زعامة الإمام أو حتى النبي، ذلك أن المرجع المقلَّد الذي هو في العرف الشيعي نائب الإمام قد يكون له حضور يطغى على حضور الإمام ذاته لاسيما انه الحاضر الفعلي في ظل غياب الإمام...

مربع نص: ذلك أن (الاتجاه التعبدي) أخرج مسألة التقليد من سياقها المقبول لتدخل في سياقات أخرى نكاد نجزم أن الكثير منها لم يكن يدخل ضمن مغزى المشرعوهنا نذكّر أن هذه الزعامة لم تكن معروفة بهذا المستوى تاريخياً لاسيما أن الزعامة الروحية عند الشيعة لها قدسية ترتبط بعصمة الزعيم أي كونه إماماً أو نبياً، ولهذا فان علماء الشيعة في بدايات عصر ما بعد الأئمة لم يكونوا يمارسون سلطة روحية أو زعامة روحية على أتباعهم الشيعة انما كان الأمر يتعلق بفكرة الإتباع وأخذ الحكم الشرعي مع الابتعاد عن تقديس المقلَّد بهذا المعنى وبالتالي فانه يفتقر إلى السلطة الروحية على الناس لان الناس لازالوا يعيشون ظل الزعامة الروحية للائمة... أما ومع الابتعاد شيئاً فشيئاً عن عصر الأئمة فان هذه الزعامة قد تنتقل إلى أشخاص آخرين وقد مثل هؤلاء بشكل واضح الفقهاء بوصفهم (نواب الإمام).

ولم تكن هذه الزعامة ممكنة من دون ترسيخ مفهوم تعبدي للتقليد والذي ظهر في وقت متأخر من تاريخ الاجتهاد في الفقه الشيعي، حيث ساهم هذا الاتجاه الجديد في تصاعد مفهوم هذه الزعامة الروحية تدريجياً، مما يعني أنه أسهم إسهاماً كبيراً في تركيز السلطة الروحية لمراجع الدين، فما دام التقليد عملا تعبديا ودينيا فيجب أن يتجه إلى شخص معين يتمتع بمواصفات معينة تم التنظير لها فقهياً كما انه المخول الوحيد في التصرف بالمال الشرعي والعلاقات الاجتماعية ذات البعد الديني وغير ذلك.. بالتالي أصبح التقليد يمثل هنا حجر الزاوية في ترسيخ هذه الزعامة ودعمها بكل الاتجاهات...

وكما يهيئ التقليد عنصراً أساسياً لزعامة روحية ممتدة فانه أيضاً يمثل داعماً أساسياً لزعامة اجتماعية قد تتحول إلى زعامة سياسية للامة.. فما دام المقلِّد متصلاً بهذا المستوى العميق بمقلَّده المعزز بزعامة روحية، فإنها من الطبيعي أن تتحول إلى زعامة اجتماعية تتجلى بقدرة كبيرة لدى المقلَّد في توجيه اتباعه وتحريكهم وفق رؤيته في كل القضايا التي تدور في الواقع الاجتماعي... وقد تتحول هذه الزعامة الاجتماعية إلى زعامة سياسية إذا اتجه المقلَّد اتجاهاً سياسياً بمعنى انه تبنى رؤية سياسية من بعد ديني... وهنا تكون هذه الزعامة أشد قوة وتأثيراً لدى الإتباع لانها سوف تختزل سلطة الدولة والسلطة الروحية في شخصية المقلَّد... وسوف يكون التقليد هنا اللاعب الاساسي في هذا الموضوع إذ وجدنا أن اختلاف المقلَّد بين مختلف الناس سوف يؤدي إلى حدوث اختلاف واضح وكبير في وجهات نظر الافراد وتأثير الزعامة فيهم... فإن من يقلِّد مرجعاً لا يؤمن مثلاً بولاية الفقيه المطلقة سوف لا تمثل له زعامة ولي الفقيه أهمية من حيث قدرتها على التأثير عليه سواء اجتماعياً أو سياسياً...

أما بالحديث عن علاقة التقليد بالزعامة المالية فانه من الواضح لكل المتابعين أن عنصر المال له أهمية كبيرة في قيام واستمرار أية مرجعية دينية مهما كانت تتمتع بمميزات أخرى كثيرة، وبما أن المرجعيات الدينية الشيعية معروفة تاريخياً بابتعادها عن دعم السلطات الحاكمة في قيامها واستمراريتها بل انها كثيراً ما كانت معارضة لهذه السلطات فانها ظلت تعاني من مشكلة مالية خلال تاريخها الطويل... إلا أن تطور مفهوم التقليد بهذا الاتجاه وإسهامه في ترسيخ جوانب متعددة للسلطة عند المقلَّد وحصر إعطاء الأموال الشرعية بالمرجع المقلَّد دون غيره وإرسالها إليه أينما كان([10]).. دفع هذا الموضوع إلى الإمام بشكل كبير ، إذ غالباً ما تقع في عملية سوء استغلال بعيدة عن المغزى الحقيقي الذي كان في بال معطي المال، والغريب أن هذه الأموال غالباً تصرف بعيداً عن الناس الفقراء القريبين منها أو من مصادرها الأصلية، وكثيراً ما نعرف عن عملية نقل الأموال الشرعية من بلد إلى آخر وإقامة مشاريع اجتماعية وإنمائية في بلدان أخرى غير البلد الذي كان مصدراً لهذا المال... وبغض النظر عن الدخول في هذه المسألة الشائكة التي تثير حساسيات مختلفة فإن الغرض هنا هو إيضاح دور التقليد في إنشاء هذه الامبراطوريات المالية...

ذلك أن الفتاوى التي تحدد براءة ذمة المكلف من الالتزامات المالية من الخمس والزكاة ـ على الأقل ـ تلزم هذا المكلف المقلِّد بالدفع إلى مقلَّده بعينه دون غيره من المجتهدين، كما انه لا يجوز له صرفها على مستحقيها مباشرة بدعوى انه يجهل موارد صرفها الصحيحة.. ومع ضم فتاوى وظروف واقعية أخرى تحصر التقليد في مجموعة محددة من المجتهدين قليلة جدا ومع الحس العالي للفرد الشيعي في الانقياد التام لمرجعه لأنه يمثل الإمام المعصوم عنده بل أن موقعه النفسي قد يتجاوز موقع الإمام عند البعض كما مرّ سالفاً.. عندها يمكن تخيل ما سوف تدره هذه الموارد من مال على هذه المرجعيات.

 

التقليد بوصفه استناداً

إذا كان التقليد بالمعنى المتداول حالياً لا يصمد كثيراً إمام النقاش أو بالأحرى انه لا يستطيع إثبات تعبديته ولا كونه مطلوباً من الشارع بالذات، انما الناجز فعلاً هو أن الشرع ترك هذا الموضوع لمعناه الإنساني البسيط دون أن يدخله في مجال التعبد ولم يضف عليه أي بعد ديني أو الهي... انما كان الأمر يدور حول فكرة الإتباع أو الاستناد في العمل إلى الغير بسبب عدم القدرة على اكتساب المعرفة الخاصة التي تؤهل الإنسان للعمل بموجبها...

ذلك أن الفرد في مقام المعرفة الخالصة أو في مقام المعرفة التي تؤدي إلى العمل هو إمام خيارين: إما أن يكتسب المعرفة اللازمة بحيث يكون متخصصاً وقادراً على أن يهيئ لذاته المعلومات اللازمة التي تبعثه على العمل، وهنا نـحن إمام ما يصطلح عليه فقهياً بالاجتهاد، فالإنسان الذي يصل إلى الاجتهاد أي يكتسب القدرة الذاتية على استنباط الحكم الشرعي من مصادره الخاصة... سوف يكون في غنىً عن تقليد الغير في هذا المجال الذي يتخصص (يجتهد) فيه، أما إذا فقد القدرة على الاجتهاد بهذا المعنى سواء في بعض المسائل الفقهية (المجتهد المتجزئ) أو في المسائل الأخرى التي تخص حياته... فإن الرغبة الإنسانية لديه في التعرف إلى الاشياء وتطبيقها بشكل مناسب ومرضٍ... تحتم عليه الرجوع إلى الغير أي صاحب الاختصاص الذي سيكون رأيه حجة على غيره كونه لم يأت من فراغ انما استند إلى معرفة صحيحة واجتهاد...

وبناءً على ذلك فان الاستناد بهذا المعنى أصبح حاجة إنسانية فعلية لا علاقة للتعبد فيها كما انها لا تحتاج إلى شرعنة فقهية، ذلك أن (الاتجاه التعبدي) أخرج مسألة التقليد من سياقها المقبول لتدخل في سياقات أخرى نكاد نجزم أن الكثير منها لم يكن يدخل ضمن مغزى المشرع خصوصاً فيما يتعلق بترسيخ مفهوم للسلطة لا يستند إلى مبرر شرعي أو ديني...

من هنا نقول إن التقليد الذي تفتتح به غالباً الرسائل العملية الفقهية هو مبدأ إنساني خالص، وإن تجييره (شرعياً) باتجاه معين وصوب شخص معين بمواصفات محددة ومن ثم الرجوع اليه بشكل خالص وتقديم الطاعة والأموال له دون غيره... لم يكن يستند إلى مبرر شرعي قوي وواضح انما تطور هذا المعنى عبر الزمن حتى أصبح بالشكل الحالي.. وقد ترافق ذلك مع مفاهيم الزعامة والسلطة وإلا فان العودة قليلاً إلى الخلف تنبئ بأن هذا الموضوع هو حديث في الدراسات الفقهية ولا يجد مبرراته الكافية ليتحول من معناه البسيط إلى معنى تعبدي شرعي ذي سمات دينية...


الهوامش:



([1]) . الاجتهاد والتقليد والإتباع والنظر، يحيى محمد، لندن، مؤسسة الرافد للنشر والتوزيع، 1996،ص 102.

([2]) . أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم الجوزية، مراجعة طه عبد الرؤوف، دار الجيل، بيروت، 1973،  ص 196- 211.

([3]) . انظر: الاجتهاد والتقليد والإتباع والنظر، م. س، ص 107- 109 .

([4]) . في قوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) التوبة 122.

([5]) . في قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل 43.

([6]) . (اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و أنا حجة الله).

([7]) . (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه).

([8]) . من ذلك ما روي عن الإمام الرضا قال: قال رسول الله (ص): اللهم ارحم خلفائي- ثلاث مرات- فقيل له: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون عني أحاديثي وسنتي فيعلمونها الناس من بعدي.

ومنه عن الإمام الرضا أيضا: رحم الله عبداً أحيى أمرنا. فقيل: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها للناس.

ومنه أيضا عن الإمام الصادق: اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر.

([9]) . انظر: كفاية الأصول، محمد كاظم الخراساني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ص 539. وكذلك: التنقيح في شرح العروة الوثقى.. كتاب الاجتهاد والتقليد، ابو القاسم الخوئي، مطبعة الآداب، النجف، ص 23.

([10]) . رغم ان هناك فتاوى صريحة تحرم اخراج المال الشرعي (الخمس والزكاة) من بلد فيه فقراء إلى بلد آخر إلا أن السيرة العملية لهذا الموضوع تقتضي إرسال المال إلى المقلَّد بغض النظر عن هذه الفتاوى..

المزيد من الاخبار

  الشيعة والسياسة في الشرق الأوسط

  أوباما آخر المناهضين للاستعمار

  منهج فلسفة التاريخ والعولمة

  ثقافة العنف وتأثيرها على الشخصية العراقية

  العرف العشائري والشريعة الإسلامية /نظامان يحكمان واقع المرأة

  الرسائل الفقهية العملية وتكريس الاحتكار والطبقية

  سياسات السيستاني (أو الصراع على تأويل الدولة الوطنية العراقية )

  صعود المرجع الأعلى

  التفكير بالدولة في مدرسة النجف

  فقيه الولاية

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...