المرصد النيابي العراقي
التصويت
ماهو رائيك بالتصميم الجديد لموقع مؤسسة مدارك ؟
 ممتاز
 جيد جدا
 مقبول
 ضعيف
البحث في الموقع
توقيت بغداد الآن
الاعلانات
أحصائيات
عدد الزوار حاليا : 2
عدد زوار اليوم : 13
عدد زوار أمس : 58
عدد الزوار الكلي : 10140
تفاصيل الخبر

سياسات السيستاني (أو الصراع على تأويل الدولة الوطنية العراقية )

2011-09-26


 

يوسف محسن

سياسات السيستاني أو (الصراع على تأويل الدولة الوطنية العراقية)

 

 

 

 

إن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يرغبون تماماً، لأنهم لا يقومون بذلك في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل تحت ظروف معينة يجدونها وقد انتقلت إليهم من الماضي، أن تراث جميع الأجيال البائدة يجثم بثقله مثل كابوس على أدمغة الأحياء، اذا حالما يبدو على الناس أنهم قد انخرطوا في تغيير أنفسهم وتغيير الأشياء من حولهم تغييراً جذرياً، وفي خلق ماهو جديد تماما، لاسيما في فترات الاضطرابات العميقة، فأنهم يستحضرون بتلهف أرواح الماضي لخدمتهم ويستعيرون منها أسماءها، وعاداتها وشعارات لمعارك خاضوها في السابق من اجل تقديم مشهد جديد لتاريخ العالم، لكنه يتقنع هذه المرة بقداسة الماضي وبهذه اللغة المستعارة.

 ماركس (الثامن عشر من يرومير لويس بونابرت)

(ما الأكثر أهمية: وحدة الشيعة أم حماية الديمقراطية؟ اجاب: الثانية، قلت له: شكراً لك هذا ما أردت أن اسمعه)...

حوار بين آية الله العظمى السيد السيستاني وقاسم داود السياسي العراقي في عام 2009.

يبدو واضحاً أن بؤرة تركيز الولايات المتحدة على العراق أصبحت النجف، والمسؤولون الأمريكيون الذين يزورون النجف يحاولون الالتقاء بالسيستاني والناس ذوي العلاقة مع السيستاني ، كان ينبغي أن يسألوا أنفسهم بم شعروا عندما نظروا إلى النجف الشبيهة بمدن العصور الوسطى، انا لم اذهب إلى هناك منذ سنوات ولكني أظن أنها ما زالت على حالها ولم تصبح في حال أفضل مما كانت عليه عندما كنت هناك، وهي ليست مكاناً يحتمل أن تظهر فيه ديمقراطية جفرسون.

ايثان برونر


تمهيد

أدَّت المرجعية الدينية دوراً أساسياً في عراق ما بعد العام 2003 (الحادث الأمريكي) وبالذات شخصية المرجع الأعلى السيد السيستاني، على صعيد بلورة موقف الطائفة الشيعية من الدولة والتنافس السياسي ومسارات الانتخابات وتشكيل الحكومات، هذا الدور السياسي للمؤسسة الدينية جاءها على خلفيات تاريخية طويلة من الإقصاء والتهميش، فضلاً عن ذلك أن الأحزاب السياسية ـ الدينية الشيعية كانت ولا تزال بحاجة إلى الشرعية السياسية لممارسة أدوارها في المجتمع العراقي، حيث أن الانبعاث الشيعي في العراق وظهوره في بنية مؤسسات الدولة أدى إلى تغير في توازن القوى الطائفية في العراق وسوف يؤدي إلى تغير طبيعية الصراعات السياسية في الشرق الأوسط وكذلك يمثل التصورات العامة للسياسة الأمريكية الجديدة ويؤشر إلى تنامي القرار السياسي ـ الديني الشيعي في البحرين والمملكة العربية السعودية مندمجا بالنزاع السني ـ الشيعي والذي هو إنتاج صراعات عميقة الجذور في العالم العربي والإسلامي لاهوتية وسياسية.

إن هذا العمل يحاول فهم ظهور وتطور المواقف السياسي للسيستاني في تعريف الدولة العراقية في سياق التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتغيرات التي صاحبت تعديل الشعارات الإيديولوجية للمجتمع العراقي. وتأسيساً على تساؤلات مهدي خليجي الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى:

هل يدعم السيستاني نظرية محددة في التشيع السياسي؟

وهل يعد السيستاني كمنظر للفقه الشيعي؟

أو مجرد فقيه شيعي يبحث عن فهمه النظري الخاص للسياسة الشيعية؟

إذا كنا نقصد بالمنظر الشخص الذي يمكن أن يخلق إطارا نظرياً جديداً أو صياغة أو في الأقل أفكار جديدة تستبدل القديم منها أي تكون استجابة للأسئلة القديمة عن الالتزام أو الاستبدال أو طرح الثقة بها، من خلال تعريف أفكار جديدة للمشاركة في عملية التطور نتبين بان معظم الفقهاء في الوقت الحالي ومن ضمنهم السيستاني، فهم بوضوح ليسوا بمنظرين فلم يخلقوا أدوات فكرية متميزة بإمكانها أن تحدد الإطار النظري الحالي أو السابق. أن الاختلافات بين مختلف المراجع أو المجتهدين الشيعة، لا تذهب بعيداً عن التباينات القانونية في قضايا ثانوية جداً في الشريعة، كالفتاوى الثانوية أو غير المهمة التي تعنى بتفاصيل الأحكام الشرعية في الشعائر الدينية أو الأعمال التجارية أو المدنية أو الجنائية أن البديهيات الفلسفة والدينية والمثالية لفقهاء الشيعة في الفقه أو أصول الفقه المعاصرين متشابهة بدرجة كبيرة، الحد الأبسط لطرق تحديد التقارب النظري لمبادئ الفقهاء الشيعة في الشريعة هو مسائل الشريعة الخاصة بهم، التي يمكن من خلالها أن نكتشف الصعوبة في ملاحظة أي اختلاف في أية مسألة أساسية، أن الاجتهاد الذي يتطلب من خلال تعريف محاولة الشخص في فهم الشريعة أو النصوص المقدسة ومن خلال طرق التأويل التقليدية والمستندة على النظرية الإسلامية الكلاسيكية، قد استنفذ وليست بقادر على أن يطرح ديناميكية جديدة للأسباب التاريخية والمعرفية وهكذا لم يطرح السيستاني نظرية جديدة في الشريعة ولا في السياسة ولا في الإسلام فالفتاوى هي نفسها فتاوى المراجع الآخرين لاسيما أستاذه أبو القاسم الخوئي مع بعض التعديلات وفي التفاصيل وفقاً لقراءات كتاب مسائل الشريعة.

ومقارنته بباقي المراجع، أن البعض ربما سيجدون الأمر مبرراً ليقولوا أن السيستاني، يأتي خلف آية الله الراحل الخميني كمنظر للشريعة، الخميني هو المرجع الذي أسس الدولة الشيعية المعاصرة ويمتلك امتيازات لكونه الوحيد من بين المجتهدين الذي طور مفهوم جديد للشريعة وعلاقاتها مع الحكومة والتي لم تكن مختلفة جذرياً عن العرف الشيعي ولكنها تظل متميزة عنها بدرجة معتبرة فضلاً عن تمايزها عن آراء معاصريه. أن القطيعة الرئيسة التي تميز الخميني عن السيستاني تتعلق بالسلطة المطلقة للفقيه الشيعي حيث يرى آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي أن السلطة (ولاية الفقيه) الذي يتوفر فيها كل الشروط وتكون محددة للشؤون الحسبية والدينية والوصايا على الأوقاف التي لا تمتلك وصياً معنياًَ من قبل الأوقاف، والتي تحسم بواسطة الفقيه فيما عدا هذه القضايا بعد الخوئي أن الفقيه لا يمتلك أي نوع من السلطة

ويذكر أن مركز حوزة النجف كان دائماً بعيداً عن مراكز السلطة السياسية، وكانت راغبة أن تحافظ على استقلاليتها.

 حيث يتبنى السيستاني بصورة أساسية نظرية ولاية الفقيه وهي نظرية أستاذه أبو القاسم الخوئي على الرغم من انه لم يكتب أية كلمة بهذا المجال وعلى الرغم من انه نشر عدد قليل من الفتاوى التي تخص ولاية الفقيه وفي واحدة من فتاويه أجاب على سؤال يتعلق بولاية الفقيه قال: حسب المفهوم السائد أن ولاية الفقيه تشير فقط إلى الأمور الحسبية، فان كل فقيه لديه سلطة (ولاية) ولكنها في القضايا التي تخص غير الشؤون الحبيسة أي الشؤون العامة (التي يرتبط بها النظام الاجتماعي) فان ولاية الفقيه وفرض الولاية يعتمد على شروط خاصة، واحد منها هو الشعبية ومدى المقبولية لفقيه بين غالبية المتدينين. ويبين "خلجي" أن المؤسسة الدينية كانت تنظر إلى الدولة من خلفيات بعيدة ولكن الباحث الأميركي( ريدر فسر ) بين أن بعض الفتاوى التي أصدرها السيستاني والتي تضمنت بعد برهة من سقوط النظام البعثي العام 2003 وفيها إشارة إلى (الدولة) في تلك الكتابات وربما هي واضحة الان وكما يبدو أن فهم معنى الدولة في فتاوى السيستاني، يجب وضعها في إطار الأدب الشيعي الكلاسيكي. وبشير ريدر أن المجتمع يبدو تقريباً من دون دولة.

إن مصطلح الدولة الذي يظهر في فتاوى السيستاني يشير إلى المفهوم التقليدي للدولة، وهي حكومة مؤقتة غير دينية والتي يمكن أن تدار من قبل رجال عادلين أو ظالمين. في حين بين بعض ممثلي السيستاني بأنه يتردد في أن يدلي برأيه في ولاية الفقيه، لأنه إذا صرح بان ولاية الفقيه مبدأ شرعي في التشيع فهذا يعني انه يؤمن بأنه الفقيه الحاكم الشرعي الوحيد (الولي الفقيه) ليس في العراق بل في العالم الشيعي أيضا ويضيف مرتضى المهري والذي هو المقربين من السيستاني وممثله في الكويت، أن السيستاني يعلم بعدم امتلاكه القدرة التي يمتلكها خامنئي والتي من دونها فان الادعاء بالولاية سيبقى من دون دعم سياسي واجتماعي واقتصادي بالإضافة إلى ذلك أن ادعاء هكذا سيضعه على خط منافسة النظام الإيراني والمرشد الأعلى وهكذا بالنتيجة سيتضرر السستاني وبتعبير آخر اذا أعلن السيستاني أن ولاية الفقيه في معناها السياسي الحالي وضمنيتها هي مبدأ غير شرعي ولا ينسجم مع القانون الشرعي والمفهوم العقائدي للتشيع فانه سيعلن حرباً رمزية ضد النظام الإيراني ومعناه أن الحكومة غير شرعية، وهذا معناه أن السيستاني يفتقد للحرية الكاملة والسلطة الاجتماعية والبناء الاقتصادي كسبب دائم خلف غموض موقفه من ولاية الفقيه.

 

المؤسسة الدينية وجدل الصراعات السياسية

مربع نص: وهذا التقليد المتبع وحده هو الذي يجيب عن: لماذا لا يمكن لعالم ضليع مثل الفياض أن يكون مركز اهتمام الشيعة، على الرغم من انه اكاديمياً قد يكون في المستوى الأعلىيبين احمد الكاتب أن المرجعية الدينية الشيعية لعبت دوراً مهماً في الحياة الثقافية والسياسية في المجتمعات الشيعية بأكثر من بلد في الشرق الأوسط، حيث أصبحت المرجعية الدينية دولة حاكمة في إيران أو دولة فوق الدولة أو داخل الدولة، كما قد يحلو للبعض وصفها في بلاد اخرى. وقد تعاظم الدور السياسي للفقهاء الشيعة في ظل انعدام الدولة الشيعية الشرعية، أو عدم اعتراف المرجعية الدينية بالدول القائمة، وبرز لأول مرة الدور المؤثر للمراجع في أواخر القرن التاسع عشر عندما قام المرجع الديني الأعلى الميرزا محمد حسن الشيرازي الذي كان يقيم في مدينة سامراء في العراق، بإصدار فتوى تحرم استعمال التبغ (التنباك) بأي شكل من الأشكال زراعة وتجارة واستعمالاً، من اجل إلغاء اتفاقية تجارية حصرية وقعها شاه إيران ناصر الدين القاجاري مع شركة بريطانية العام 1890. ثم برز الدور الكبير لفقهاء النجف في حركة المشروطة (الحركة الدستورية الديموقراطية) التي نجحت بفرض الدستور في إيران العام 1906، وقام علماء الشيعة بعد ذلك بمقاومة الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى وقيادة التمرد الفلّاحي في عشرينيات القرن الماضي والتي يطلق عليها (ثورة  العشرين ) في الأدبيات التمجيدية

تمركزت المرجعية الدينية الشيعية العليا منذ أكثر من قرنين بمدينة النجف في العراق، بعد رحلة طويلة تجولت فيها بين مدينة الحلة وجبل عامل وأصفهان وقزوين وقم وسامراء وكربلاء والبحرين، وعادت لتستقر في النجف أواخر القرن الثامن عشر، بعد شق نهر الهندية الذي مون المدينة بالمياه العذبة. ونظراً لدور المرجعية السياسي في العصور المتأخرة فأنها كانت واقعة تحت ضغوط هائلة لتحجيمها أو منعها من التدخل في الشؤون السياسية، وقد تعرضت بعد فشل التمرد الفلاحي  في عشرينيات العراق إلى ضربة قاصمة من قبل الحكومة العراقية وسفر على اثرها ثلاثة من اكبر المراجع آنذاك إلى إيران هم السيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ محمد حسين النائيني والشيخ مهدي الخالصي، ولم يسمح لبعضهم بالعودة إلى العراق إلا بعد التعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، وتعرضت المرجعية الدينية في الوقت نفسه إلى ضربة أخرى من إيران أيام الشاه رضا بهلوي، حين كان النظام العراقي لاسيما نظام حزب البعث 1968 يتضايق من نمو الحوزة في النجف ويحاول تحجيم مرجعية السيد محسن الحكيم، فقام بتهجير الآلاف من طلبة العلوم الدينية ومنع وصول الإيرانيين إلى العراق وهجر الكثير منهم، ولكن النظام العراقي وجد في مرجعية خليفته السيد أبو القاسم الخوئي البعيد عن السياسية أفضل ضمانة لعدم تفجير الثورة ضده وإبقاء المرجعية العليا تحت قبضته في النجف، وعندما قام التيار الثوري الإسلامي بالالتفاف حول السيد محمد باقر الصدر، الذي تناغم مع الثورة الإسلامية في إيران ودعا الشعب العراقي في العام 1979 إلى الثورة ضد النظام العراقي لم يحض بتأييد المرجع الأعلى الخوئي وجهازه المرجعي، ولهذا لم يجد النظام العراقي من مصلحته القضاء على مرجعية النجف بالمرة، لاسيما بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران واستقطاب الإمام الخميني لقطاعات واسعة من الشيعة في العالم، حيث ظلت النجف تشكل قطباً مرجعياً ازاء إيران وظل الخوئي مقيماً في النجف حتى وفاته العام 1992. وعلى الرغم من تقلص الحوزة العلمية في النجف خلال الثمانينيات والتسعينيات إلى درجة كبيرة، إلا أن المرجعية العليا ظلت تتخذ من النجف عاصمة لها، ولم يمانع النظام العراقي من وجودها وتحركها ونموها في مواجهة مرجعية قم، وفي مواجهة النظام الإيراني الذي بدأ يسعى إلى مد نفوذه في العراق.  وهكذا ظلت (المرجعية الدينية) في العراق خلال الثمانينيات والتسعينيات بعيدة عن التأثر بالنظام الإيراني، على الرغم من الشعبية التي كسبها الإمام الخميني كزعيم سياسي ثوري، إلا أن عملية (التقليد) ظلت محصورة في عدد من المراجع المتواجدين في العراق، وقد أصبحت منطقة السيدة زينب في ضاحية دمشق الجنوبية التي ضمت عدداً من الحوزات والمعاهد وممثليات المراجع وجاليات عراقية وإيرانية ولبنانية وخليجية، مسرحاً لمواجهة شديدة بين مرجعية السيد علي السستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم (النجف) والشيخ جواد التبريزي والسيد محمد الشيرازي (قم) ومرجعية السيد محمد حسين فضل الله (لبنان) وساعد على اشتداد المعركة انقسام حزب الدعوة العراقي بين تقليد المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي وتقليد فضل الله، حيث قاد الشيخ محمد مهدي الاصفي جناحاً من الحزب يدعو إلى الذوبان والاندماج في القيادة الإيرانية باعتبار الخامنئي ولياً لأمر المسلمين، وذهب غالبية كوادر الحزب المهاجرة إلى سوريا والدول الأوروبية إلى تأييد السيد محمد حسين فضل الله. أما في داخل العراق فقد نمت بعد وفاة الخوئي مرجعية كل من السيد علي السستاني والسيد محمد سعيد الحكيم والسيد محمد صادق الصدر الذي اغتيل العام 1999، وكان هناك مرجع آخر هو السيد محمد الشيرازي الذي نشط في كربلاء في الستينيات ثم هاجر إلى الكويت في السبعينيات واكتسب كثيراً من المقلدين في الخليج لاسيما في الكويت والبحرين والمنطقة الشرقية. وعلى الرغم من أن السيستاني هو أعلى رتبة بين الفقهاء الشيعة في العراق، فانه يستشير ويأخذ بالاعتبار وجهات نظر المراجع الآخرين، والذين هم بدورهم يمتنعون إلى حد كبير عن التحدث علنا حول مسؤولياتهم وذلك للاحتفاظ بأكبر قدر من وحدة الكلمة للمؤسسة الدينية، وخصوصاً أن هناك ثلاث مصادر أخرى للتقليد وهم متميزون في العراق كما يتميز السيستاني تقريباً. هم آية الله محمد سعيد الحكيم: وينحدر من عائلة معروفة جداً في العراق وهو سليل مرجعية مؤثرة في القرن العشرين.آية الله محمد اسحق الفياض: واصله أفغاني، وهو واحد من اكبر التابعين البارزين، الأكثر تقليداً لآية الله أبو القاسم الخوئي. ووفقاً للتقليد الحوزوي فان المرجعية أما أن تكون إيرانية أو عراقية، أما القوميات الأخرى فليس لها الفرصة الاجتماعية لجذب المؤمنين الشيعة كمرجعية لهم، وهذا التقليد المتبع وحده هو الذي يجيب عن: لماذا لا يمكن لعالم ضليع مثل الفياض أن يكون مركز اهتمام الشيعة، على الرغم من انه، أكاديمياً، قد يكون في المستوى الأعلى. آية الله الشيخ بشير النجفي: باكستاني وهو أيضاً من التابعين لآية الله الخوئي على الرغم من رغبته في أن يكون ناشطاً سياسياً إلا أن أثره ضل  ضعيفاً على المجتمع الشيعي في العراق.

في ضوء غياب منافس قوي داخل العراق فان المنافسة الحقيقية تأتي من المرجعية في قم، وبعد الحادث الأمريكي العام 2003 أصبح مركز التعلم الشيعي حراً من أي ضغوط سياسية، لقد أعرب بعض رجال الدين عن رغبتهم للهجرة إلى النجف بعد أن يستقر الوضع في العراق، لهذا السبب فان معظم رجال الدين التقليديين الشيعة المكافئين للسيستاني كانوا ضد تدخله الدوري بالوضع السياسي الهائج في العراق. ومن ناحية أخرى فان رجال الدين كانوا سعداء وهم يرون رجال الدين التقليديين يستطيعون لعب دور مهم في مهمة إعادة البناء في العراق، ومن الناحية العملية فأن رجال الدين الشيعة أصبح لهم نفوذ واضح فضلا عن  وظيفة رجال الدين التقليديين والذين عانوا من المبالغة في تسييس الحوزة بعد الثورة الإسلامية في إيران، تمحورت  فكرتهم انه ينبغي في العراق، كما في إيران، أن يصبح الدين ثانوياً بالنسبة للسلطة السياسية.

تنقسم المرجعية الدينية الشيعية إلى تيارين رئيسيين هما المرجعية الفقهية البحتة (كمرجعية الإمام الخوئي والسستاني) والمرجعية السياسية الملتزمة بنظرية (ولاية الفقيه)، ويمكن اعتبار التيار الثاني تطوراً حديثاً نشأ في المرجعية وأعطى لها صبغة سياسية، وبينما لم يكن التيار الفقهي يشعر بحاجة كبيرة إلى التنظيم والمأسسة ما دام الأمر يقتصر على عملية الفتوى والإرشاد. بدأ التيار الثاني يشعر بضرورة التطور والترشيد، من هنا دعا المفكر الراحل السيد محمد باقر الصدر في السبعينيات في مقال له تحت عنوان (المرجعية الموضوعية) إلى تأسيس أجهزة علمية ومالية وإدارية وسياسية تابعة للمرجع من اجل تنظيم عمل المرجعية وعلاقاتها العامة وتدقيق الحسابات المالية ونقل الخبرات للمراجع القادمين، وأطلق على المرجعية القائمة اسم (المرجعية الذاتية) وطالب بتطوير شكل الممارسة للعمل المرجعي وتشكيل مجلس يضم علماء الشيعة وربط المرجع بهذا المجلس، من اجل صون العمل المرجعي من التأثر بالانفعالات الشخصية وتنفيذ سياسة المرجعية الصالحة التي تقرر من خلال ذلك المجلس، واقترح أن يقوم المجلس بترشيح المرجع الجديد بعد خلو المركز وإسناده وكسب ثقة الأمَّة  إلى جانبه، كما انتقد طريقة تعامل الوكلاء مع (الحقوق المالية الشرعية).

 

جذور المسألة الشيعية

تاريخياً كانت هناك قوتان محليتان أساسيتان تديران الدولة ـ الأمَّة  العراقية:

اولاً: طبقة ملاكي الأراضي التي عززت الاندماج للفئات المنشطرة كافة في المجتمع الزراعي.

مربع نص: لم يكن ينظر إلى الشيعة على أنهم شركاء في الوطن، بل اتهموا بدلاً من ذلك بتمثيل المصالح الإيرانية، ومن ثم بعدم الاخلاص للقضية العربية، فكان نصيبهم التهميشثانياً: النخبة البيروقراطية العسكرية المتحررة عن المؤسسات العثمانية "السنية" وقد قدم ملاكي الأراضي والبيروقراطيون العسكريون معاً، مصالح مشتركة واندمجوا في اطار دولة "العهد الملكي"، كانت هذه الطبقة متعددة الاثنيات ومتنوعة المشارب الدينية، وقد ساهمت في بناء مؤسسات الدولة كافة بالمقابل حسنت الأنظمة العسكرية بين (1958ـ1968) من تمثيل الطبقات الوسطى الناشئة لكنها حطمت مؤسسات الاندماج الوطني (البرلمان) أما النظام الشمولي فقد دمر آليات الاندماج والتمثيل وقد إعادة الأنظمة كافة التي أعقبت الملكية، إنتاج احتكار مركزي بوعي أو من دونه، لصالح المحافظات الغربية، على حساب المحافظات الوسطى والشمالية، (الكُردية) والجنوبية (الشيعية).

ففي ظل النظام البعثي عانى الكُرد والشيعة من التهميش السياسي نبسياً فلم يكن تمثيل أي من المجموعتين ذا معنى يذكر في المؤسسات السياسية، كان مجلس قيادة الثورة القديم مجلس سني بعثي وكذلك الأمر بالنسبة لمجالس الوزارة البعثية والبرلمانات الوطنية الأربعة التي كانت تدار بإحكام من السلطة التنفيذية، كانت المشاركة محدود وانتقائية وتخضع بالكامل لسيطرة النخبة الحاكمة، كما كان 80% من الضباط سنة فيما تبلغ نسبة الجنود الشيعة أكثر من 80%، وحدهم الكُرد المعربون كانوا مقبولين في المؤسسات العسكرية لربما كانت الإدارة المدنية الاستثناء الوحيد خلال مرحلة الحكم البعثي (1968-2003) استهدفت السيطرة البعثية العلمانية المؤسسة المدنية الشيعية غير الرسمية المستقلة، وأضعفتها، فكانت الطقوس الشيعية والشعائر الدينية تواجه تقييدات معينة، أما الطرق الصوفية "الكُرد" فكان يتم اختيارها والتلاعب بها سياسياً (القادرية)، أو يتم إضعافها (النقشبندية) والمناصرة للحركة القومية الكُردية، على العموم خضعت آليات المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لنظام الدولة التسلطية، والتي اعتمدت  فيها النخبة الحاكمة على قاعدة اجتماعية بالغة الضيق وقد تحطمت ادعاءات الوحدة الوطنية في العام 1991 اثر الانتقاضات التي حصلت في الجنوب والشمال.  في هذا المنحى طور الشيعة تحدياً إسلامياً أصولياً نضج تحت تأثير الثورة الإيرانية في العام 1979، وبات التعبير عن معاناتهم يرتدي بالتدريج صبغة طائفية، وقد تحول الشيعة الفقراء الذين نزحوا من الجنوب الشيعي إلى بغداد والمدن الكبرى، من الشيوعية في الخمسينيات والستينيات إلى الطائفية المسيسة في الثمانينيات بتأثير من رجال الدين وقادة القبائل في مسقط رأسهم، وقد آمنت سياسات إعادة نفوذ القبائل التي انتهجتها الحكومة البعثية في التسعينيات إطاراً لعمل هذا التحول، عندما اتحد الجانبان الإسلاميون الشيعة في المنفى والجماعات الشيعية المحلية.

هنا نجد أن الموقع الديني والسياسي للطائفة الشيعية الإمامية اخذ صبغة معارضة لوسط سني مركزي تأقلم مع تخطيطات الدولة ووظف المكتشفات الايديولوجية في التجربة التاريخية، هذا الوضع فرض على الطائفة الشيعية الإمامية البحث عن تعويضات التاريخ الواقعي العياني والذي هو ليس تاريخ الطائفة أو وجودها الموضوعي وانما تاريخ الاضطهاد والعنف أخذت تحذف عناصر هذا التاريخ وتحيله إلى دلالات ومعنى والدخول عبر التاريخ الميثولوجي إلى سلطة الرمز والأسطورة، أو المقولات الايديولوجية المطلقة وفي صيغ مندمجة بهذا النسق المزخرف وقد وجدت الطائفة عبر هذا التاريخ مخرجاً لتعبر عن رفضها للدولة السائدة في تاريخ العالم العربي الإسلامي هو الانسحاب الكلي من المشاركة السياسية والرفض المستمر للدولة أو السلطة القائمة خوفاً على قداسة المبادئ من الدنس. فضلاً عن هذه الوضعية التاريخية كانت الطائفة الشيعية تعاني من الطرد المستمر خارج التاريخ امتداداً من عصر الفقهاء العثمانيين والذين كانوا ينظرون إلى الطائفة بوصفها خارج رعايا الدولة الإسلامية حتى عصر الفتاوى المعاصرة والأحاديث السياسية والتي تتخذ مفهوم (الروافض) والولاءات المزدوجة السياسية والدينية موضوعاً لها.

ولكي يعوض "السنة" عن وضعهم كأقلية في العراق، عمدوا إلى إدماج هوية البلاد ضمن هوية العالم العربي السني الأكبر، وفي هذا المخطط، لم يكن ينظر إلى الشيعة على أنهم شركاء في الوطن، بل اتهموا بدلاً من ذلك بتمثيل المصالح الإيرانية، ومن ثم بعدم الإخلاص للقضية العربية، فكان نصيبهم التهميش، وإذ وجد الشيعة المحبطون أنفسهم مبعدين إلى أطراف الحياة الوطنية، فقد فر عدد كبير من زعمائهم الدينيين من النجف وكربلاء إلى إيران.

واستسلم الشيعة المنهكون المهزومون للحكم السني في أعقاب الثورة العشوائية، تلك الثورة التي طارد شبحها آية الله السيستاني بعد انقضاء ثمانية عقود، فحذر الشيعة من تكرار أخطاء 1920، لكن مع استمرار التحولات الطارئة في الشرق الأوسط وتعرض الهيمنة "السنية" لتحديات شتى، كان لابد للمنظور الاميركي إلى المنطقة من أن يتغير هو الاخر.

لقد رسمت الحرب على العراق برأي "نصر ولي"، حداً فاصلاً ما بين شرق اوسط (قديم) واخر (جديد) لقد كان الشرق الأوسط القديم يعيش تحت هيمنة مكونه العربي، ويتوجه بأبصاره نـحو القاهرة وبغداد ودمشق (وهي الحواضر الغابرة للخلفاء السنية) بوصفها مدن السلطة (السنية) فيه، كما أن مشاكل المنطقة ومطامحها وهويتها وصورتها عن نفسها كانت في المقام الأول، مشاكل العرب ومطامحهم وهويتهم وصورتهم، كما أن القيم السياسية التي كانت غالبة في الشرق الأوسط القديم، كانت عصارة لعقود وعقود من تأثيرات الايديولوجية  القومية العربية.  أن هذا الشرق الأوسط القديم، الذي كان في جوهره موئلاً للمؤسسة السنية الحاكمة، وفي متناولها ورهن مشيئتها، هو اليوم اخذ في الزوال، بحسب "نصر ولي" ، وسط حالة من الاضطراب الشديد، أما الشرق الأوسط الجديد، الذي يولد حالياً ولادة متشنجة، فان ثمة هوية جديدة تحدده وعلى قدم المساواة، انها هوية الشيعة بروابطهم الثقافية وعلاقاتهم الدينية وتحالفاتهم السياسية وصلاتهم التجارية العابرة للفوارق ما بين العرب وغير العرب

حيث أن العراق كان يشكل، إلى جانب مصر وسوريا، واحداً من أهم البلدان العربية، ولطالما كان منافساً لهما على زعامة العالم العربي ابان اوج القومية العربية،

 

اختلاق دولة

بعد العام 2003 ونتيجة للتغيرات الحاصلة في العقد الاجتماعي العراقي ظهرت ايديولوجية صراع الهويات الانثربولوجية في الخرائط السياسية العراقية (اثنيات، اعراق، ثقافات، مكونات ثقافية وبشرية مختلفة) وهي صراعات اقتصادية ـ اجتماعية، وشكلت الهويات الفرعية في المجتمع العراقي المادة التاريخية الخام في الايديولوجيات الحديثة فالماضي يمثل العنصر الأساسي لهذه المنظومات واذا لم يكن هناك ماضي، أحداث، أيقونات فبالإمكان دائماً اختراعها لتمثل  بما يشبه الشفرة الوراثية للجماعات الدينية والقومية والاثنية وإعادة التلاحم الايديولوجي وتنظيم علاقات الاختلاف والتمايز عن الآخر، حيث نرى أن الدوافع الظاهرة والمضمرة لعلاقات الهيمنة والتي تلجأ اليها الجماعات في سياق تمثيل (الآخر) ثقافياً وصولاً إلى إخضاعه وتهميشه وإقصاءه عن مسرح التاريخ، وهنا يكمن إخفاق المجتمع العراقي (نمو الطائفية، احتكار الوطنية، تعثر الحداثة، فشل المجتمع المدني) فضلاً عن ذلك أن هذه الجماعات إنتاج مجتمع يعاني من الركود والانـحطاط والفوضى والهامشية والفشل الدائم في التحول والتغيير، واستنفار الطبقات الاجتماعية السفلى في التراتبية الهرمية حيث مارست هذه الجماعات بالتبادل، النفي والتطهير والقتل والإبادة والتمثيل وهي إنتاج حقبة طويلة من التحلل الطبقي وضعف الثقافة المجتمعية وأزمة المنظومة القيمية وهشاشة النسيج الاجتماعي والاقتصادي بسبب التكوين الريعي للدولة العراقية، وقوة مفاعيل تفكك علاقات الإنتاج الاجتماعي المزمن وانهيار بنية التمدن أنتج نخبة سياسية/ مجتمع سياسي/ مجتمع مدني تهيمن عليه الفوضى والهوس والخمول والوحشية والركود، فضلا عن ذلك يفتقد إلى مشروع فكري أو ثقافي أو اقتصادي أو مجتمعي.

على الرغم أن هذا الانبعاث الهوياتي له مبرراته التاريخية والسوسيولوجية إلا انه لم يؤدي إلى فتح النقاش بين النخب السياسية والثقافية والفكرية العراقية بشأن ماهية الهوية وجدل الهويات الفرعية وذلك بسبب العجز المعرفي لهذه الجماعات والضجيج والفوضى السياسية التي تلت سنوات الانهيار، اذاً لم تقدم النخب العراقية اجابات واضحة بشأن نظام العقد الاجتماعي وتتحايل على سؤال الهوية عبر سلسلة من عمليات (الإقصاء، التبرير، التجاهل) وتغييب واضح لكل خلاف فكري وثقافي ومرجعي والذي سيشكل مقدمة لصدام الهويات الطائفية داخل الجسم السياسي للدولة العراقية حيث أن التغيرات لم تمس النواة الصلبة والمتماسكة للبنى المؤسساتية (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية)، ولم تخرج (بنية الدولة) عن النسق القبلي العشائري والجماعات القرابية والنخب التقليدية والجماعات الطائفية في توزيعات السلطة. أن هذه التوزيعات تمت تحت ضغط ديناميكيات التشكيلات القومية والدينية للمجتمع العراقي ما أدى إلى نمو العنف الجماعي الذي تشكل كنزاعات طائفية نتيجة تكريس هذه المركبات بوصفها مرجعيات مطلقة لدى الجماعات السياسية العراقية وظهور مكونين: الدين الشيعي والدين السني. وهما صياغتان للنسق السياسي، شكلا أزمة بنيوية مستديمة في حقل السلطة وتجد هذه المكونات اشباعاتها في الأرضية التقليدية للبنى الاقتصادية والاجتماعية والايديولوجية والسياسية وضعف الحراك الفكري وعدم تكوين الدولة الحديثة وتخطيطات الهوية الغامضة (ان هذا التصميم له علاقات واضحة بالجماعات البشرية التي من خلالها تتم عملية تحديد الهويات بالمعنى التاريخي) حيث تحولت الطائفية السياسية إلى نواة مطلقة للعنف والعنف الجماعي وأداة استراتيجية للسيطرة السياسية بين الجماعات العراقية الدينية الأصولية.

وهي إنتاج الانغلاقات الثقافية والتهميش والإقصاء للجماعات والمكونات العراقية والإبادات المتبادلة والعنف الايديولوجي وعمليات إعادة إنتاج الإخضاع والهيمنة داخل نسق السلطة السياسية، هذه الوضعية التاريخية أدَّت إلى أزمات سياسية مستديمة ظهرت بقوة مهولة في صدام الهويات الأصولية الطائفية ووجدت اشباعاتها في الأرضية التقليدية وتخلف البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية وضعف الحراك الفكري للتيارات الليبرالية أو العلمانية وأزمة تكون الدولة العراقية الحديثة.

هذا التكوين البنيوي جعل المجتمع والدولة العراقية تعانيان من استقرارات مؤقتة وذلك لعدم توافق نظام البنى الاجتماعية المتخلفة تقنياً والجماعات السياسية الفاعلة والانساق الايديولوجية الحداثية المطروحة كمشاريع في حقل السلطة والاقتصاد والفكر سواء كان المشروع القومي أو المشروع الاشتراكي أو المشروع الإسلامي الذي اثبت ضعفه البنيوي وعاد إلى استثمار البنى العشائرية والقبلية واستنفار مخزون ضخم من الأساطير والخرافات السياسية.

هذا الوضع يتطلب طرح مجموعة من الاسئلة بشأن طبيعة مشروع الانتخابات في العراق وارتباطه بالمسألة السياسية والدين بالدولة ومأزق الديمقراطية وإشكالية البنية الثقافية.

ما الأسس الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية لمشروع الانتخابات؟

وذلك أن الحقل السياسي العراق بوصفه مجالاً سوسيولوجياً قابلاً للتنافس السياسي مرشحاً لحالات من التفتيت والتشظي، حيث يشهد حراكاً وتحولات بنيوية في شكل التحالفات أو تغيير البنى السيميائية على الرغم من ذلك لم ينبأ عن ظهور خريطة سياسية جديدة وإنما يعاد (تدوير النخب) القديمة، بسبب ضعف الثقافة السياسية للناخبين العراقيين واعتماد معايير العقل الجمعي " القطيعي"، وانتشار المحددات التقليدية العصبية القبلية والطائفية والولاءات الشخصية أن الأحزاب والمنظمات والمؤسسات الطائفية والقومية والاثنية تمتلك القدرة على إعادة إنتاج (مجتمع الناخبين) وتعريف هويتها السياسية عبر إعادة إنتاج الأزمات فضلاً عن قدرتها للهيمنة على منظمات المجتمع والمجتمع الاهلي وسيطرتها على المال السياسي.

في هذا الوضع التاريخي الشائك كان موقف السيستاني كما يرى بريمر (يزيد المشكلة تعقيداً حيث يتقلب بين العزلة الروحية والمشاركة المباشرة في العملية السياسية) فهو لم يكن يسعى إلى تقرير من سيحكم العراق بل إلى تقديم فكرة أن الشيعة يجب أن يتحدوا في المرحلة الأولى تحت مظلة واحدة، وتم التركيز على الولاء الوطني والتصالح والاندماج في المجتمعات التي يعيشون داخلها. حيث يمارس السيستاني جزء من التوازن الوظائفي الدقيق بين الدين والسياسية، كما استطاع السيستاني أن يمنح الشيعة سلطة دستورية تتعلق مع حجمهم الانتخابي والديمقراطي. كان موقف السيستاني الأولى الرافض لأطروحة الحاكم المدني "بريمر" من صيغة الانتخابات والتي هي عبارة عن مؤتمرات حزبية لاختيار المرشحين. حيث عد هذه الأطروحة غير شرعية في وضع دستور للعراق، وكان هذا الدور يؤمن في تأمين القيم والخطوط لنظام المجتمع.

ففي الوثيقة رقم (7)([1]) يطرح آية الله السيستاني التصورات العامة لشكل الحكم في العراق حيث يجيب على سؤال مطروح (ان شكل الحكم في العراق يحدده الشعب العراقي وآلية ذلك أن تجري انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور ثم يطرح الدستور الذي يقره هذا المجلس على الشعب للتصويت عليه والمرجعية لا تمارس دوراُ في السلطة والحكم).

هذا الدور يكرس الاختيار الحر لادارة الدولة الحديثة فضلاً عن ذلك أن هذه الآلية الانتخابية تحمل بداخلها سيرورات عناصر التنازع المتمثل في التصويت (يقوم بتمويل جزئي أو كلي في طبيعة السلطة السياسية ونرى في الوثيقة رقم (23) والتي تتعلق بتكوين نوع من انواع المجالس التي ستقوم بكتابة الدستور يبين السيستاني ( لا صلاحية لهم في تعيين اعضاء مجالس كتابة الدستور بل لابد من اجراء الانتخابات العامة لهذا الغرض، أما تشكل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه المطلقة فليس وارد مطلقاً)..

وفي هذا النص نجد أن السيد السيستاني ينظر إلى الانتخابات كمشروع تنويري، لدخول المجتمع إلى حقل التاريخ، ومعرفته الدقيقة بطبيعة المجتمع العراقي، اذ الانقسامات السياسية والطائفية والقومية والاثنية، فهو يحاول قدر الامكان ابعاد الحقل الرمزي المقدس عن الحقل السياسي فضلا عن ذلك أن هذه المقاربات تكشف الأزمة البنيوية التي تحيط مؤسسة الانتخابات وأزمة تشكل الدولة القانونية وعدم تبلور المجتمع كمواطنين فاعلين وانما "قطيع جماعي" وكذلك طبيعة التشكيلات السياسية المتسمة بالتنافر والصراع على المستوى المجتمعي وعلى مستوى النخب السياسية، فضلاً عن ذلك يلعب الارث الفلسفي والسياسي والتقاليد والعقليات الذهنية في المجتمع دوراً في تجسيد خطاب المواطنة والحداثة الفكرية، ونرى تحولات بنيوية في طبيعة المؤسسات السياسية (الأحزاب، التيارات، الكتل، مؤسسات المجتمع المدني) وصياغة نظرية جديدة بشأن الدولة لاسيما بعد فترة النزاع الاهلي، صناعة نخب عراقية تحترم اراء المواطن وتسعى إلى لبرلة التشريعات والقوانين والاقتصاد السياسي وخلق قطيعة نسبية بين السياسة والدين ومراجعة الخلفيات الفلسفية للفعل السياسي العراقي.

 

الحاجة إلى الدولة

توصف الدولة في تاريخ العلوم السياسية: بأنها اكبر ابتكار تقني ـ سياسي جاءت ولادتها مع المجتمعات الحديثة وتمثل هذه الظاهرة احد المكونات الأساسية للحداثة، اذ يهيمن عنصر الاندماج الاجتماعي وسيادة المنظومة القانونية في العلاقات بين الفرد والمجتمع وتفكيك القانونية والقيم والمؤسسات العصبوية والطوائفية والقومية لصالح قانون عام، والدولة السياسية تعبر عن كلية المجتمع المدني ووحدته وتناقضاته (المصالح المتعارضة، الجماعات المختلفة، الطبقات أو الفئات الاجتماعية) وتبني كيانها السياسي على العقد الاجتماعي والذي ينظم العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمشاركة السياسية في السلطات والتنمية البشرية، بين الأفراد والجماعات والدولة.

منذ ستينيات القرن الماضي، أي منذ بداية عصر الانقلابات العسكرية اتخذ الشكل السياسي في العراق بناء سلطة مركزية في قمة الهرم السياسي من دون تأسيس دولة أو مؤسسات حديثة، ويعود السبب إلى مصدر السيادة فضلاً عن ذلك أن رجال المؤسسة العسكرية والأحزاب والجماعات السياسية العراقية أخذت تستمد شرعيتها التاريخية من الانقلابات بعد القبض على السلطة السياسية وكذلك اعتماد الريع النفطي والدمج بين المجالين السياسي والاقتصادي والهيمنة على الاقتصاد باعتبارها المالك الوحيد للثروات المادية والبشرية، أما على المستوى الايديولوجي والسياسي فقد تم الترويج إلى نسخة شعبوية من منظومة فكرية وتنظيم اجتماعي جرى عبرها  تذويب الطبقات الاجتماعية وتدمير البنية الداخلية والمجتمعية العراقية فضلاً عن خمول الطبقات الاجتماعية الوسطى أو تحولها عن دورها التنويري إلى جيش مسلح للدفاع عن الايديولوجية القومية الرثة والمساهمة في تفكيك بذور الدولة التي تأسست في عشرينيات القرن الماضي، وكذلك إخفاق النخب السياسية العراقية في طرح مشروع إصلاحي يتعلق ببنية الدولة والمجتمع، وقد استطاعت الدولة الصدامية (بالمعنى الاستعاري) أن تحقق التطابق في المخيال الاجتماعي العراقي بين الدولة والمجتمع وكبت التناقضات والاختلافات والتنوعات العرقية والثقافية وإلغاء الصراعات داخل النسيج الاجتماعي، وتصوير المجتمع العراقي بوصفه كتلة متجانسة متراصة خلف الرمز السياسي.

أما بعد العام 2003 فان الأحزاب والجماعات السياسية والكتل القابضة على السلطة لم تؤسس في برامجها ومؤتمراتها نظرية للدولة بوصفها كياناً سياسياً لحفظ السلم الأهلي أو تحرير الدولة من انتمائها الديني أو الطائفي ولم تتوفر لها القدرة على استيعاب التنوع والتعدد البشري حيث نرى سعيها الاستحواذ على المؤسسات السياسية والأمنية والثقافية والحاق الدولة ببنية الطائفة الدينية، فضلاً عن ذلك انبعاث القوى السياسية ما قبل الدولة الحديثة (عصبيات، قوميات، اثنيات، طوائف) مسلحة ووصولها إلى السلطة السياسية عبر الانتخابات والتي شكلت معضلة للديمقراطية العراقية، فقد استطاعت سلطة ما بعد 2003 أن تسرع بشكل وحشي في تفكك الطبقات الاجتماعية في العراق وتحويله إلى حشود جماهيرية قابلة للتشكل وبأشكال مختلفة ما أفقد المجتمع دوره الاجتماعي المستقل وجعله قوى خاملة بمعايير العقل السياسي، هذه السلطة أدخلت البنية المجتمعية العراقية إلى مرحلة (العبودية المعممة) جماهير خاضعة، قطيعية، عدوانية، وهذا يعود إلى فشل قيام دولة بالمعنى القانوني والسياسي وجعل تشكل الدولة العراقية مأزقاً بنيوياً.

مربع نص: شكلت  الدولة العراقية الحديثة ما بعد العام 2003 وفقاً لمفاتيح (اثني/ ديني) وابعاد كامل للقوى الاجتماعية والسياسية هذه التركيبة أدَّت إلى (اثننة السياسة العراقية)الحاجة إلى الدولة في العراق أصبح ضرورة سوسيولوجية بعيداً عن النزاعات السياسية والايديولوجية، دولة مؤسسات (للدولة المدنية الحديثة) وانفصال المجتمع المدني عن الدولة وتشكله قطباً جديداً داخل المجال السياسي وكذلك انفصال المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية واكتشاف حجم التحولات التي تصاحب هذه الانفصالات وتحول الدين إلى وظيفته الجوهرية (الاخلافية والادماجية) وعدم تحكم الدين بسياسة الاجتماع البشري على الرغم من أن ديناميكية المجتمعات البشرية تلعب ادواراً كبيرة في إنتاج وإعادة إنتاج النظم الرمزية أو الشعائرية الدينية والثقافات ونقلها إلى حقل الممارسات السياسية لاسيما في لحظات الانتقالات الراديكالية من نظام سياسي استبدادي مطلق إلى نظام سياسي آخر، والمجتمع العراقي خاضع لهذه الفرضية، فقد أعادت النخب السياسية والجماعات المحلية إنتاج المحرك وأصبح العامل الأساسي والفاعل في الممارسات السياسية العراقية هو "الديني"، لاسيما بعد العام 2003، وعلى الرغم من أن هذه العملية شكلت مخاطر سياسية كبرى وأدخلت المجتمع العراقي في عالم الفوضى واللبس ونزاع أهلي مستمر حتى الآن، فقد ظلت النخب السياسية العراقية تعيد الخلط بين الطائفة والمجتمع ديموغرافيا من دون أن تميز احدهما عن الآخر وهي واعية بهذه المعادلة المعقدة، فهي تقع في فخ أن الأخلاق واللغة والمعتقدات الدينية تكفي أن تؤسس مجتمعاً، وتقوم بإبعاد القوى الاجتماعية والعلاقات المادية والتي تحتكم إلى تمثلات المصالح الاقتصادية والسياسية والتي هي الأساس في المعادلة، ونرى أن الدولة العراقية غرقت في اشكالية الديني والسياسي وقامت بالدمج بين علاقات السلطة السياسية وعلاقات المجموعات الطائفية الدينية واخذ "الديني الشعبوي" يصنع السياسة العراقية، متمثلاً في شخصيات وكتل وجماعات وهو قلب للمعادلة المادية والتي تحدد أن موقع المجموعات السياسية ووظائفها في المجتمع هي التي تحدد موقعها في علاقات إنتاج الدولة، فالأفراد الاجتماعيين تم قولبتهم وإنتاجهم عن طريق الطقوس والشعائر الدينية وادى هذا إلى نمو بذور التمايز والتفاوت في انساق الهوية السياسية وتم نقل الصراعات العراقية والتوازنات الهشة بين الطوائف العراقية والاثنيات إلى الحقل المقدس منذ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وظهور مكونين أساسيين، هما صياغتين للمكونات السياسية وتدخل في هذين الحقلين (الدين السني) و(الدين الشيعي) تمثلات الطائفة وعناصر المعرفة الأسطورية وسلطة الكاريزما والثقافات الشعبوية العتيقة، ايذاناً بموت المحرك الديني وذبوله في السياسة العراقية. تشكلت  الدولة العراقية الحديثة ما بعد العام 2003 وفقاً لمفاتيح (اثني/ ديني) وابعاد كامل للقوى الاجتماعية والسياسية هذه التركيبة أدَّت إلى (اثننة السياسة العراقية) واشتغال نمط من الترابطات البنيوية الأساسية تمثل نقيض كامل لبلورة هوية وطنية جماعوية عراقية، فقد تم استبدال الديمقراطية التمثيلية بالديمقراطية التوافقية واعتماد المحاصصة الطائفية والعرقية والتي تمثل تجاوز على أهم تأسيسات الدولة الحديثة التي توصف كحاضنة لكل المواطنين وتعطل الحراك السياسي واستبدال العنف بدلا من الممارسات السياسية، ما أدى إلى تفعيل الفوارق الثقافية أو اللغوية والدينية بين الجماعات العراقية ، دفعت الجماعات إلى البحث عن التمايزات والرأسمال الرمزي وبناء كانتونات طائفية تصل حد تفكك بنية الدولة وقد ظهرت هذه التمزقات ابان العنف الجماعي في العام 2006 ، التي  اشرت إلى نهاية التاريخ لمقولة الدولة، وتأسيس انماط جديدة من العلاقات الموغلة في تركيبات بنيوية معقدة سياسياً واقتصادياً ودينياً وصراع نجد أساسياته في الهيمنة على السلطة السياسية والمجال الديمغرافي بين الجماعات الشيعية الأصولية والجماعات السنية الأصولية حيث أن الأصولية السنية تكرس ذاتها على التمزق الرمزي والخروج التام من التاريخ وتجعل منه خطوط تماس مع الجماعات الشيعية الأصولية، والوقوع في فخ الوهم السياسي الذي يتم إنتاجه داخل المتخيل الايديولوجي في الأصالة، التفرد، الهيمنة المستديمة التمامي والاستحواذ على الممتلكات الأرضية والرمزية عبر هويات دينية جماعية مضادة لحركة التاريخ.  في حين كانت الجماعات الشيعية الأصولية تستخدم الديمقراطية للهيمنة تعويضا عن تاريخية الإقصاء من حقل السلطة والثروات والحيز المعرفي داخل الايديولوجية الأرثوذوكسية الإسلامية ويعود هذا العنف الجماعي داخل التكوينات العراقية إلى تفكك الطبقات الاجتماعية وظهور الدين كممارسة سياسية وبروز الطبقات السفلى في التركيبات السياسية وهيمنتها على مسرح التاريخ.

حيث أن العلاقات تقوم بين الجماعتين على الاستبعاد التيولوجي والسياسي وقد شكلت هذه المسألة مجالاً واسع لإنتاج الهيجان الجماعية ضد (اخروية) الآخر وعدم الاعتراف بوجوده الموضوعي والتاريخي، عبر تصميم اسطورة الثقافة والعرق وخلق هويات تمايز دينية وخليط مثير للدهشة من الاحكام المسبقة بصدد تشييد وتصميم نظام من التصنيفات اللاعقلانية ذات النزعات الفاشية.  عبر تفحص البيانات والارشادات والفتاوى التي اصدرها السيد السستاني كخلاصة نجد انه لا يريد أن يتبوء موقع سياسي في بنية الدولة العراقية، وقد نصح رجال الدين بالابتعاد عن أي منصب اداري أو تنفيذي وفضلاً عن ذلك اعتبر  أن موقعه سيكون جزءاً من واجبه الديني، في عدم تمرير قوانين حكومة تتعارض مع الثوابت الإسلامية وهذا الوضع سوف يعطيه الحق القانوني للتأثير في الصناعة السياسية والعلمية التشريعية و التعليم والقضاء.

 

مجتمعات الفتنة

من المعروف أن التوازن الشيعي/ السني هو مفتاح المسألة العراقية. بعد العام 2003 وبنهيار الدولة الكلياتية، كشف المجتمع العراقي عن انقساماته الانثروبو ـ ثقافية لعدم توفر عناصر الادماج والتوحيد السوسيولوجي ـ السياسي في بنية المجتمع وقيام الدولة عبر التاريخية العراقية بضخ الاوهام والأساطير الخرافية والوعي الزائف، الأصولية الطائفية، احتكار الهوية، إنتاج السلطة الأصولية، هي الصفة الأكثر جذرية للراديكالية السياسية واداة رمزية احيائية للطائفية الدينية معادية للنزعات الحداثية وتؤسس ذاتها على التنافر مع العالم الخارجي، ويرى "العفيف الاخضر" أن الأصولية الدينية تمثل الهوس بالنقاوة ـ نقاوة العرق، ونقاوة الهوية، ونقاوة اللسان، ونقاوة الطائفة، ورهاب من التطور، هذه النقاوة تحدد النسق الايديولوجي للأصولية التي تمثل احد التجليات الأكثر بروزاً للعناصر الفاشية في الثقافة الإسلامية بشكل عام والثقافة المجتمعيه بشكل خاص، نـحن نعرف أن هذا الانغلاق داخل الدوائر الثقافية والمجتمعية والسياسية العراقية، يعود إلى اسباب بنيوية متعددة سياسية وتاريخية ويتعلق بالذاكرة والمخيال والممارسات العدوانية للدولة العراقية منذ تأسيسها الأول العام 1921، حيث الظلم التاريخي والعنف المادي والرمزي ضد المجموعات الدينية والقومية والاثنية، وكانت الدولة القومية العراقية تقدم صورة نمطية لهذه الجماعات بوصفهما كائنات متخلفة ما دامت مندمجه في الدولة القومية والتي استطاعت أن تهضم سائر المكونات الثقافية لصالح خطاب قومي شمولي من قبل الجهاز الحكومي، تميزت هذه الدولة بدرجة عالية من المركزية وكبتت مجموعة التناقضات والمعضلات المتراكمة في البنية الاجتماعية بالاضافة إلى ذلك كان يرافق هذه الدولة الوطنية منذ التكوين الأول (فيصل حتى صدام حسين) خطاب ثقافي شاذ عن النظام الثقافي العراقي (ساطع الحصري، ميشيل عفلق) يتناقض مع التركيبة السكانية وينم عن توتر وفشل مشروع الدولة الوطنية العراقية واخفاقها في تشكيل هوية مجتمعية للوعي الوطني العراقي واشتغال آليات الحذف المستمر للانظمة الثقافية التي تتعارض مع التوجهات السياسية للمشروع القومي، أن هذه الدولة تكاد تكون حاضنة اولية معادية للثقافات بمعناها المتعدد (الهويات، الأفكار، الرؤى) ونرى أن كل مجموعة سكانية الان (اثنية، قومية، دينية، طائفية) لديها استشعارها وخوفها من الاخر، أن الآخر يهدد تماسكها ويخلخل هويتها اللغوية والسياسية ووجودها، ما يجعل المحددات الثقافية مغلقة وهي عقدة ماضوية، حيث إعادة التفكير جذرياً بمسألة (الاخر) العراقي، العربي، الكُردي، الشيعي، السني، المسيحي، الايزيدي، الصابئي، التركماني، اليهودي، الشبكي، الملحد، العلماني، وطرح المشكلة بشكل مختلف كلياً بعد كل ما حصل عبر حقبة تاريخية طويلة. أن العراق لا يمثل حالة منفردة من حيث التنوع القومي أو الطائفي أو الاثني وهو اقل تنوع من امم أخرى اضافة إلى ذلك فالتماثلات اللغوية أو العرقية أو الدينية أو الطائفية لا تقدم عبر ذاتها ضمانات لوحدة دولة ما واستمرارها الذي حصل في العراق هو عدم توفر الاشتراطات التاريخية لقيام دولة حديثة وهذه المسألة لا تكمن في التكوينات الاجتماعية أو انها دولة نشأت عبر تأثيرات سياسية أو كونها حديثة التكوين وانما المسألة وجود أزمة بنيوية سياسية بدأت بالنمو منذ وصول المؤسسة العسكرية إلى السلطة السياسية وتفاقمت مع صعود انقلاب العام 1968 ذو الابعاد التهميشية القومية الفاشية (تهميش العرب الشيعة والتركمان والاشوريين والايزيديين وابعاد العرب السنه من المنحدرات الحضرية، الموصل، بغداد البصرة).

ان ظهور هذه الدولة القومية الشمولية في احد اطوار التاريخ السياسي للعراق نتيجة لازمة تشكيل نظام البنى التاريخية ومحيط جغرافي سياسي ضاغط اضافة إلى أزمات اليسار العراقي التقليدي وعدم تكون الطبقة البرجوازية الوطنية وصعود الفئات الريفية بايديولوجيتها القومية الرثة والتي تتسم بالنزاعات الشوفينية، انتج بناء دولة توتاليتارية تلغي الاختلاف والتعدد والتنوع القومي والاثني والطائفي وتمارس العنف والإقصاء للجماعات المختلفة (الدينية والسياسية).

هذه الدولة ولدت من رحم الوسط العلماني القومي، تقوم بنيتها على حاكمية الحزب الواحد والاستبداد والتفرد واحتكار آليات العنف وايديولوجية قومية ومؤسسات العشيرة (ما قبل الدولة).جماعات متخيلة نتيجة للتركيبات الديمغرافية للمجتمع العراقي تتمركز حول هويات (اثنية، قومية، دينية) وهي صياغات لتمثيلات (الحيز السياسي) داخل هشاشة التكوينات العراقية حيث اعتمد (النسق المقدس) كحقل شائك ومعقد.

لذا فان هوية الجماعات الشيعية، نتاج للقوى الثقافية والدينية والاضطهاد التاريخي والشعائري والإقصاء عن الانظمة الفكرية الإسلامية، اضافة إلى تراكم منظومة الرأسمال الرمزي والتي تبلورت عبر حقل التاريخ، فهي تمثل هوية جوهرية، تفتقد للتشكيلات الاندماجية بسبب الصراعات بشأن (المواقع والهيمنة في السوق الرمزي) هذه الهوية تقوم على مخزونات ضخمة من الاستيهامات الذاتية والجماعية والوعي الاغترابي والتمزق ويعود ذلك إلى الظهور الدوري لشخصيات ورموز كارزمية في وعي الفاعلين الاجتماعيين السياسيين. في حين لم تتشكل هوية الجماعات السنية إلا تحت وطأة الصراعات السياسية الحديثة، لذا سادت الرؤية اللاعقلانية وتخلف سردياتها السياسية والايديولوجية والدينية لصالح خطاب ميتافيزيقي ذي بنية اقصائية يسعى إلى تقويض التنوعات الثقافية العراقية.

هذا الصدام بين الهويات داخل المكون العراقي (صدام الهويات الأصولية) صياغات سياسية مخترعة لاحداث التفكك والاضمحلال في حقل التاريخ. ويطرح "حنا بطاطو" فرضية في غاية الاهمية، إذ يقول: أن التوجهات القومية للدولة في حقبة ما قبل البعث استطاعت أن تتعايش مع الولاءات القديمة (الولاءات الطائفية والقومية والدينية). انذاك وتعمل على تآكل وتفتيت تلك الولاءات. هذه الفرضية اثبتت عقمها في تاريخية الدولة العراقية الحديثة خلال اصطدامها مع مفهوم العصرنة وإعادة بناء الأمَّة  ـ الدولة، سواء كان ذلك في حقبة الجمهوريات أو الدولة الفاشية "البدوية". وقد تحولت مجموعة الهويات العراقية إلى تركيبات سرمدية متجوهرة وحقل لصراعات دورية وصدام بسبب انهيار المشروع الليبرالي العقلاني ونمو الأصوليات الدينية والنزاعات الطائفية ورافق هذا الفشل انبعاث الهويات الفرعية لاسيما بين الجماعات العراقية وهو يمثل هزيمة سوسيولوجية للدولة والثقافة والمجتمع.

تقول القراءات الانثربولوجية والتاريخية، أن العنف هو نتاج بنى وتكوينات الاجتماع البشري وحفريات المجتمع العراقي. حيث أن العنف الجماعي والمعبر عنه بشكل واضح في الصراع على حقلي (الهويات) (الحيز السياسي) وفهم ديناميكية هذه الظاهرة (صدام الأصوليات الطائفية) والتي تحولت من النسق اللاهوتي إلى النسق السياسي متبلورة عن ذهنية دينية شمولية.

ان الفعل الاجرائي الأول الذي يتطلب تحديده يكمن في احداث قطيعة معرفية مع المصطلحات المتداولة اعلامياً ونقصد بذلك المصطلحات والتسميات التي تحمل نعتاً وحكماً ايديولوجياً وتفتقد للعلمية، والرهان على إنتاج معرفة موضوعية عن البنية السوسيولوجية والمجال التاريخي للمجتمع وإعادة إنتاج مفاهيم ومقولات محايدة لتسمية الدوائر والهويات العراقية. عبر الاجابة على سلسلة من الاسئلة. لماذا تم تفجير اكبر خزان للأساطير الماقبل تاريخية وإعادة إنتاج الظاهرة الأصولية داخل السيرورات الطائفية العراقية وتحولها إلى اديان مغلقة واستنفار الطاقة التخيلية للمنظومات السياسية والسرديات الفقهية، الارث الديني، الطبقات السفلى من تركيبات الجماعات الدينية الأصولية؟ ما مدى الارتباط بين ظهور النزعات الطائفية والانبعاثات الأصولية والنصوص السياسية والدينية والايديولوجية للجماعات العراقية وقيام صدام الهويات الأصولية الدينية العراقية على تقنيات ومؤسسات وتركيبات اجتماعية واقتصادية وسياسية؟ ما الاسباب التي جعلت الدولة منذ التأسيس العام 1921 تفتقد للخصائص السوسيولوجية والايديولوجية وتشكل بنيتها على المجال الطائفي الذي يخترق الجسم السياسي للدولة العراقية وكشف لعبة الخفاء الايديولوجي للحركات السياسية أو النخب الدينية العراقية في إعادة إنتاج الهوية الطائفية الأصولية لكونها تعبر عن الآلية الاركولوجية للمجتمع العراقي في هندسة الدولة؟ هل أدَّت البنية الايديولوجية الطائفية لدستور 2005 دوراً في اتساع ظاهرة الحرب الاهلية والتشظي السياسي للمجتمع العراقي؟ ولعدم وضوح هوية الدولة الدينية أو المدنية؟ حيث تقوم المؤسسة الطائفية الأصولية النسقية على التعارضات الثنائية التي ترسخ الفصل والافتراق الجذري بين الطوائف وهي تعتمد على إعادة إنتاج التعارضات باستمرار وتقيم نسقاً ايديولوجياً مغلقاً ونظام صارم من قواعد وآليات التكفير والمقدس والمدنس ومقولات وبناءات فقهية وفكرية واشكاليات تاريخ الطوائف. ما جعل الطائفية الأصولية العراقية تشكل احدى الادوات الاستيهامية في بناء الهوية داخل التكوينات المجتمعية الطائفية السياسية لتأسيس سلطة سياسية وتحديدات الذات واحتكار المجال التيولوجي والانظمة الدلالية. وبسبب غياب التصورات الهرمية داخل بنية المجتمع العراقي برزت المجموعات الأصولية والتجمعات الطائفية وأصبحت محور العلاقات والهيمنة للدمج بين ايقونتين (السياسية/ الدين) وإعادة إنتاج التمايزات الثقافية وتشكيل نسخ الحقيقة عبر مجال القوى والممارسة الاثنوغرافية والمعتقدات الدينية، عبر المتخيل الطائفي الأصولي الذي هو أداة رئيسة في تعيين الهويات والتمثيلات الثقافية واخذها نسق بنيوي وجماعي يقوم على الاجتماع الثقافي (العصبوي). فالخطاب الأصولي الطائفي في العراق اسس مشروعيته على وفق إنتاج تصنيفات تاريخية وثقافية ودينية مندمجة بالأرضية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مبلور نموذج بنيوي تركيبي تبادلي داخل حقل الثقافات وهو نتاج افرازات التحديدات المادية للمجتمع العراقي ونظام البنى الذي يشكل الحاضن الأول للثقافة وتاريخ التمركزات البطرياركية. وانما هو تاريخ جماعات افتراضية اخذت تحذف عناصر هذا التاريخ وتحيله إلى دلالات ومعنى وميثولوجيات وسلطة أسطورة وفي صيغ مستديمة بهذا النسق المزخرف حيث استطاع الدين الشيعي ايجاد مخرج تعويضي معبر عن رفض الدولة والانسحاب الكلي من المشاركة السياسية منذ العام 1921 خوفاً على قداسة الأسطورة من الدنس الايديولوجي.

هنا نصل إلى تأطيرات معرفية لمفهوم الدين الشيعي/ الدين السني فقد تشكلت هذه الأديان عبر التاريخية الإسلامية كجماعات سياسية اولاً لها انظمتها الفقهية ومعتقداتها الخاصة وتمايزاتها في شبكة الرموز والكاريزمات والتفرعات اللاهوتية والصور الدينية والمنظومات المقدسة الأساسية والمقولات الايديولوجية المطلقة.

وقد شكل المجال الجيوبولوتيكي العراقي مجالاً واسعاً لإنتاج وإعادة إنتاج تراكمات الرأسمال الأصولي داخل الأديان (الدين السني/ الدين الشيعي) عبر احلال مشاريع وهمية ثقافوية سلفية محددة الافاق، وبناءات مثيولوجيا يقوم لاهوتها السياسي على نظام مستند لتأويل العالم كنموذج نهائي، نظام مغلق يتسلح دائماً بأدوات المناعة ضد قرارات الواقع الاجتماعي وتصورات أصولية. ويعود هذا الظهور (الأديان) إلى اسباب متعددة.

اولاً: وجود مخزون تاريخي ضخم قائم على تمثيلات تاريخية ودينية أو يتم اختراعها في حالة عدم وجودها وانغلاق هذه الجماعات على بنية معرفية اضافة إلى وجود ايديولوجيات خلافية.

ثانياً: أزمة الهوية التي تعصف بالمجتمعات المتحولة تاريخياً ووقوع المجتمع بين هويتين التباسيتين هوية سياسية لم تتبلور وهوية دينية متكونة ومتبلورة قادرة على إعادة إنتاج نظام الفروقات.

ثالثاً: توظيف الرأسمال الرمزي للجماعات الدينية (الأفكار، العقائد، التقاليد) التي تشكل محرك للتوترات المستديمة واحتكار الحقيقة السياسية والدينية والتحول الذي يصاحب بنية الطوائف الدينية وتحولها من هويات فرعية إلى مؤسسات دينية متكاملة.

رابعاً: أن كل جماعة دينية اخذت تشكل سردياتها الانثربولوجية المتكاملة وكتلة المفاهيم والمقولات.

 

السيستاني بين الديني والمدني

مربع نص: نكتشف استحالة الفصل بين الفاعل الديني والفاعل المدني في مجتمعات الشرق الاوسط، فضلاً عن هيمنة الديني على الممتلكات الرمزية والمادية للوجود الإنسانيما من ظاهرة اثارت الدراسات والابحاث والجدل كالعلاقة بين الديني والمدني لاسيما في السياقات العراقية ما بعد العام 2003 وذلك لظهور أحزاب سياسية على المسرح العراقي تحتكم إلى مرجعيات ومؤسسات دينية (الحزب الإسلامي العراقي، التيار الصدري، المجلس الإسلامي العراقي، حزب الدعوة الإسلامي بأجنحته المتعددة) وهنا يؤدي الموروث الديني والفقهي دوراً فاعلاً في ترسيم العملية السياسية والمسار الديمقراطي في العراق الحديث، فقد كان سقوط صدام حسين فرصة كبيرة للمؤسسات الدينية والمرجعيات في ملء الفراغ السياسي، وقد تمكن آية الله العظمى السيستاني من بسط هيمنته على توجهات العملية السياسية، ولعب دوراً مفصلياً في استحواذ قائمة الائتلاف العراقي الموحد في انتخابات العام 2005 وبفعل الغطاء الديني الذي وفره للأحزاب الشيعية عبر الحث على الانتخابات وتوحيد الجماعات الشيعية من حصول قائمة الائتلاف العراقي الموحد (القائمة 555) على 128 مقعداً في البرلمان من مجمل المقاعد البالغة 275، لكن بعد سنوات وقعت المرجعية الدينية ضحية الأحزاب الدينية والسياسية الحاكمة وتحملت الاخطاء والانتكاسات والازدراء، وهناك من يعتقد أن المرجعية الدينية متواطئة مع الحكم الاعتباطي للأحزاب السياسية التي حولت الدولة الناشئة إلى اقطاعيات طائفية، يأكلها الفساد المالي والاداري ونهب الممتلكات العامة.

في هذا المجال يذكر "قاسم داود" السياسي العراقي العلماني والذي انضم إلى الائتلاف العراقي الموحد انه ذهب إلى لقاء آية الله العظمى السيستاني قبل شهرين من الاعلان عن تشكيل الائتلاف، أي في نهائيات العام 2009 وسأله: (ما الأكثر أهمية: وحدة الشيعة أم حماية الديمقراطية؟ فاجاب: الثاني، بالتأكيد، قال له: شكراً لك هذا ما اردت أن اسمعه..)([2]).

والتساؤلات المطروحة عن شرعية الديني وتدخله في الشأن المدني (الديمقراطية، والحداثة، والحريات الفردية، وحرية التعبير، العلاقات الجنسانية...) أي مجموعة القيم والانظمة المختلفة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية، وذلك أن المدني هو الميدان العام لجميع الفاعليات الايديولوجية والتعدديات الفكرية والفلسفية، موضوعها المجتمع وتنوعه، نكتشف استحالة الفصل بين الفاعل الديني والفاعل المدني في مجتمعات الشرق الاوسط، فضلاً عن هيمنة الديني على الممتلكات الرمزية والمادية للوجود الإنساني، أي أن الديني في هذه المجتمعات كما هو الحال في المجتمع العراقي يلعب دوراً مزدوجاً، الرفض المستديم للديمقراطية والحداثة والمشاركة للجماعات المقصية عن الدورة الاقتصادية والسياسية (السلطة/ الثروة) بوصفها كفراً وزندقة وانتهاكاً للحاكمية الالهية أو المشاركة في صياغة منظومة قيمية ونظام مدني عبر توظيف القدرة الرمزية والمادية للمؤسسة الدينية. فقد أدى السيستاني دوراً في تشكيل جذور الديمقراطية البسيطة في العراق منذ العام 2003، اذ طالب باجراء انتخابات مباشرة على مستوى العراق ككل، رافضاً فكرة اجراء مؤتمرات شعبية محلية بالصيغة "الجفرسونية" النخبوية، وكذلك كتابة الدستور من قبل جمعية تأسيسية منتخبة وقدم انموذجاً إسلامياً يتوافق مع العصر، إسلاماً براغماتياً (الدين يؤثر في السياسة ولكن رجال الدين لا يحكمون) ستكون هناك ديمقراطية والديمقراطية العراقية هشة وفيها الكثير من الاشكاليات ولكن فرص النجاح كثيرة على المدى المستقبلي، في شباط 2010 شجع المواطنين على التصويت بوصفه السبيل الوحيد لتحسين اداء الحكومة والبرلمان ومنع القوى غير الشرعية من السيطرة فضلاً عن ذلك رفض الانـحياز إلى اية قائمة ضد أخرى، هذا الاجراء أدى إلى ضعف دور رجال الدين السياسي وظهور رجل السياسة الفاقد للشرعية الدينية.

على المستوى الايديولوجي ثمة توتر أساسي في الأحزاب والحركات الإسلامية بين الفكرة القائلة أن القانون يجب أن يستند إلى كلمة الله، بمعنى أن يلتزم بالشريعة، وبين الفكرة أن القوانين في النظام السياسي الديمقراطي تسن على أساس حكم الغالبية من قبل برلمانات ينتخبها الناس بحرية، اذ لا يمكن لحزب أن يسمى نفسه إسلامياً الاحتفاظ بدعم الانصار المسلمين له أن هو تخلى عن الشريعة كأساس للتشريع وتتحايل معظم الدساتير العربية على هذه المسألة من خلال النص على أن الشريعة احد مصادر التشريع بدلاً من أن تكون المصدر الوحيد للتشريع وفي الوقت نفسه لا يمكن لحزب أن يسمي نفسه ديمقراطيا ويجهد لايصال مرشحيه إلى البرلمان، (كما يضغط سوية مع اعضاءآخرين في المعارضة لاقامة نظام سياسي مفتوح)، من دون قبول منطق التعددية والاعتراف بحكم الغالبية بوصفها قاعدة ملزمة، هذا التوتر بين الرؤيتين الإسلامية والديمقراطية لم يجد حلاً بشكل كامل من جانب أي حزب أو حركة إسلامية بعينها، والحصيلة هي أن الفكر السياسي للإسلاميين المشاركين في العملية السياسية العراقية يتضمن عدداً من المناطق الرمادية الغامضة، حيث يستمر صراع ايديولوجي وسياسي متواصل في داخل الأحزاب والحركات بين المتشددين، الذين يحاولون بأستمرار توسيع المساحة المخصصة للشريعة في النظامين القانوني والقضائي لبلدانهم، وبين المعتدلين الذين يفضلون تفسيراً أكثر ليبرالية لما تعنيه الدولة القائمة على الشريعة.

ان المشكلات الأكثر اهمية هي تلك المنبثقة من الصدام بين المبادئ الإسلامية وبين الديمقراطية، أكثر من الاتجاه الاجتماعي المحافظ للإسلاميين المشاركين في العملية السياسية، اذ لا تزال الأحزاب والحركات الإسلامية في العالم العربي تتخبط لاسيما على صعيد فصل الدين عن السياسة، وحيال مكانة الشريعة في النظام القانوني، انهم يقتلون فكرة التعددية السياسية، لكنهم ينازعون في شأن حدودها، كما انهم لا يجادلون بان مبدأ المواطنة الشاملة ضروري للديمقراطية، لكنهم في الممارسة العملية منقسمون بشأن المساواة بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين وبين الرجل والمرأة.اضافة إلى ذلك، يبدي الإسلاميون المشاركون في العملية السياسية بعض الغموض غير النابع من شخصيتهم المزدوجة كحركات دينية ـ سياسية، بل من ارائهم في شأن السياسات في المنطقة.

في العراق تعاني الطبقات الاجتماعية من عجز في التبلور كنواة سياسية اذ تعاني الطبقة البرجوازية الوطنية العراقية من أزمة تكوين مزمنة وانهيار الطبقة الوسطى وتفتت الطبقة العاملة العراقية وتحول الافراد السياسيين إلى نمط من الولاءات والتوجهات المقدسة أدى إلى حضور الطائفية السياسية كوعي وسلوك ومحرك اولي للتاريخ. أن هذا الوضع يؤكد الفكرة الأساسية، أن المجتمع العراقي مجتمع لا يمتلك التنظيم الاجتماعي أو السياسي فهو يؤسس ذاته على التشظي الشديد والتمركز حول هويات ومرجعيات فكرية وسياسية تتراوح بين التعايش والنزاع المنظم نتيجة للعنف الطائفي الذي مارسته الدولة التوتاليتارية. اذ أن التمركز حول الهوية الطائفية في المجتمع العراقي يأخذ نسق متعرج هذا النسق من الهوية يختبئ في شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية اذ تأخذ تشكيلة مقدسة ونموذجاً اولي لعمليات التوصيفات الثقافية ضد الآخر الديني أو الطائفي أو السياسي تتكثف هذه الظاهرة في المجتمعات المغلقة معرفياً والفاقدة لعناصر التعددية في النظام الثقافي والسلطة السياسية والتي تؤسس نفسها ضمن اطر اقتصادية اجتماعية متخلفة تقنياً لتصل إلى فرضيتين:

الفرضية الأولى: التمركز حول الهوية الطائفية كجزء من نظام السيرورات السايكو/ اجتماعية للجماعات والافراد وهي محصلة مرتبطة بتعيينات الثقافة. هذه الهوية الطائفية تتكون من عناصر اسطورية/ تاريخيات/ ثقافات عتيقة بنى/ تقاليد/ طقوس/ كارزمات.

الفرضية الثانية: عندما تتعرض هذه الجماعات الدينية الطائفية إلى كتلة من العنف المنظم (اخلالات، تهميش، إقصاء)، إقصاء من الدورة السياسية، تحقق عودة إلى التأسيسات الأولية، حدث تاريخي واسطوري أو نصوص تخيلية وضمن هذه الوضعية التاريخية تتشكل صور نمطية بدائية وتركيبات ذهنية عن المقدس الديني والحقيقة الالهية، هذه المنظومة المعقدة والمتشابكة من المتخيل الديني والطائفي مرتبطة بالحقل السياسي وحقل الهيمنة.

تعرف الديمقراطية في الادبيات السياسية بانها نسق مركب من عناصر اجتماعية وسياسية وحقوقية واقتصادية ومعرفية مترابطة بوحدة بنيوية تفاعلية، تؤسس ذاتها على الفصل بوصفه حجر الزاوية بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني اولاً والفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والقضائية ثانيا ، ترافق هذه العملية المعقدة من عمليات الفصل، تأسيس دولة قانونية وأحزاب سياسية وتنظيمات وسطية وخطط تنمية بشرية واصلاح سياسي واصلاح المنظومة الدينية والفصل بين الدين والدولة.

كمنظومتين معياريتين وحقوقيتين، لذا فان استقصاء المجال السياسي للديمقراطية مسألة بالغة الاهمية ، فمن خلال هذه المنظومة القيمية والمجتمعية يستطيع المجتمع البشري استعادت الخيارات الذاتية على المستوى الفردي والجماعي، فضلاً عن ذلك ، أن مشروع الديمقراطية هو مشروع للاستقلال والتحرر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، يصطدم بشكل مباشر أو غير مباشر بالثقافات العتيقة والأديان والهويات المتشظية للجماعات والايديولوجيات السياسية، التي تعبر عن نفسها دائماً بالعنف والعنف الرمزي، وتشكل مأزقاً كبيراً للتجارب الديمقراطية في المجتمعات الطرفية بشكل خاص.

وتمثل التجربة العراقية نموذجاً لهذه الاشكاليات، حيث لم تظهر حتى الان في المجتمع العراقي نظرية للدولة المدنية، والتي هي كيان سياسي لحفظ السلم الاهلي أو تتحرر الدولة من انتمائها الديني أو الطائفي أو تتوفر لها القدرة على استيعاب التنوع والتعدد البشري وانفصال المجتمع المدني عن الدولة، وتكريس قطبية جديدة داخل المجال السياسي عبرها  يمكن تحقيق انفصال المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية، فضلاً عن التحولات التي تصاحب هذه الانفصالات، وتحول الدين إلى وظيفته الجوهرية (الاخلاقية والادماجية) للاجتماع البشري. تحكم السياسة بالدين، ودمقرطة المؤسسات الادارية والامنية واصدار قانون للأحزاب السياسية على أساس عقلاني وتقديم الضمانات القانونية والدستورية للمجتمع المدني يحمي حقوق الاقليات القومية والدينية وحقوق المرأة وتحرم سياسات التميز بسبب الجنس أو اللون أو القومية أو الاثنية والقبول بالتعددية السياسية والفكرية، حيث أن المجال السياسي للديمقراطية العراقية بحاجة إلى إعادة التفكير بمسألة التقاطعات القائمة بين المجال الاخلاقي ومجال القيم السياسية، أي تقاطع المقدس مع السياسي واستحضار كذلك لغات المقدس ومفاهيمه عند التفكير في الشأن السياسي وفك الارتباط بين العناصر المختلطة والمتداخلة، بسبب احتكار النخب السياسية الحقيقة الدينية، كما في التجربة العراقية.

فالديمقراطية تقوم أساساً على استقلال المجال السياسي عن المجال الديني وتتضمن استخدام قوانين وضعية في  الإدارة وشؤون الدولة والافراد هذه الفصل بين المقدس والدولة يجعلها عرضة للمحاسبة من قبل المجتمع، حيث أن الدولة الديمقراطية تنتشر تحت طالع (المثولية) وهي تعبير عن المجتمع، الذي يمثل نفسه بنفسه من خلالها ومن داخل ذاتها، هذه العملية تفترض ابتعاد الدولة، أي تمايزها البين عن المجتمع لتحقق نسبة التماثل بين هذين القطبين ومؤشر ارتفاع الحقوق الشخصية للافراد على المستوى الأول. وتكمن عبقرية "روسو" في انه استفاد من المصادر الفلسفية التنويرية لصياغة المدلول الكامل للمجال الديمقراطي وامتلاكه السيادة المطلقة على الدولة واستحواذها الكامل على السلطة (سلطة القانون) التي تمثل تلاقي ارادات الافراد عبر التفويض حيث أن الحرية البشرية لا تعرف معناها الحقيقي إلا عن طريق المشاركة في السيادة التي تعود للجماعات السياسية وحدها لها الحق في ممارستها داخل نظام دولة القانون، وتتجلى كنظام سياسي في المستويات كافة وتحول الاشخاص من كائنات لاهوتية إلى كائنات سياسية مستقلين عن بنيتهم الدينية وخروج الدولة كأساس معياري عن أية نظرية دنيوية محددة، هذه الحيادية الدينية والدنيوية للدولة هي جزء من التأسيسات الأولية للديمقراطية بمجالها القانوني والاخلاقي، ففي نقد فلسفة الحقوق عند هيغل يضع ماركس رؤيته للدولة الديمقراطية بوصفها الدولة السياسية التي تعبر عن المجتمع المدني، حيث الافراد الاجتماعيون هم الأساس الطبيعي للدولة ووظيفتها تصفية جميع العلاقات الاقتصادية التي يكون فيها الإنسان كائناً مهاناً وعاجزاً ومبتعداً عن التاريخ وتطلق التنوع الفردي والجماعي والمادي والفكري والروحي وتثبت دنيوية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وتأسيس التمايز الوظيفي عبر ضبط المجال الديني وطرق اشتغاله وتحديد الفضاء الخاص له وتلعب (الدولة) الدور الاكبر في هذا النظام الاجتماعي وتشكيل هوية الافراد والمجموعات البشرية ويرى "برهان غليون أن العلمنة تعني معنى واحد هو (المدنية) واسبقية الاعتماد على العقل وإخضاع جميع القرارات والاحكام المتعلقة بالشؤون العامة للنقاش الحر والعقلاني، ولا يمكن أن تقصي الدين أو تستبعد المتدينين من الشأن السياسي وتعني حيادية الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان والاحتكام إلى القانون في ضبط النظام الاجتماعي والايمان بالتنوع والتعدد المجتمعي وترسيخ قيم التعايش والتسامح بين الجماعات البشرية.

وتحرير الخطاب السياسي من هيمنة المؤسسات ما قبل الدولة، وعد الفرد الإنساني هو وحده موضع النص القانوني بعيداً عن أي وصايا تمارس باسم الهويات الجماعية أو الهويات الثقافية، عبر الارتباط بمنظومة حقوق الإنسان الكونية، وجزء من الفلسفة السياسة الديمقراطية والمثل العليا لعصر التنوير.

وهنا تكمن قوة وصايا السيستاني ففي الوثيقة المرقمة (53) بصدد سؤال عن تخوف الاقليات والاثنيات من اقامة حكم ديني في العراق يحرم المواطنين من حقوقهم الأساسية، يجيب السيستاني (ان القوى السياسية والاجتماعية في العراق لا تدعو إلى قيام حكومة دينية، بل إلى نظام يحترم الثوابت الدينية للعراقيين ويعتمد مبدأ التعددية والعدالة والمساواة، وقد اوضحت المرجعية الدينية انها ليست معنية بتعدي الحوزة العلمية لممارسة العمل السياسي وانها ترتأي لعلماء الدين أن ينأوا بانفسهم من تسلم المناصب الحكومية).

 

دور الدين داخل الدولة : اخلاقيا

مسألة الفصل بين المجال الديني والمجال السياسي في المجتمع هو السؤال المطروح في التاريخية العراقية الراهنة وعلى جدول اعمال المؤسسة الدينية والنخب الفكرية، للخروج بنمط بنيوي تركيبي على صعيد نسق الدولة السياسية، وذلك لتأسيس سلطة بشرية خارج النصوص والمتون المقدسة وإنتاج للتوازنات السياسة والاجتماعية والفكرية والثقافي وإعادة النظر بمفهوم الدولة العراقية ما بعد العام 2003 وتكريسها كمؤسسة تشتغل في حقل السياسية كمصفوفات وتحولات وانساق وبنى معرفية تستمد قوتها من المفاهيم والمقولات الثقافية الحديثة بالارتباط مع الفضاء السوسيولوجي والتخيلي للمجتمع العراقي حيث أن الدين أو المجال الديني كمنظومة نصوص مقدسة، أو مدونات فقهية أو تشريعية لم يحدد اطارا معيناً للسلطة السياسية.

في عراق ما بعد العام 2003 نجد عدم وجود فصل بين المؤسسات الدينية والدولة ولا توجد حدود فاصلة وواضحة بين المؤسسات الدينية والمؤسسات القانونية والمؤسسات الدستورية حيث تلعب المرجعية الدينية دوراً فاعلاً في اضفاء الشرعية السياسية، فضلا عن قيام الدولة بتمويل مشاريع المؤسسات الدينية ونشر التعليم الديني عبر مؤسسات التعليم والاعلام والثقافة، اضافة إلى ذلك تدافع عن دين محدد يأخذ صفة الهيمنة دون غيره متجاهلة الأديان والملل والنحل الأخرى السائدة في المجتمع العراقي.

ان الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة المجردة وعلى دستور موحد وشامل لكل الاجزاء، وتقديم الرعاية والخدمات واحترام حرية المعتقدات والعبادة دون المساس بحرية الاخرين. حيث أن هناك فرقاً بين الإسلام كدين وبين الإسلام كفقه، أن هذا الفصل ليس منظومة سياسية أو انكار للاديان وانما هو نسق تنظيمي للعلاقة بين الدولة/ والمؤسسات الدينية تحمي الدين من استخدامات الدولة وتؤسس للفصل عن تدين الدولة. حيث أن القاسم المشترك للدولة الحديثة ينطوي على فكرة الحياد الايجابي ازاء الأديان والمذاهب والطوائف والفرق الدينية الموجودة في المجتمع ونجاحاته في المجتمعات التي توجد فيها اقليات دينية كبرى وفاعلة ومؤثرة كالمجتمع العراقي كما تعني المساواة بين المواطنين امام القانون بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية أو الطائفية، والاقرار بان الدين هو خيار فردي خاص. لذا فان هذا الفصل المعرفي بين المجالين الديني/ الدولة يؤدي إلى الحفاظ على الدين من الاحتكار وتنوع منظومته الرمزية والمقدسة ودوره الارشادي فالأديان عندما تتجاوز المجال الميتافيزيقي عبر الفاعلين السياسيين ويتم تزويدها بمنظومة من الحرتقات والمفاهيم والمقولات الاجتماعية ـ السياسية يبرز داخلها نزعتين ، الأولى :نزعة اختزالية، حيث يتم تحويل الصراعات البشرية، السياسية والفكرية إلى منظومة ثنائية الخير/ الشر، وانعكاساتها في المجال السياسي للدولة الحديثة واثارها على التعددية المجتمعية والأخرى نزعة مطلقة نهائية سرمدية اسطورية، تتجذر في ايديولوجية مقدسة ويتم تحويل النصوص المقدسة إلى نصوص ايديولوجية وسياسية لتعبر عن مصالح طبقية واجتماعية وفئوية فضلاً عن تهميش الجماعات الدينية الأخرى المنافسة والجماعات السياسية التنويرية. فالفاعلون الإسلاميون يتصورون أن الدين يحمل ماهية سياسية وهي جزء من العقيدة واي فصل هو نقض لجذور الإسلام.في حين بناء دولة مدنية قائمة على الفصل واشتغال السياسي في المجتمع لا تجرد الدين من فاعليته السياسية وانما تفعل الإنسان الديني ككائن سياسي داخل منظومات الاختلاف والتنوع والمنظومات القيمية.

ان تشكل خطاب حداثي ودولة حديثة تقوم على قطيعة بين الخطابات الدينية وخطاب الدولة في العراق الحديث فرضية مطلوبة حتى تتحرر الدولة من الخطابات الدينية المتنافسة، وخطابات الأديان الطائفية، ترعى مصالح السكان الاقتصادية والصحية والثقافية تقوم على المجال السياسي بوصفه الناظم للعلاقات الاجتماعية والقانونية والحياة العامة للمجتمع.وهنا تبين دعوة السيستاني إلى انسحاب رجال الدين من السياسية، بوصفه يمثل نموذج شيعي ما قبل الخميني، هدفه حماية الايمان وليس وضع نموذجاً لحكومة إسلامية ويعتقد ولي نصر أن السيستاني متأثر بدستور إيران العام 1906 حتى انشاء آية الله الخميني ولاية الفقيه باعتبار أن رجال الدين اوصياء دستوريون يعد تطوراً حديثاً نسبياً بخلاف التقليد الشيعي، فاصرار آية الله العظمى السيستاني على أن العلماء ورجال الدين قوة اخلاقية في المجتمع خارج وليس داخل الدولة هو نقيض المؤسسة الإيرانية التي تحولت من مؤسسة دينية تقليدية إلى مؤسسة ايديولوجية تابعة لمؤسسات الحكومة.

السيستاني كان يحاول فصل رجل الدين عن مؤسسات الدولة العراقية، ولكن فرض القيم الأخلاقية الدينية على الدولة والمجتمع، عبر تأسيس قواعد اجتماعية راسخة مثل حرية الإنسان والعدالة في توزيع الثروات، ففي سلسلة الفتاوى والنصائح التي أصدرها آية الله العظمى السيستاني جاءت الأجوبة لتكرس الوظيفة الأخلاقية لرجل الدين وكما في أدناه:

سؤال: حدود وظيفة رجل الدين في الوقت الحالي وهل له أن يتدخل في الأمور الإدارية؟

جواب: لا يصح أن يزج رجال الدين في الجوانب الإدارية والتنفيذية بل ينبغي أن يقتصر دورهم على التوجيه والإرشاد والإشراف على اللجان التي تشكل لإدارة أمور المدنية وتوفير الأمن والخدمات العامة للأهالي. وثيقة رقم (3) الجواب رقم (4).

 

سؤال: ما هي وظيفة طلبة الحوزة العلمية في الظرف الراهن؟

جواب: وظيفتهم في هذا الزمان كسائر الأزمنة فيما يتعلق بالمجتمع هي السعي في الترويج الشرعي للدين الحنيف ونشر الاحكام وتعليم الجاهلين ونصح المؤمنين ووعظهم واصلاح ذات بينهم ونـحو ذلك مما يرجع إلى اصلاح دينهم وتكميل نفوسهم ولا شأن لهم بالامور الادارية أو نـحوها وثيقة رقم (5) الجواب رقم (4).

 

سؤال: ما هو الدور السياسي الذي يملكه المرجع أو رجال الدين؟

جواب: سماحة السيد لا يطلب موقعاً في الحكم أو السلطة ويرى ضرورة اتباع علماء الدين و ابتعادهم عن مواقع المسؤوليات التنفيذية والادارية وثيقة رقم (13) جواب رقم (4).

 

سؤال: هل يحق لرجال الدين أن يكونوا جيوش خاصة لحماية الحوزة؟ أو مراقبة وصيانة الاخلاق العامة؟

جواب: ليس هذا وارد لدينا. وثيقة رقم (23) جواب رقم (3).

سؤال: في حالة تمت الانتخابات وفقاً لوجهة نظر آية الله السيستاني دام ظله الشريف فهل تنوي المرجعية أو الحوزة المباركة أن تشارك في نظام الحكم القادم وذلك بترسيخ ثقة الشعب العراقي بالنظام الجديد.؟

جواب: أن سماحة السيد دام ظله انما طالب باجراء الانتخابات لغرض تمكين الشعب العراقي من اختيار ممثليهم من ادارة بلدهم سماحته ليس معنياً بتصدي الحوزة العلمية لممارسة العمل السياسي، فانه يرتأي لعلماء الدين أن ينأوا بانفسهم عن هذا المجال ولكن هذا لا يمنع عن قيامها بأسداء النص والتوجه للناس وارشادهم للضوابط التي ينبغي اعتمادها في اختيار ممثلهم في أية انتخابات قادمة.وثيقة رقم (52) جواب رقم (2).


إيضاحات

۞ في اعقاب انهيار النظام الفاشي البدوي 2003 تمت استعادة حزمة من الخرافات السياسية كجزء من اشتراطات ولادة الجمهورية الرابعة. وقد اتسمت هذه المرحلة بتشظي شديد صاحبه خطاب يرتكز على مجموعة من الأساطير السياسية والخرافات تعود إلى مرحلة ما قبل الحداثة. وتفتقد إلى الاطار المرجعي لاقامة دولة. سواء كان ذلك في المجال الحيوي أو إعادة كتابة التاريخ. أو المعرفة الدقيقة بموازين القوى الاجتماعية. هذا الاغراق في الفوضى والوهم يتضامن مع النسق السياسي للمجتمع العراقي الذي يؤسس ذاته على هوية ثابته ويتم من خلال هذه العملية احتكار المعنى وهي عملية تتم في اشتغال البنى الاسطورية الخرافية في الفكر السياسي العراقي وتمت استعادة طاولة الملك فيصل الأول (مؤسس الدولة العراقية الحديثة) لتوقع عليها النخبة السياسية لمجلس الحكم الانتقالي الوثيقة الانتقالية للدولة العراقية هذه الطاولة تشير إلى دلالات ملتبسة يمكننا اكتشافها في المشهد للنخب السياسية انها كانت مرهونة لروح الاسلاف وشعائرهم وطقوسهم المقدسة (حاضر العراق الكولونيالي هو ماضي العراق الكولونيالي) فهي تفتقر إلى البعد المستقبلي نتيجة لركود البنية الاجتماعية وأزمة تكوين الدولة العراقية وضعف الحراك السياسي وهنا تكمن عملية قوة الاسطورة في تكريس احدى الاستعارات الخرافية الكبرى لجماعة النخب.

۞ الدين يشكل الرأسمال الرمزي والثقافي للمجتمعات البشرية وبالذات المجتمعات العربية والإسلامية، ويحدد شكل الرؤية للعالم والطبيعة والوجود والإنسان فضلاً عن ذلك يقدم اجابات على الاسئلة الطبيعانية والموت والحياة ونتيجة لخروج العالم العربي والإسلامي من التاريخ العالمي وغيابهما الكامل عن اشتراطات المتغيرات التاريخية فقد تم إعادة إنتاج ظاهرة النزعة القومية والظاهرة الأصولية الدينية وتغذية العصاب الجماعي المناهض للغرب كرد فعل ضد انسداد الحداثة الفكرية والسياسية والاقتصادية وافلاس مشروع الدولة الوطنية العربية حيث أن هاتين الظاهرتين تمثلان نسقاً من الانبعاثات المستمرة للطبقات والفئات الوسطى والتي شكلت القاعدة المادية والايديولوجية للدولة الشعبوية العربية في فترة الستينيات من القرن الماضي.

۞ في دراسة فؤاد اسحاق الخوري (الإمام والامير) يحاول أن يقسم الجماعات الدينية في العالم العربي طبقاً لمعايير اجتماعية مع وضع الهوية الخاصة بكل جماعة في الحسبان ويفرق خوري بين الدين والطائفة، فالدين في العالم العربي هو دين السنة أما الطائفة فهي أي جماعة (غير سنية) وهذا التعريف يحدد علاقات القوة والسياسية داخل الجماعات البشرية فالقوة بالنسبة لخوري هي المقياس الأساسي الذي نقيس به التطور التاريخي والاقتصادي للجماعات بعضها عن بعض حيث يرى تاريخ نشأة جماعة وبلوغ اهدافها في نشر تعاليمها لا يعود أكثر من كونه قضية سياسية ويذكر أن هناك أكثر من عنصر يوضح التفرقة بين الدين والطائفة مثل درجة تغلغل التراث الديني والثقافي، الوضع المركزي للدين والوضع الهامشي للطائفة، ثنائية المنظمات الطائفية تبني العقائد الراديكالية التي ترفض الدولة كما ترفض ايضا أي سلطة مركزية للدولة.

۞ أن الجانب الايجابي لسياسة خامنةئي كما يرى فراس طارق مكية، في هيكلة حوزة قم بأساليب الإدارة الحديثة من احصاء ومنهجية ادارية وانظمة مالية، على الرغم من انه لا يلتفت إلى الفارقة التاريخية الكامنة في هذه النقطة بالذات وهي أن مأسسة الحوزة العلمية بهذه الدرجة يقدمها بكل سهولة ضحية لاي نظام شمولي يتصدى للقضاء عليها وهنا يكمن سر الاصرار التاريخي لمراجع الشيعة بعدم مأسسة الحوزة لادراكهم بان القدر التاريخي للتشيع هو مجابهة، مختلف الانظمة الشمولية وكانت فلسفتهم على الدولة النظام في اللانظام كما صاغها آية الله العظمى السيد أبو الحسن الاصفهاني (قده) قبل أكثر من نصف قرن، وقد اضطرت حوزة النجف لدواعي التطور وليس لدواعي القمع كما في قم أن تستجيب لقدر ادنى من الهيكلة الادارية، ولكن ليس إلى الدرجة التي تتخلى فيها عن هذا المبدأ التاريخي كما انها لجأت إلى سياسية بديلة وهي خلق مؤسسات ساندة للمرجعية بدلاً من مأسة المرجعية نفسها، هذه سياسية عميقة ولدت من رحم الصراعات مع نظام البعث في العراق.

۞ النسق الوظائفي للفتوى هي اتخاذها لمواقف دنيوية وسياسية، يفتاع ديني حيث يخضع القرار السياسي في هذه المنطقة إلى معايير الحلال والحرام لا للشكل السياسي.

·   الفرضية الأولى: أن أي مجتمع يطرح مهمات تتطلب حلها شروط ضرورية وكامنة وغير متوفرة فيه أو غير موجودة في الاقل.

·   الفرضية الثانية: لا ينحل مجتمع ما ويصبح استبداله ممكناً قبل أن يطور جميع الاشكال الحياتية. وهنا تكمن قوة التمعن الايديولوجي داخل حقل مجتمعي حيث أن نظام الاستعدادات والتصورات للمجتمع العراقي آليات الهيمنة والمشروع المجتمعي الوطني والخروج من دين الطائفة ومؤسسة الحزب التقليدية وهذا يعود إلى انهيار الطبقة الوسطى الوريث الشرعي للحصن التنويري. بالاضافة إلى الأزمة التاريخية للفكر نتيجة للتأكل المعرفي وعدم ايجاد اجابات عقلانية لنظام الواقع والتهديد المستمر الذي تتعرض له طبيعة الهوية وقد شكل الدين المادة الخام للايديولوجية القومية والايديولوجية الأصولية فالماضي يمثل العنصر الأساسي لهذه الايديولوجيات، فاذا لم يكن هناك ماض فان بالامكان دائماً اختراعه، اذ (الديني) هنا مثل الشفرة الوراثية للجماعات القومية والجماعات الأصولية لإعادة التلاحم الايديولوجي وتنظيم علاقات الاختلاف وتحوله إلى فاعل سياسي يعطي للعالم الواقعي ولهذه المجتمعات والتي تعاني التمزق والفوضى معنى، فيتم إعادة تشكيل بنيات اسطورية واستيهامات ضخمة ومفاهيم وعلوم بدائية أو استخدام الدين كوسيلة ايديولوجية تقوم على المغالطة وطمس الحقائق كما يؤدي إلى انتفاء المجال العلمي لهذا النسق المعرفي حيث يجري حتى الان في العالم العربي تفسير النص المقدس بلغة ميثولوجية مندمجة بالطقوس السياسية الفوقية والطائفية.

۞ أزمة الأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية تطرح هنا بالاتساق مع أزمات التمدن والتطور والنهضة داخل المجال المجتمعي للعالمين العربي والإسلامي، على الرغم من هلامية هذا المفهوم، فهذه المجتمعات تمثل كتلة هامدة خارج التاريخ الحداثي للعالم، ويعود ذلك لاشتراطات البنيات المؤسساتية. كما يطرح ذلك العفيف الأخضر.

1.    غياب فاعل الحداثة التاريخي (البرجوازية الحديثة).

2.  عدم توفر ارضية الحداثة (الملكية الخاصة) والتي لم تدخل إلى الإسلام إلا بعد دخول العالم العربي الإسلامي مرحلة الكولونيالية.

3.  التثبيت العصابي بشأن الماضي والتعلق بالحضارات العتيقة ولاسيما عندما يكون المقدس هو العمود الفقري، حين يردع الورثة عن انجاز عمليات التلاقح مع الحضارات الأخرى التي تنظر بمنظار (المركزية الاثنية) وقد تم اختيارها وفق العناية الالهية، لذا فان أي اقتباس (معرفي) من المجتمعات الأخرى (الكافرة) يوصف بانه خيانة وانتهاك للمحرمات المقدسة.

4.    هيمنة التدين الشعبوي والذي يصنع دين الكراهية، وهو يمثل الكتلة الاسمنتية للاديان اللاعقلانية.

5.    الأصولية التي تقيم مناحات يومية على الهوية الدينية والسياسية.

۞ تتجذر الهوية (الهويات) في حقل التقابلات والتماثلات أي حقل الصراعات الطبقية والاثنية والقومية وحقل التوترات الايديولوجية والتنافس بين الفئات والمكونات للهيمنة، لذا فهي تمثل رهان في الصراع من اجل السلطة السياسية بمختلف مستوياتها، بما فيها إعادة إنتاج النخب السياسية ضمن منظور شمولي يحقق مصالح الجماعات والطبقات والاثنيات.

۞ الهوية (الهويات) توصف بانها معطى تاريخي وليست معطى مقدس أو مطلقاً وهي كأي منظومة تاريخية عرضة للمراجعة النقدية، يكتسبها الفرد عبر الممارسة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية داخل حقل مجتمعي، تقدم العلوم السياسية اضاءات مهمة نـحو فعالية الهوية في العالم المعاصر واكتشاف حضورها في قلب مناطق النزاعات العالمية، تمتد من البلقان والقوفاز إلى قلب افريقيا السوداء ومنطقة الشرق الأوسط والعراق بالذات       اذ يوصف التنوع الهوياتي للمجتمعات الحديثة بانه جزء من الثراء الثقافي واللغوي والسكاني ولكن عندما يستجيب لمحفزات التشظي والانقسام والصراع والتمركز يصبح احد مولدات العنف الهوياتي كما هو حال التجربة العراقية اذ تطرح الحركات السياسية العراقية مفهوم الهوية كمعطى مقدس خارج الحقل التاريخي المجتمعي، غير قابل للجدل أو المراجعة أو التحول.في حين كرست الحركات السياسية العراقية على اختلاف مرجعياتها الفكرية والسياسية خطاباً شعبوياً يهيمن عليه الطابع الايديولوجي وتكمن وظيفته في سياسية التبرير وطمس الاختلاف واللجوء إلى التلفيق الذي يفتقر إلى العقلانية وتقديم تحليلات تخيلية تقوم على جذب القطيع الجماهيري وهي الشريحة التي وصفها ماركس بـ (البروليتارية الرثة) وتأتي هذه الحشود وفق تأطيرات احتفالية استعراضية تؤدي إلى ذوبان الفرد بالجماعة والتشبع بالشعارات والصور الايديولوجية بدلاً من المنطقية والواقعية والعقلانية والتنويرية.ان هذا الخطاب الشعبوي المهيمن والمتداول حالياً في الحقل الثقافي العراقي والقائم على سيرورات التمركز والتمركز المضاد الديني أو السياسي أو الطائفي يؤدي إلى سلسلة من الوظائف الايديولوجية.

اولاً: تحريف الصراعات الحقيقية بين الجماعات السياسية والدينية العراقية والتلاعب بمصيرها التاريخي والجماعي.

ثانياً: غياب الرأسمال الواقعي المتمثل في المؤسسات المعقلنة والمحركات الاجتماعية والسياسية والفكرية وانهيار خطاب التنمية البشرية والثقافية.

ثالثاً: إنتاج خطابات سحرية ظلامية كفضاء للحراك السياسي ونواة احتجاج ضد العالم الواقعي.

۞ أن البحث عن تأسيسات أولية للتاريخية النقدية العقلانية حسب توصيفات باسيكتر يستتبع:

1.      استبعاد كل فاعل تاريخي مفارق أو فوق إنساني.

2.      الاعتراف بان الناس هم صانعوا التاريخ.

3.      تحرير العقلانية من كل تبعية للاهوت سواء أكان مفارق للإنسان أو محايثاً له.

۞ يقوم الفكر الاستشراقي الأوروبي على أساس الاستعارات الهيغلية والتي تتبنى فرضيتين.

 الفرضية الأولى: هي ركود التسهيلات الاقتصادية والاجتماعية للعالم الشرقي وبالذات العالم العربي والإسلامي والفشل الدائم في التغيير والتحول.

 الفرضية الثانية: أن الأمم الصغيرة أو مجموعة الأقليات لا تسهم في تطور الرأسمالية كنظام علاقات اقتصادية وفكرية عالمي.

۞ المجتمع العراقي خضع إلى سلسلة من التحولات (مجموعة كبيرة من الثورات والانتفاضات والانقلابات) منذ تأسيس الكيان السياسي، ولكن (الدولة) بالمعنى الاستعاري لم تخضع إلى متغيرات أو إعادة بناء للنسق الوظيفي، وانما دائما يتم إعادة بناءها على أساس نظام من التوترات المعقدة حيث نجدها دائماً وعبر التاريخ مجال للفوضى والفوضى المضادة تتمحور حول الاستبداد والمدنية المنقسمة والنخب الدائرية والتي يتم إعادة إنتاجها باستمرار، والقائمة على استنفار المخزونات التاريخية للطبقات السفلى من المجتمع لبلورة انساق ايديولوجية وتوسيع دائرة الصراع على الرهانات السياسية، وحتى الآن لم يتم كتابة سرديات الإقصاء المتبادل بين الجماعات العراقية والعلاقات الدموية والابادات التي تمت من قبل الدولة القومية العراقية 1921 ـ2003 وانعكاس هذا كله على تشكل المجتمع وتحديد الوجود الموضوعي البشري وتخطيطات انماط الثقافة والهيمنة بوصفها أداة ضبط فائض القيمة الرمزية.

۞ أن الدرس الموضوعي الأول لنهاية شكل من الأشكال الرؤية الخرافية للأشياء والانتقال من مجتمع الخرافات السياسية إلى مجتمع المؤسسات القانونية والاقتصادية والثقافية يكمن في تفكيك أساطير الدولة العراقية وخرافاتها السياسية وتركيباتها للخروج من الثقافات الأصولية وتحرير الايديولوجيا بنزع الاوهام المقدسة عبر تخطيطات المفكر ميثم الجنابي:

1.    ازالة الاوهام المقدسة عن فعل السياسية ومنطق الايديولوجيا.

2.    جعل السياسة منظومة حقوقية ورؤية واقعية.

3.    استمداد البدائل من المعاصرة.

4.    جعل العقلانية والواقعية حجر الزاوية في العلم والعمل السياسي.

5.    العمل من خلال المؤسسات الشرعية وتذليل نفسية الانعزال المقدسة.

۞ أن دراسة الخرافات السياسية بوصفها ظاهرات ثقافية مرتبطة بنظام التصورات العام ونقد الجذور النظرية والمعرفية لهذه الخرافات والأساطير من خلال قراءة تمثيلات الثقافة وتجريد المجتمع عبر تحقيق قطائع معرفية داخل نظام الفكر والاندماج بالحداثة الكونية والتاريخية العالمية واشاعة التنوير والجدل.

۞ جاء قيام مسلحين بتفجير القبة العسكرية في شباط العام 2006 ليمثل ذروة المروق والعنف والتشتت اللا نهائي في العالم الواقعي العراقي وبداية التاريخية الدموية لصدام الهويات الأصولية الطائفية في العراق، أن هذا الحدث لم يحظ بدراسات موسعة أو اهتمام المؤرخين وعلماء الاجتماع والانثربولوجين العراقيين حيث دفع الجماعات العراقية الأصولية الدينية إلى عمليات عنف وجرائم واعمال وحشية وتفجير السيارات وتميز اثني وعرقي وديني وتطهير واسع النطاق وتمثيل بالجثث وتهجير قسري أدى إلى تغير المجال الديمغرافي وحصول انهيار وانزلاق في النظام الرمزي والدخول في استيهامات تخيلية للتلاعب بالهويات الدينية وخلخلت نظام القيم الاجتماعية نتج عن  هذا الصدام انتقال الصراعات السياسية والتوازنات الهشة للطوائف والاثنيات إلى الحقل المقدس، هذا الحقل الشائك والمعقد والمشبع بالتفاصيل، سوف يكون احد المولدات الأساسية لتمزق الهوية في العراق. حيث تتداخل في هذا الحقل تمثيلات الطائفية السياسية والدينية وتتقاطع مع عناصر المعرفة الاسطورية وسلطة الكاريزم والثقافات الشعبوية التي تمثل احدى الاستعارات الأكثر اتساقاً في التكوينات المجتمعية العراقية لاقنعة الصراعات السياسية.

 

۞ موقع مكتب سماحة آية الله العظمى السيد السستاني (دام ظله)

بسم الله الرحمن الرحيم

مع اقتراب موعد انتخابات مجلس النواب هناك تساؤلات في الشارع العراقي عن مدى الجدوى في المشاركة في هذه الانتخابات بعد ما لوحظ من أن الانتخابات الماضية لم تسفر عما يحقق امال الناس ولم يكن الكثير من اعضاء مجلس النواب والمسؤولين الحكوميين بمستوى المسؤولية التي عهدت اليهم، وهناك تساؤلات ايضا عن موقف المرجعية الدينية العليا ازاء القوائم المشاركة في الانتخابات، يرجى التوضيح والارشاد وشكراً

جمع من المواطنين

بسمه تعإلى:

ان الانتخابات النيابية تحظى باهمية كبرى ولا سيما في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العراق العزيز، وهي المدخل الوحيد لتحقيق ما يطمح اليه الجميع من تحسين اداء السلطتين التشريعية (مجلس النواب) والتنفيذية (الحكومة).

ومن هنا فان سماحة السيد دام ظله يرى ضرورة أن يشارك فيها جميع المواطنين من الرجال والنساء الحريصين على مستقبل هذا البلد وبنائه وفق اسس العدالة والمساواة بين جميع ابنائه في الحقوق والواجبات، مؤكداً على أن العزوف عن المشاركة لاي سبب كان سيمنح الفرصة للاخرين في تحقيق ماربهم غير المشروعة ولان حين ندم.

ان المرجعية الدينية العليا في الوقت الذي تؤكد على عدم تبنيها لاية حرية مشاركة في الانتخابات فانها تستمد على ضرورة أن يختار الناخب من القوائم المشاركة ماهو افضلها واحرصها على مصالح العراق في حاضره ومستقبله واقدرها على تحقيق ما يطمح اليه شعبه الكريم من الاستقرار والتقدم، ويختار ايضا من المرشحين في القائمة من يتصف بالكفاءة والامانة والالتزام بثوابت الشعب العراقي وقيمه الاصيلة.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

استخدام الدين لممارسات سياسية واقتصادية وثقافية لاغراض الهيمنة ويحتوي هذا المفهوم على سلسلة من التصنيفات المعرفية والمؤسساتية وانظمة القيم. فالموقع الديني السياسي للجماعات الشيعية العراقية اخذ صفة معارضة مستديمة لجماعات سنية مركزية تأقلمت مع تخطيطات هوية الدولة ووظفت المكتشفات الايديولوجية في التجربة التاريخية، هذه الوضعية التاريخية فرضت على الجماعات الشيعية البحث عن تعويضات خارج التاريخ الواقعي العياني والذي هو ليس مجال تاريخ الدين الشيعي.


مصادر أساسية :

1.      المرجع الأخير/ مهدي خليجي معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى مراجعة وترجمة: فراس طارق مكية

2.      النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية/ إعداد حامد الخفاف دار المؤرخ العربي بيروت 2007 الطبعة الأولى.

3.      ديناميكيات النزاع في العراق، فريق أبحاث معهد الدراسات الإستراتيجية، العراق الطبيعة الأولى 2005 بغداد ـ بيروت.

 

الهوامش



([1]) النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية/ إعداد حامد الخفاف دار المؤرخ العربي بيروت 2007 الطبعة الأولى.

([2]) موقع مجموعة الأزمات الدولية  تقرير بعنوان  الانتخابات القادمة في العراق غير المؤكده :  الاحتمالات المتعدده.

المزيد من الاخبار

  الشيعة والسياسة في الشرق الأوسط

  أوباما آخر المناهضين للاستعمار

  منهج فلسفة التاريخ والعولمة

  ثقافة العنف وتأثيرها على الشخصية العراقية

  العرف العشائري والشريعة الإسلامية /نظامان يحكمان واقع المرأة

  التقليد في الفقه الشيعي من الاستناد إلى السلطة

  الرسائل الفقهية العملية وتكريس الاحتكار والطبقية

  صعود المرجع الأعلى

  التفكير بالدولة في مدرسة النجف

  فقيه الولاية

القائمة الرئيسية
تسليط الضوء

الاجتماع الدوري لحملة الواح الطين للدفاع عن الاثار العراقية
عقدت حملة #الواح_الطين اجتماعها الدوري الذي حضره نخبة من ممثلي المؤسسات المنظمة للحملة، وقد تم خلال الاجتماع تنسيق العمل ورسم الخطوات المقبلة من اجل تحقيق هدفها المباشر. .
أقرا المزيد ...

حملة الواح الطين (20/5/2017)

إطلاق مؤسسة مدارك (حملة ألواح الطين للدفاع عن الآثار العراقية) تهدف إلى الدفاع عن الإرث الحضاري للعراق من خلال عدة نشاطات منها مطالبة الجهات المسؤولة إيقاف العمل مؤقتاً في إعادة بناء مسجد النبي يونس في تل التوبة بمحافظة نينوى. 
.
أقرا المزيد ...

السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول ) (1/4/2017)

 عقد المرصد النيابي في مؤسسة مدارك طاولة حوارية بعنوان (السياسة المالية في العراق للمدة من 2004 لغاية 2017- تحليل وحلول) وذلك على قاعة المركز الثقافي النفطي اليوم السبت الموافق 1/4/2017 ، حيث قدمت الدكتورة ماجدة التميمي عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ورقة بحثية عن الموضوع وحضر الندوة العديد من الأكاديميين والباحثين المختصين بالشأن الاقتصادي   .
أقرا المزيد ...